كان الجو خانقاً لدرجة أن أول شهقة سحبها ليفان ليريح صدره اقتحمت رئتيه كحمولة من الجمر، ممزوجة بطعم ملوحة ورائحة غبار محترق. سعل ليفان بعنف، وكل زفرة كانت تجرح حنجرته الجافة وتترك أثراً حارقاً في صدره.
حاول ليفان الجلوس لكنه انتفض فوراً حين لسعت حرارة الرمل كفيه. وبدلاً من أن يكمل جلسته دفع جسده للأعلى لينهض وهو يترنح بينما كانت الأرض لا تزال تدور به. رفع يده ليحمي وجهه لكن الضوء اخترق جفنيه بقسوة، فصار الضياء يضغط على رأسه ويؤلم عينيه الرماديتين بشدة.
'أين أنا؟ عيناي.. عيناي تحترقان'
ضغط ليفان بكفيه على عينيه ليحمي نفسه من ذلك الضوء القوي الذي اخترق رأسه، وبدأ الخوف يتسلل إلى قلبه وهو لا يرى شيئاً. وسط هذا الضياع، سمع صوت خطوات سريعة تقترب منه فوق الرمل الجاف، وكان الصوت مضطرباً ويدل على قلق صاحبه.
"ليفااان"
وصله نداء إينا من مكان قريب جداً لكن نبرتها كانت ترتجف بطريقة لم يألفها ليفان أبداً. كانت نبرتها تفيض بذعر.
'هذه إينا؟ هل سقطنا في المكان ذاته؟'
تأكيداً لظنه أحس بأصابعها تنغرز بقوة في ذراعه اليسرى وهي تسحبة للتحرك معها فوق تلك الرمال التي تلسع باطن قدميه.
"تحرك معي ولا تفتح عينيك الآن"
لم يقاومها ليفان بل سار خلفها بخطوات غير متزنة وهو يتشبث بذراعها بقوة. كانت قدماه تغوصان في الرمل الحار بينما يهمس بصوت مبحوح.
"حتى ولو فتحت عيني أنا لا أرى شيئاً"
توقف نبضه للحظة وشعر ببرودة غريبة تكتسح صدره رغم الحرارة الخانقة، وتسارعت دقات قلبه أمام فكرة مرعبة سيطرت على رأسه.
'هل أنا أعمى؟ هل فقدت بصري حقا؟'
تحدثت إينا وهي تسحبه بقوة.
"لقد تأخرت كثيراً في الوصول، نحن هنا منذ نصف ساعة ننتظرك تحت الشجرة"
ثم ارتفع صوت رومو قادماً من ناحية الشجرة وكان يصرخ بذعر وهو يراهما يقتربان بصعوبة.
"ليفان تماسك سوف تشعر بتحسن تحت الشجرة"
نادت إينا وهي تشد ليفان بجهد.
"رومو! تعال والتقط ذراعه الأخرى"
تحرك رومو من مكانه عند حافة الظل حتى وصل إليهما وأمسك بذراع ليفان الأخرى، وبدأ الاثنان بجره وتوجيهه بقوة للوصول إلى المكان الآمن.
"ارفع قدميك ولا تتوقف"
حثه رومو وهو يلهث بتوتر واضح.
دفع ليفان قدميه فوق الرمل بكل ما تبقى له من قوة. لم تكن تلك الشجرة بعيدة لكن وهج الشمس والحرارة الخانقة جعلا المسافة تبدو وكأنها بلا نهاية. خطوة ثقيلة تتبعها أخرى بينما كان عقله يسترجع ما مر به.. هربه من حياة القرية البائسة ثم جره مقيداً إلى سجون الأكاديمية ليكون مجرد أداة يتدرب عليها النبلاء لينتهي به المطاف في لعنة الهاوية.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة وسط هذا الألم. لم تكن نابعة من فرح بل سخرية من حظه العاثر. هرب من جحيم ليجد نفسه في قلب جحيم آخر وتساءل بمرارة إن كان سيموت الآن قبل أن تسنح له الفرصة لتجربة قدرته التي حصل عليها للتو.
ومع تلك الابتسامة المكسورة تمتم بصوت خافت وهو يشعر برأسه يثقل.
"أرجوكما.. سأفقد وعيي"
أحكمت إينا قبضتها على ذراعه وهي تجره بجهد واضح.
"أرجوك تحمل سوف نصل.. نحن أيضاً كنا مثلك عندما وصلنا"
اندفع ليفان معها بجسده المترنح حتى دفعته إينا فجأة ليدخل منطقة الظل تحت الشجرة.
"الآن! ادخل"
بمجرد تجاوزه ذلك الحد الفاصل، تلاشت لسعات الضوء القاتلة عن جلده فوراً. انسابت رطوبة خفيفة سمحت لرئتيه أن تتوسعا لأول مرة دون ألم حارق. تهاووا جميعاً فوق الأرض يلهثون من التعب، بينما أحس ليفان ببرودة الرمل تحت جسده بعد أن خفتت الحرارة بشكل ملحوظ جداً.
وضع رومو كفه على كتف ليفان وضغط عليها ليلفت انتباهه.
"افتح عينيك ببطء وابدأ من الأسفل"
فتح ليفان عينيه ببطء شديد فظهرت أمامه جذور شجرة ضخمة تضرب في عمق الأرض وتلتف حول بعضها بقوة. كانت الرؤية ضبابية ومشوشة في البداية لكنه استطاع تمييز تلك التعرجات الخشبية، مما جعله يتنفس الصعداء حين أدرك أنه لم يفقد بصره كما كان يتوقع.
'يبدو أن حظي لم ينتهِ بعد'
وقفت إينا داخل الظل تلتقط أنفاسها المتقطعة، ورفعت يديها لتجمع خصلات شعرها الأحمر المبللة بالعرق وتربطها للخلف بعيداً عن عنقها. نظرت إلى ليفان بنظرة ثابتة وهي تحكم ربطة شعرها.
"نجونا وهذا هو المهم الآن.. يجب أن نفهم موقعنا والخطر الذي يحيط بنا لكي ننجو."
رغم النجاة المؤقتة لم يكن لديهم وقت للتفكير أو استيعاب ما جرى. نظروا إلى بعضهم وهم ما زالوا يرمشون بقوة محاولين طرد الضبابية التي خلفها الوهج الشرس، فما زالت أعينهم تكافح للاعتياد على هذا الظل المفاجئ. تبادلوا نظرات صامتة كانت كافية لفهم ما يدور في ذهن كل واحد منهم، وكأن الخوف قد وحد أفكارهم في تلك اللحظة.
قالتها إينا بوضوح بوجه مصدوم.
"شمس داخل الهاوية؟"
جمدت كلمات إينا عقل ليفان. في مخيلته كانت الهاوية تعني الظلام وضيق الصخور فوق الرؤوس، وليس هذا المدى الواسع الذي يمتد أمامه الآن.
تلاشت الغشاوة قليلاً وظهر أمامه واقع المكان الغريب. لم يكن الرمل أبيض ناصعاً كما خيل إليه، بل كان لونه يميل إلى الصفرة الذهبية الباهتة.
التفت يميناً ويساراً محاولاً استكشاف ما حولهم، لكن رؤيته اصطدمت بجدران من الرمل ارتفعت على الجانبين بارتفاع خمسة أمتار، حصرت نظره في اتجاه واحد فقط ومنعت أي رؤية جانبية.
في نهاية ذلك المدى، برزت تلة صخرية شاهقة قدر ليفان طولها بنحو مئتي متر، تبعد عنهم مسافة ثلاثمئة متر تقريباً، تقف بصلابة تحت ذلك الضياء المنهمر من الأعلى.
وعلى امتداد المساحة الفاصلة بينهم وبين التلة، تناثرت أشجار قليلة تفاوتت أطوالها بين مترين وعشرة أمتار، بالكاد تكسر حدة أشعة الشمس الحارقة بظلالها المتباعدة.
استدار ليفان بجسده ببطء وهو يشعر بثقل في عضلاته ليرى من أين سقطوا. هناك، على مسافة ثلاثين متراً خلفهم في الرمل، كانت تقبع قطعة قوس إينوما. تلك الدائرة المعدنية التي سحبتهم إلى هذا الجحيم كانت مستقرة وسط الرمل تعكس الضوء ببرود مستفز، وكأنها لم تكن السبب في كل ما حدث لهم.
شعر ليفان بضيق شديد وهو يراقبها وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. تمنى في تلك اللحظة لو كانت تلك الدائرة المعدنية بشراً ليقف أمامها الآن ويصفعها بقوة، لعل ذلك يبرد الغيظ الذي يحرق صدره من حظه اللعين.