وما إن عبروا حدود الظل، حتى أفلت ليفان وزن جسده بالكامل ليرتطم بإحدى الصخور المسطحة. لم يكتفِ بالجلوس، بل ألقى بصدره عليها وطوقها بذراعيه بقوة، ملتصقاً بسطحها الخشن.
"آه، بارد."
خرجت الكلمة من أعماق حنجرته الجافة كأنين ارتياح حقيقي. برودة الحجر كانت تمتص حرارة جسده المحترق وتخدر عضلاته المنهكة.
وقفت إينا قريباً منه، تمسح العرق عن جبهتها، ورمشت عدة مرات محاولة الرؤية بوضوح داخل الظل.
"ربما علينا الاستراحة هنا لبعض الوقت. أعيننا بدأت تعتاد على وهج هذه الشمس."
أغمض ليفان عينيه وأدار خده على السطح البارد للصخرة، متجاهلاً وجودها تماماً.
انكمشت ملامح إينا بضيق ورفعت نبرة صوتها.
"ليفان، أنا أكلمك!"
لم يكلف نفسه عناء الالتفات أو فتح عينيه، بل تمتم بصوت خافت يعكس راحة مفرطة واستفزازاً متعمداً.
"افعلوا ما يحلو لكم، سآخذ هذه الصخرة معي عندما نغادر هذا المكان."
تجعد وجه إينا بغضب واضح. تقدمت بخطوات سريعة حتى وقفت فوق رأسه تماماً، وضربت بقدمها الأرض الصخرية بجانبه.
"متى ستأخذ هذا بمحمل الجد؟ نحن داخل الهاوية، والخطر يحيط بنا من كل جانب، وأنت تعانق حجراً!"
تدخل رومو بصوت لاهث وهو يجر قدميه مقترباً من إينا.
"أرجوكِ دعيه، سوف نستريح هنا على أي حال، أليس كذلك؟"
تنهدت إينا بحدة وتراجعت خطوة للوراء، تاركة ليفان يستمتع ببرودة صخرته.
تراخت أجسادهم تدريجياً بعد أن زال خطر الشمس المباشر. انزلق رومو ليجلس مستنداً إلى الجدار الصخري، وتبعته إينا. مرت ساعات بطيئة وثقيلة، استند خلالها الثلاثة على الصخور المسطحة، متنعّمين ببرودة الظل الذي ابتلع المكان بعد أن اختفت الشمس الحارقة خلف التلة تماماً.
وسط هذه العتمة الخفيفة، بدأ الخوف من المجهول يحل محل التعب. جلسوا في تشكيل دائري يحيطون ببعضهم، وسحب كل منهم حقيبة ظهره التي تحتوي على أساسيات النجاة للأيام الأولى.
مسحت إينا المحيط بنظرة حذرة قبل أن تتحدث.
"الأسلحة أولاً. يجب أن تكون قريبة وعلى وضعية الاستعداد."
أومأ رومو وسحب سيفه ليضعه مسلولاً على صخرة بجواره، وفعلت إينا الشيء ذاته. بينما اعتدل ليفان في جلسته أخيراً، وأراح كفه على مقبض خنجره المعلق بخصره ليتأكد من جاهزيته.
فتحت الحقائب بأيدٍ متعبة. أخرجوا قطعاً من الخبز اليابس وقرب الماء الصغيرة. وقبل أن يرفعوا القرب إلى شفاههم المتشققة، توقفت حركتهم في لحظة واحدة. حدق الثلاثة في كمية الماء القليلة. لم ينطق أحد بكلمة، لكن الفكرة ذاتها ضربت عقولهم في وقت واحد وبوضوح مرعب.
'هذا الماء يكفي لثلاث جرعات فقط.'
قبض رومو على قربته بقلق، وصوته يخرج مبحوحاً.
"ماذا سنفعل إذا انتهى الماء ولم نجد دليلاً للخروج من هنا؟"
أحكمت إينا إغلاق قربتها بعد أن بللت شفتيها بالكاد.
"سنقتصد في الشرب، هذا حلنا الوحيد إلى أن نجد حلا."
رمقهم ليفان بنظرة شفقة.
'هل نسوا أننا لسنا وحدنا من سحب إلى الهاوية؟'
تمتم في سره، ثم أمال رأسه وقال بصوت مسموع.
"لقد كنت أفكر في هذا منذ سحبنا إلى هنا لأول مرة، ووجدت حلاً بسيطاً وسهلاً جداً."
التفت إليه رومو وإينا في نفس اللحظة.
"ما هو؟" سأل رومو بلهفة.
ارتفعت زاوية فم ليفان بابتسامة باردة.
"نسرق النبلاء المخ***."
وما إن خرجت الكلمة، حتى تبدلت ملامح إينا وعاد الغضب ليشد وجهها.
"تسرق النبلاء؟ هل تظن أنك قوي لهذه الدرجة لتفعلها؟"
لم يتأثر ليفان بنبرتها الحادة. كسر قطعة صغيرة من خبزه اليابس بين أصابعه، وتحدث بصوت خالٍ من أي انفعال.
"القوة للوحوش، أما نحن فنحتاج للفرصة."
رفع عينيه إليها، بنظرة قاسية ومظلمة تحمل ثقل سنوات من الجوع.
"منذ طفولتي وأنا أقف أمام رجال بضعف حجمي. لم أكن أملك سيفاً أو سحراً، كنت أملك الجوع فقط. لم أهزمهم بعضلاتي يوماً، بل بخداعهم. تعلمت كيف أجعلهم ينظرون في الاتجاه الخاطئ بينما أفرغ جيوبهم لأعيش يوماً آخر."
ألقى قطعة الخبز في فمه وبدأ يمضغها ببطء.
"هؤلاء النبلاء مجرد حمقى مدللين. سلبهم لا يحتاج إلى قوة أو مواجهة مباشرة، بل لخدعة صغيرة في اللحظة التي يظنون فيها أنهم آمنون."
"لا تجلب لنا المشاكل. " تحدثت إينا بنبرة تحذيرية حازمة.
"خلق العداوات معهم هنا يعني مواجهة عائلاتهم لاحقاً عندما نخرج من الهاوية، لا تنسى هذا."
توقف ليفان عن المضغ. ابتلع طعامه الجاف بصعوبة ومسح فتات الخبز عن زاوية فمه، ثم رفع نظره إليها ببرود تام.
"نخرج؟ وهل تظنين أننا سنعود أحراراً عندما نخرج؟"
أمال رأسه قليلاً، وصوته يخرج ثقيلاً ومحملاً بواقعية قاسية.
"سبب كوننا عبيداً في هو هذا الخوف الذي تتحدثين عنه. الرعب من أسمائهم، من سلطتهم، ومن عائلاتهم. نحن نعيش في القاع ونأكل الفتات لأننا نرتعد من فكرة إغضابهم."
أشار بإصبعه نحو الرمل الحارق خارج ظل التلة.
"أنا لست غبياً لكي أنتحر. أنا أعلم متى أحني ظهري، وأعرف كيف ألعب دور العبد المطيع والأعمى ببراعة متى ما اضطرتني الظروف، عندما يكون سيف أحدهم على رقبتي ولا أملك خياراً آخر. سأبتسم وأنحني لأعيش."
خفض إصبعه واقترب بوجهه قليلاً، وتحدث بنبرة منخفضة.
"لكننا الآن في الهاوية. هنا لا توجد عائلاتهم لتحميهم ولا حراس يطعمونهم. الجوع والعطش لا يفرقان بين دم نبيل ودم عبد. إن سنحت لي فرصة لسلب مائهم لأبقى حياً، سأفعلها. الخوف من عائلاتهم في الخارج لن يروي عطشي هنا.. وإذا ماتوا جميعهم هنا، لن يعلم أحد بعداوتنا معهم أبداً.. أليس كذلك أم أنا مخطئ؟"
اتسعت عينا إينا بصدمة إثر صراحته القاسية. لم يسبق لليفان أن كشف عن دواخله بهذا الوضوح من قبل، فهو قليل الكلام بطبعه، ويفضل الصمت والمراقبة دائماً.
تذكرت الأشهر الثلاثة التي قضوها معاً قبل سحبهم إلى هذه الهاوية، داخل إحدى أكاديميات النبلاء. لم يكونوا طلاباً هناك، بل مجرد أكياس لحم بشرية تُستخدم لتدريب أبناء العائلات الراقية على الضرب.
ورغم اشتراكهم في ذلك الجحيم اليومي وتلقيهم الكدمات ذاتها، أبقى ليفان دائماً حاجزاً صلباً بينه وبينهما. لم يعاملهما يوماً كأصدقاء حقيقيين، بل كمجرد رفقاء جمعتهم الصدفة في مكان قذر.
ابتلعت إينا الكلمات التي كادت أن تنطق بها. أدركت أن ليفان الذي يجلس أمامها الآن لم يتغير، بل ببساطة نزع القناع الذي اضطر لارتدائه في الخارج، لأن قوانين العالم الحقيقي لم تعد تعني له شيئاً هنا.
وبدلاً من الجدال، ارتخت ملامحها المشدودة ببطء، وارتسمت على شفتيها المتشققتين ابتسامة خفيفة. لم تنطق بحرف واحد، لكن بدا واضحاً أن صراحته المظلمة والمجردة من الزيف قد أعجبتها حقاً.
خيم صمت ثقيل لبعض الوقت، لم يقطعه سوى صوت مضغهم البطيء للخبز اليابس. وبعد أن ابتلعت إينا آخر لقمتها، مسحت شفتيها ونفضت يديها من الفتات لتعيدهم إلى واقعهم الحالي.
"حسنا، قبل حلول الليل، يجب أن نتدرب تحت هذا الظل. كل واحد منا يحتاج لتجربة القدرة التي كسبها."
ابتلع ليفان آخر قطعة من خبزه اليابس، ونهض ببطء ينفض الفتات عن ملابسه.
"سأتدرب."
اكتفى بهذه الكلمة، وأدار ظهره مبتعداً عن جلستهم بخطوات قليلة نحو زاوية أخرى من الصخور.
انتظر رومو حتى ابتعد ليفان مسافة تمنعه من سماعهم، ثم التفت نحو إينا وتحدث بصوت خافت.
"إنه طيب جدا."
رمقته إينا بصمت تنتظر توضيحاً، فأنزل رومو بصره نحو الأرض يعبث بحجر صغير بين أصابعه.
"أعني، هو ليس بهذا السوء. الأشخاص الذين نشأوا في القسوة وتحت أقدام الآخرين يضطرون لصنع هذه النسخة البشعة من أنفسهم. يتظاهرون بالأنانية واللؤم، ويحاولون إقناع أنفسهم كل يوم بأنهم لا يهتمون لأحد، فقط لكي ينجوا."
فرك الحجر بإبهامه ببطء وتابع بصوت هادئ.
"يدفعون الجميع بعيداً بقسوتهم حتى لا يفكر أحد في استغلالهم. ليفان يناقض نفسه طوال الوقت. يرتدي أسوأ قناع ممكن لأنه يظن أن الطيبة نقطة ضعف ستقتله، لكنه من الداخل عكس كل ما يتفوه به."
رفع رومو رأسه، والتقطت عيناه نظرة إينا المتشككة.
"ولماذا أنت مقتنع جداً أنه طيب من الداخل؟"
لم يهرب رومو من نظرتها، بل ثبت عينيه في عينيها بهدوء حزين.
"لأنني كنت مثله يوماً ما."
خيم الصمت للحظة، شعرت فيها إينا بثقل الماضي الذي يربطهم جميعاً بهذا المكان. لم تجد ما تقوله، فاكتفت بهز رأسها بالموافقة وهي تنهض ببطء، وتنفض الغبار عن ملابسها.
"حسناً.. هيا لنجرب قدراتنا."
ابتعدت إينا بضع خطوات، وركزت بكل حواسها. كانت قدرتها تمنحها رؤية الضربة قبل وقوعها بثانيتين كاملتين، كأنه وميض خاطف في عقلها يسبق الواقع. تنهدت بضيق.
"لماذا لا أملك شيئاً هجومياً؟ مجرد ثانيتين للروية لن تقتلا العدو."
على الجانب الآخر، كان رومو الوحيد بينهم الذي يمتلك قدرة هجومية صريحة. وقف بثبات، وبدأ يركز طاقة الزن بين كفيه. تشكل قوس أخضر مضيء من الطاقة، ومع سحبه للوتر الخيالي، انطلقت سهام خضراء سريعة استقرت في الفراغ قبل أن تتلاشى.
وبعد مرور بضع ساعات من المحاولات، بدأت السماء تتحول من البرتقالي المحترق إلى البنفسجي الداكن. غابت الشمس أخيراً، تاركة الرمال تبرد بسرعة مذهلة، وحل عليهم الليل بسكونه وبرودته المفاجئة.
ومع حلول الليل دوي انفجار قوي من جهة الشمال وهي نفس الجهة التي أتاهم منها الصوت سابقاً أي على يمينهم تماماً. لم يتمكنوا من رؤية شيء لأن التلال الرملية الصغيرة التي لا يتجاوز ارتفاعها خمسة أمتار كانت تحجب عنهم الرؤية في ذلك الاتجاه.
كانت التلة الحجرية الضخمة أمامهم بارتفاع مئتي متر باتجاه الغرب فأشارت إينا برأسها نحو الأعلى. لم يكن هناك مفر من تسلق هذا الجبل الصخري لكشف ما يحدث خلف تلك السواتر الرملية في الشمال.
بدأوا جميعاً بالتسلق، ومع بزوغ القمر من جهة الشرق خلفهم، أضاءت أشعته الفضية الحواف الصخرية التي كانت تشبه درجات سلم طبيعية، مما جعل صعودهم سريعاً وثابتاً.
وقبل الوصول للقمة بخمسة أمتار فقط توقف رومو وأشار بيده نحو فتحة كبيرة ومظلمة في وسط الجبل لم تكن تظهر من الأسفل.
"انظروا.. يوجد كهف هناك"
اتجهوا سريعاً نحو الكهف، والتفتوا معاً نحو الشمال، نحو ذلك الصوت الذي أزعجهم. الاتجاه الذي كان على يمينهم قبل قليل أصبح الآن على يسارهم بعدما استداروا نحوه.
تسمروا في أماكنهم. لم ينطق أحد منهم بكلمة، ولم يجرؤ أحد على الحركة. كان المشهد مرعباً لدرجة أن الكلام ضاع من ألسنتهم، والبرودة جمدت أطرافهم فجأة.
وقفوا هناك كأنهم تماثيل من حجر، وعيونهم معلقة بذلك الشيء الذي ظهر في عتمة الشمال، والرهبة تملأ صدورهم وسط سكون الليل الموحش.