تسمر الثلاثة في أماكنهم داخل ظل الشجرة، عاجزين عن الحركة لثوانٍ ثقيلة. كان دوي الانفجار وحشياً، مزق الهواء ورجّ الأرض تحت أقدامهم بعنف، وبشكل مباغت كما بدأ، انقطع الصوت تماماً مخلفاً وراءه صمتاً خانقاً. وسط هذا الذهول، كانت أنفاسهم المتسارعة هي الشيء الوحيد الذي يؤكد لهم أنهم ما زالوا أحياء، وأن هذا المكان لم يعد آمناً أبداً.

كسرت إينا هذا الصمت وهي تلتفت نحو ليفان بملامح مستعجلة، وكأنها تحاول استغلال الثواني قبل أن يحدث مكروه مفاجئ.

"ليفان... قلت إنك تدفع وتجذب."

أشارت بعينيها نحو قوس إينوما.

"ادفعني إلى هناك واجذبني فوراً عندما أخبرك. يجب أن نتأكد إن كانت هذه القطعة تعمل قبل أن نبتعد من هنا."

مسح ليفان المسافة بعينيه سريعاً. لم يسبق له تجربة قدرته، لكن المعرفة بها كانت محفورة في وعيه وكأنها جزء منه منذ دخوله إلى الهاوية. اتخذت إينا وضعية الاستعداد، فوقف ليفان خلفها ورفع كفه باتجاهها، ثم أطلق قدرة الدفع.

طارت في الهواء بعنف، وانفكت عقدة شعرها لتتطاير خصلاتها للخلف من قوة الدفع، قبل أن تهبط تحت القوس تماماً.

'لحسن الحظ أنها ليست سمينة.'

أنزل ليفان ذراعه يراقب المسافة التي قطعتها. ضغط بيده فجأة على صدغه وهو يشعر بنبض غريب ودوار خفيف عكر صفو رؤيته لثوانٍ. لقد أساء تقدير طاقته في هذه التجربة الأولى، ووزنها الخفيف هو ما جعل قوة الدفع تقذفها بتلك السرعة.

من داخل ظل الشجرة، راقب ليفان ورومو إينا وهي تعبث بتلك الخردة المعدنية بيديها السريعتين باحثة عن أي منفذ لتفعيلها. كان رومو يلهث بجانبه، يرتجف وهو يحدق في جسدها البعيد.

"ليفان... ماذا نفعل إن لم يعمل هذا القوس؟"

التفت ليفان نحو رومو المرتجف. بالنسبة لشخص واجه الموت مراراً في حياته البائسة، تعطل خردة معدنية لا يستحق كل هذا الذعر.

"سنبحث عن الآخرين."

وما كادت الكلمات تفارق شفتيه، حتى اهتز الهواء بصوت ارتطام جديد قادم من نفس الجهة اليمنى، ولكنه جاء مكتوماً وأخف من الانفجار الأول. التفت ليفان ورومو فوراً نحو إينا، كانت مذعورة في مكانها تحدق باتجاه الصوت، قبل أن تستدير نحوهما فجأة وتلوح بيدها في الهواء بحركة مستعجلة.

أطلق ليفان قدرة الجذب بكل ما أوتي من قوة. اندفعت إينا نحوهما تشق الهواء، مخلفة وراءها غباراً من الرمال، لتستقر داخل حدود الظل في غضون ثانيتين.

قوة السحب المفرطة أفقدتها توازنها، فترنحت وكادت أن تسقط فوق جذور الشجرة لولا تداركها لنفسها بصعوبة، ثم استدارت نحوه بوجه غاضب.

"عليك اللعنة! هل تنوي قتلي أم ماذا؟"

"آسف.. لم أقصد."

نطقها بوجه لا يحمل ذرة أسف. بل على العكس، شعر بخيبة أمل خفية لأنها استعادت توازنها، فقد تمنى بصدق لو أن وجهها الغاضب ارتطم بجذع الشجرة. كان يريد فقط لقطة ساخرة يتذكرها لاحقاً.

راقب رومو ملامح إينا الغاضبة، وسأل بصوت مهتز.

"هـ-هل القوس لا يعمل؟"

"تسسس." فلتت من بين أسنانها بضيق وهي تضرب ملابسها بيديها لتنفض الرمل عنها.

"خردة تماماً. كما حذرونا.. الخروج ليس سهلاً."

مسح ليفان المحيط بنظرة منزعجة. الرمال المرتفعة تحجب الرؤية من الجانبين، ولا يوجد أثر واحد يوجه خطوتهم التالية.

'أين نزل النبلاء الملاعين؟'

كان سيكون سعيداً لو عرف مكانهم فقط، فغموض المكان زاد من رغبته في سرقتهم. وقع بصره على ما يرتدونه، قميص وبنطال رمادي موحد، فقبض بيده على طرف قماش قميصه بتقزز واضح. كان يتمنى حقاً التخلص من لباس العبيد هذا واستبداله بملابس النبلاء.

'حسناً.. سأحصل عليهم لاحقاً على أي حال.'

خفضت إينا بصرها نحو الخط المحفورعلى الرمل، فظهر أمل على ملامحها فجأة. لقد تحرك الظل وتجاوز العلامة بوضوح.

"تتحرك.. الشمس تتحرك!"

اندفعت كلماتها لاهثة وهي تمسح الأفق بعينين متسعتين، ثم صوبت يدها بحدة نحو القمة الحجرية البعيدة.

"الغرب هناك! تلك التلة هي طريقنا الوحيد، يجب أن نصل إليها الآن. البقاء هنا خطر، ذلك الصوت قبل قليل قد يكون شيء يراقبنا أو مخلوق مشوه يقترب منا!"

شحب وجه رومو وهو يحدق في المدى. كانت الثلاثمائة متر من الرمال الحارة تلسع عينيه وتجبره على تقليص جفونه من شدة الوهج.

"لـ.. لكن المسافة بعـ.."

قاطعه ليفان وهو يتأهب لمغادرة ظل الشجرة.

"لا تقلق، سنتوقف لثوانٍ تحت تلك الشجيرات."

أشار بلمحة خاطفة نحو شجيرات متناثرة في الطريق ، كانت تبدو بقعاً ضئيلة من الأمان وسط هذه الحرارة.

نظر ليفان إلى إينا فرآها تثبت نظراتها عليه بتركيز.

'ماذا تريد هذه القائدة الآن؟'

لم يطل صمتهما حتى تحدثت إينا.

"ليفان، استخدم قدرتك مجدداً. ادفعنا جميعاً نحو التلة، ستقصر المسافة علينا."

'ماذا؟ هل ستستخدمينني وسيلة نقل دائمة الآن؟'

حدق في كفه المرتجفة قليلاً بانزعاج. حسّ بدوار خفيف يهاجم رأسه، وضغط بإبهامه على صدغه محاولاً استعادة توازنه.

"أشعر بدوار.. قد يكون بسبب استخدام قدرتي. لن أخاطر في استخدامها الآن."

مع هذا الدوار، أدرك ليفان حقيقة غابت عن المعرفة التي زُرعت في وعيه. الهاوية منحتهم كيفية استخدام قدراتهم، لكن الثمن لم يُنقل إليهم. لم تكن هذه القوة مجانية أبداً، بل ضريبة تُسحب من ثباتهم الجسدي، وعيباً قاتلاً تُرك لهم ليكتشفوه بأنفسهم عبر التجربة.

'يجب أن أكون حذراً في استخدام قدرتي.'

لم تضيع إينا وقتاً في الجدال.

"إذن لا خيار هيا بنا .. الآن!"

غادروا الظل دفعة واحدة. الخطة كانت تعتمد على التحرك بسرعة، لكن وما إن بدؤوا المسير حتى لسعتهم الحرارة فوراً. التنفيذ كان مرهقاً، فالرمل تحتهم لم يكن صلباً، بل ناعماً وكثيفاً يبتلع أقدامهم ويقاوم كل خطوة يخطونها.

زاد شكل الأرض من شعورهم بالحصار، فعلى بعد أربعين متراً عن يمينهم ويسارهم ارتفعت كثبان رملية منحدرة لخمسة أمتار، تحجب الرؤية وتجعل طريقهم ممراً إجبارياً ضيقاً. لم يكن أمامهم خيار سوى بلوغ التلال الصخرية البعيدة، لعلهم يجدون وسط صخورها جحراً يحميهم من غموض الليل القادم.

وفي أثناء ذلك تعثر رومو وكادت ركبته تلمس الرمل. انكمشت ملامحه بجهد واضح وهو يعاند ثقل الرمال ليرفع قدمه.

"الأرض! إنها تمسكنا، الرمل كثيف جداً!"

لم يلتفت ليفان خلفه، بل أبطأ مسيره مدركاً ثقل الخطوات ذاته.

"سمعت قديماً أنه إذا أمسكتك الأرض بهذا الشكل، فهي تريدك أن تتوقف."

ابتلع رومو ريقه.

"تتوقف؟ لماذا؟"

لوى ليفان زاوية فمه بابتسامة ساخرة.

"لتأكلك."

تجمد عقل رومو للحظة.

"ليفان— أنت تمزح؟"

ردّ ليفان وهو يواصل السير.

"لا أعلم. لكن إن أردت التجربة... توقف."

نظر إينا اليهم بغضب.

"كفاك يا ليفان. ظلّ الشجرة القادمة... الآن."

واصلوا المسير بخطوات تزداد ثقلاً. العرق يحرق جفونهم، والهواء الساخن يجرح حناجرهم مع كل شهيق. بدت المسافة أطول من المعتاد، لكنهم عاندوا الإرهاق حتى بلغوا ظل التلة.

وما إن تجاوزوا خط الشمس المحرق، انهارت أجسادهم. كانت الأرض تحت التلة مليئة بصخور متناثرة، فرمى رومو ظهره بجوار إحداها، ومسح بكفه على سطحها البارد بارتياح تام.

"وصلنا."

.....

اذا وصلت هنا اعطيني رأيك في الرواية

2026/04/05 · 1 مشاهدة · 998 كلمة
Levan
نادي الروايات - 2026