رغم رغبته المشتعلة في صفع تلك القطعة المعدنية، إلا أن ليفان قبض على كفه بقوة حين أدرك قيمتها الحقيقية. فهي قد تكون الدليل الوحيد لخروجهم من الهاوية.
تسللت إلى ذاكرته صورة المدرب روبرت، الرجل الصارم الذي جهزهم لمواجهة الهاوية. وسط إهانات الأكاديمية، كان روبرت الوحيد الذي عاملهم كبشر يستحقون النجاة، ولأجل هذا حُفرت نصائحه في عقله.
كانت كلماته تتردد بوضوح الآن، فلا يوجد في الهاوية من ينتظرك ليشرح لك طريقة العودة، بل أنتم من يجب أن يكتشف الطريق بأنفسكم.
وهذا يعني أن الهاوية تتلاعب بقواعدها مع كل ضحية تسحبها، تغير وسيلة العودة ولن تظل الطريقة نفسها أبداً. كان عليهم الآن فهم لغزها الجديد الذي لا يشبه أي شيء تعلموه سابقاً. النجاة والخروج من هذا الجحيم هو الخيار الوحيد، وإلا سيبقون هنا للأبد.
"لحظة.. هل يوجد ليل هنا؟ أقصد في الهاوية؟"
سحب سؤال رومو ليفان من شروده العميق.
تبادل ليفان وإينا نظرة سريعة تحت هذا الظل. فكرة غياب الليل كانت تعني ببساطة أن الحرارة لن تهدأ، وأن الرمل الذي لسع أقدامهم قبل قليل سيظل يطاردهم للأبد.
'إذا لم ينتهِ هذا الضوء المزعج.. فكيف نكمل طريقنا بحثا عن أي دليل للخروج؟'
شعر ليفان بضيق يزداد في صدره وهو يحسب المسافة الفاصلة بينهم وبين التلة الصخرية. غياب الليل يعني أن عليهم التحرك تحت هذا الضوء، ومواجهة تلك الأشعة التي كادت أن تفقدهم بصرهم منذ اللحظة الأولى.
'منطقياً...'
حدث نفسه محاولاً التمسك بأي أمل.
'إذا كان هناك ليل، فهناك حل. بمجرد أن تغيب هذه الشمس، ستنخفض الحرارة، وحينها يمكننا التحرك لفهم هذا المكان.'
بدت الفكرة بسيطة، لكنها تحمل وجهين كلاهما قد يكون مر. إن كان هناك ليل، فقد يجلب معه مصائب مجهولة. وإن لم يكن، فهذه المحرقة قانون ثابت لا مهرب منه.
لطم ليفان جبهته بكفه بقوة حين أجهده التفكير في حيرة الليل والنهار دون جدوى. وسط هذا الضيق قفزت إلى ذهنه حقيقة غابت عنه في زحام الوجع، سبعمائة مراهق سُحبوا معهم إلى الهاوية في اللحظة ذاتها.
استحضر وجوه النبلاء الذين قضوا عاماً كاملاً يصقلون مهاراتهم باستخدام أجساد العبيد، يضربونهم ليتعلموا كيف يقتلون ويصمدون.
اللعنة عليهم، لكن وجودهم هنا يعني توفر معلومات ومعدات جاهزة للاقتناص.
ارتفعت زاوية فم ليفان ببطء في ابتسامة خبيثة وهو يتخيل الفكرة في رأسه.
'هل أسمي هذا انتقاماً؟'
هز رأسه نافياً ببطء وهو يضغط بأطراف أصابعه على ذقنه. فهو رجل يترفع عن هذه الترهات ولا يهتم بتوافه الحقد، فكبرياؤه يمنعه من تضييع وقته في الثأر الشخصي.
لكن المنطق يفرض نفسه، فهؤلاء النبلاء يمتلكون ما لا يملكه العبيد. لقد جُهزوا للنجاة، وزُودوا بأدوات وقطع أثرية نادرة وتدريبات تهدف لفك أسرار الهاوية والوصول إلى بوابة العودة وتفعيلها.
'سوف أسرقهم على أي حال، سأجعلهم مجرد مخازن متنقلة لمعداتي'
قبض يده بقوة والتفت نحو إينا ورومو بملامح حادة، فقد تبدلت نظرته للمكان تماماً. لم يعد يرى الممر الرملي كعائق، بل كساحة ينتظر فيها أولئك الذين أذلوه يوماً ليحوّلهم إلى أدواته في خطة عودته إلى العالم في الأعلى.
رمق رومو ليفان باستغراب تام وهو يراه يلطم جبهته فجأة.
"لماذا تضرب جبهتك؟ نحن نتحدث عما إذا كان يوجد ليل هنا!"
"اه صحيح.. آسف." رد ليفان وهو يحرك رأسه بابتسامة باهتة.
كانت الحيرة تملأ عقله هو الآخر بخصوص هذه الطبيعة الغريبة التي يسكنونها، فلم تكن شمس هذا المكان تشبه أي شيء عرفوه في عالمهم، بل كانت شمساً قاتلة.
كان ليفان بطبعه حذراً، لا يميل لشرح مبررات أفعاله أو استنزاف طاقته في النقاشات. تظل أفكاره حبيسة حواره الداخلي دائماً، تاركاً للآخرين ملامح غامضة وردوداً مقتضبة لا تظهر حقيقة ما يدور في رأسه.
زفرت إينا بضيق ونهضت لتقطع تساؤلاتهم. ذهبت إلى الفاصل بين ضوء الشمس وظل الشجرة، ثم رسمت بقدمها خطاً عند تلك الحافة، وآخر خلفه للداخل. وقفت تراقب الرمل بتركيز، لتعرف إن كان الظل سيتحرك أم أنه ثابت.
تابع ليفان حركتها بعينين نصف مفتوحتين، والتقط الفكرة فوراً.
"تريدين قياس حركة الظل."
التفتت إينا وعبست بضيق، فقد أفسد استنتاجه المباشر لذة مفاجأتها.
نظر ليفان إليها باستغراب، لكنه سكت حين رأى عينيها تشتعلان وهي ترمقه بحدة.
"نعم نعم."
"يجب أن أتأكد أن هناك دورة زمنية هنا."
ثم أشاحت إينا بوجهها عنه لتعود إلى مراقبة الخط بتركيز، وعندها فقط أخرج ليفان الهواء من رئتيه في زفير طويل وهادئ حين أبعدت نظرها عنه.
'لقد نجوت من عدو غير مباشر'
هذه المسايرة لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت منذ أيام سكن أكاديمية النبلاء. كان يترك لها وهم القيادة ويهز رأسه موافقاً لتجنب ضجيج نزاعاتها، تاركاً إياها في الواجهة بينما يفعل هو ما يراه صحيحاً.
مرت ثوانٍ والعيون تراقب الخطوط على الرمل، يترقبون إن كان الظل سيتحرك أم سيبقى في مكانه.
التفتت إينا نحوهما فجأة.
"تتذكرون؟ قبل أن تسحبنا الهاوية، أخبرتكم أننا يجب أن نعرف القدرات التي سوف نكتسبها. هذا هو الوقت المناسب الآن، بدلاً من انتظار تحرك الظل سنستغل الوقت."
جلس الثلاثة على جذور الشجرة، مشكلين حلقة صغيرة.
بدأت إينا.
"قدرتي من نوع الإدراك، أستطيع رؤية مستقبل الضربة قبل حدوثها بثانيتين."
رفع رومو بصره نحوها.
"أنا من نوع التشكيل، أستطيع تشكيل قوس أخضر من طاقة الزن وإطلاق سهام."
'هل هذا كل شيء؟' تمتم ليفان، ثم سأل.
"هل قابلتم أحداً قبل نزولكم إلى هنا؟"
تبادل إينا ورومو نظرة استغراب، وردت إينا.
"لا، فقط فراغ أسود، ثم فهمنا قدراتنا، كأنها كانت جزءاً منا قبل أن ندخل هنا."
أخفض ليفان نظره يقلب إجابتها.
'فراغ أسود فقط؟ إذاً أنا الوحيد.'
أدرك فوراً أن تجربته كانت استثناء. أطبق ليفان شفتيه ببرود دافناً حقيقة ذلك العجوز في رأسه. لم يجد دافعاً واحداً للبوح، فمنذ أن خطى خارج قريته لم يعرف يوماً معنى الصداقة الحقيقية، وتلك الحياة البائسة التي تركها خلفه حفرت في عقله درساً قاسياً ألا يمنح ثقته لأي عابر. وفي مكان مجهول كهذا، كان ابتلاع سره بصمت هو المنطق الوحيد الذي يضمن بقاءه.
رفع رأسه ليقابل نظراتهما المترقبة، حان دوره الآن.
'حسنا هذا الجزء فقط... ضروري لنجاتي.'
"الجاذبية، أستطيع سحب أو جذب الأجساد أو نفسي."
عقدت إينا حاجبيها باستغراب.
"ماذا؟ لم أسمع بهذا النوع من قبل."
نظرت نحو كفيها للحظة، ثم أضافت.
"لا أعلم تصنيف قدراتنا بدقة، ولكن بالتأكيد ليست قدرات عادية."
وفجأة، انفجر صوت ارتطام وحشي من جهة اليمين.
اهتزت الأرض بعنف تحت أقدامهم، وتناثر الغبار من جذور الشجرة. التفت ليفان بلمح البصر، رمق التلة الصخرية الشاهقة أمامه، ثم خطف نظرة سريعة نحو القطعة المعدنية خلفهم. لا شيء هناك.
كان المصدر يميناً تماماً، خلف مرتفعات الرمل الذي يرتفع خمسة أمتار ويسد رؤيتهم بالكامل.