مرّ أسبوعٌ كامل داخل الجزيرة… أسبوعٌ لا يشبه الأسبوع الذي تعرفه الأرض. هنا لم تكن الأيام تُقاس بالشمس، بل تُقاس بعدد المرات التي نجوت فيها من أن تصبح “فراغًا” جديدًا في الغابة.
في البداية كنتُ أعدّ الساعات مثل طالبٍ ينتظر نهاية امتحان، ثم توقفت عن العدّ. لأن العدّ يسرق منك الانتباه، والانتباه هنا هو الفارق بين خطوةٍ على غصنٍ يطقطق… وبين صمتٍ يبقيك حيًّا.
كنتُ أنا وسليم نتحرك كظلَّين مربوطين بخيطٍ غير مرئي. لا ننام إلا إذا وجدنا ساترًا يُغلق علينا ثلاثة اتجاهات، ولا نأكل إلا إذا تأكدنا أن الرائحة لن تُعلننا للوحوش. تعلمنا أن نُطفئ المانا بدل أن نُشعلها، وأن نجعلها خيطًا داخليًا في الجسد لا فلاشًا في الهواء.
وفي كل مرة كنتُ أُسقط فيها وحشًا صغيرًا أو متوسطًا، كان النظام يكرر تلك العبارة المستفزة نفسها كأنه يريد أن يجعلها نشيدًا قوميًّا لي:
تم الحصول على نقاط خبرة… لكن لا تستطيع استخدامها. ثم يقترح ببرود: أرسلها لزميلك في الفريق.
في الأيام الأولى كنتُ أشعر أنني آلة تحويل: أضرب، أسقط، ثم أضغط “نقل”. سليم يرتفع، وأنا أبقى على حالي. كان ذلك يجرح جزءًا غبيًا في النفس، الجزء الذي يريد مكافأة مرئية. لكن بعد ثالث يوم، بدأ الجرح يتغير. صار يتصلّب بدل أن ينزف.
لأنني لاحظت شيئًا بسيطًا: كلما ارتفع سليم مستوى، لم يكن يرتفع “رقمًا” فقط… كان يرتفع سقف النجاة .
في المستوى الثالث صار يستطيع أن يُقوّي ساقيه للحظات دون أن يفضحنا بوميضٍ واضح. في المستوى الخامس صار “الكتم” عنده أسهل؛ كأن المانا صارت طيّعة في صدره. وفي المستوى السابع بدأت كلماته—تلك اللمسة التي يمنحها لقبه—تصير أكثر فاعلية، لا كتعويذة فاضحة، بل كتعديل صغير في سلوك الخصم: لحظة تردد، انحراف خطوة، تعثر بسيط. أشياء لا يراها غير من يراقب بعين صياد.
كان سليم يتعلم بسرعة مخيفة، لكن ليس بتهور. كنت أراه كل ليلة يجلس دقائق، يغمض عينيه، ويحاول أن يعيد “المعرفة” إلى جسده، لا إلى رأسه. وكان يسألني أحيانًا بأسلوبه الذي يجمع الجد والمزاح:
“هل هذه الكلمة تخلي الوحش يتوقف… أم أنا اللي توقفت؟”
وأجيبه: “إذا توقف الوحش وأنت تتحرك… إذن الكلمة فعلت شيئًا.” ثم أضيف: “لكن لا تنس أن الكلمة سلاحٌ يحتاج كتمًا… لأن الصوت هنا إعلان.”
بمرور الأيام، بدأتُ أنا أيضًا أتغير، لكن بطريقة لا يراها أحد على واجهة، ولا يصفق لها نظام.
كنتُ في البداية “أخطط” أكثر مما “أقاتل”. أقرأ الأرض، أقرأ الريح، أقرأ صمت الأشجار، وأتجنب الصدام. كنت أعيش بعقلٍ بارد لأن جسدي كان—على الأقل في إحساسي—ما يزال جسد طالبٍ لم يخض حربًا حقيقية.
لكن شيئًا حدث في اليوم الرابع تقريبًا.
كنا نتحرك في ممر صخري ضيق، متاهة طبيعية كما أحبها: صخور تُجبر الوحوش الكبيرة على البطء، وتُجبر البشر على كشف أنفسهم إذا أرادوا محاصرتك. فجأة سمعنا خشخشة خلفنا، ليست وحشًا هذه المرة بل بشر. فريق من أربعة. لم أرَ وجوههم جيدًا، ولم أرد أن أراها. رأيت فقط نيةً واضحة: هم لم يأتوا ليُفاوضوا، بل ليأخذوا.
سليم همس: “ننسحب؟” قلت: “لا يوجد انسحاب. هم أغلقوا المخرج.”
لم يكن عندنا وقت للتفكير في “القتل” أو “الخبرة” أو “الأخلاق” بصيغتها الفلسفية. كان عندنا معادلة بسيطة: أربعة ضد اثنين. وفي مكانٍ ضيق. وأمامنا قتال فرض نفسه.
أطلقت واحدة منهم ومضة مانا صغيرة. لم تكن قوية، لكنها كانت كافية لتستدعي وحشًا قريبًا. فهمت الخدعة فورًا: يريدون أن يضغطوا علينا بين هجومهم وبين وحشٍ ينجذب للمانا.
هنا حدث التحول الذي لم أتوقعه حتى من نفسي: لم أشعر بخوفٍ يشلّني. شعرت ببرودةٍ في العمود الفقري، ثم بانفجار تركيز. كأن “المعرفة القتالية” التي كانت في رأسي بلا جسد… وجدت أخيرًا جسدًا يقبلها.
قلت لسليم جملة واحدة: “لا تطلق شيئًا. قل كلمة واحدة فقط…
تعثر
سليم همس بالكاد: “تعثر.”
الشخص الأقرب لنا—الذي كان يندفع بثقة—اختلّت خطوته لحظة، لحظة صغيرة جدًا، لكنها في القتال تُساوي عمرًا. اندفعت أنا في اللحظة نفسها، ليس بقوة عضلات، بل بزاوية: كتف مقابل صدر، ثم دفع قصير يجعل التوازن ينهار. سقط الرجل على حجر حاد، صرخ… ثم انقطع الصوت فجأة كما انقطعت أصوات غيره من قبل.
اختفى.
لم أفرح. لم أكره. فقط فهمت القاعدة التي تدرّسها الجزيرة للحمقى: إذا لعبت بحد السكين… فالجزيرة تقرر أين يسقط جسدك.
الثلاثة الباقون تراجعوا لثانية من الصدمة. سليم استغل الثانية لتقوية جسده بالمانا داخليًا، ثم رفع يده كأنه سيطلق… فقلت فورًا: “لا.”
توقف. كتم. ثم قال كلمة أخرى همسًا: “توقف.” لم يتجمدوا كتماثيل، لكن واحدًا منهم توقف خطوة كاملة كما لو أنه فكر:
لماذا أنا هنا؟
ركضنا. لا لنطاردهم، بل لنفلت. الوحش الذي جذبته ومضة المانا وصل متأخرًا… ووجد أمامه طعامًا أسهل: الثلاثة الذين بقوا في الممر. سمعنا صرخات قصيرة وراءنا، ثم صمتًا.
عندما توقفنا بعد مسافة، كان سليم يلهث، وعيناه واسعتان.
قال: “ريان… ماذا فعلت؟”
قلت وأنا ألتقط أنفاسي: “فعلت ما كان يجب أن أفعله منذ البداية: نقلت المعرفة إلى جسدي.”
ثم فهمت معنى الجملة التي لم تكن عندي كلماتها قبل: لا خبرة بلا جسد قادر. المعرفة إذا بقيت في الرأس… تبقى ترفًا. أما إذا دخلت العضل والعصب… تصير نجاة.
في تلك الليلة، لم أنم بسهولة. لم لأنني كنت نادمًا، بل لأنني كنتُ أرى الفرق بيني قبل أربعة أيام وبيني الآن. لم أصر “أقوى” بمستوى. لم يلمع رقم فوق اسمي. لكنني صرت أكثر تكيفًا . أكثر قدرة على قراءة الخطر قبل أن يكتمل. أكثر قدرة على أن أتحرك وأقرر دون أن يغرق رأسي في الأسئلة.
والأسئلة… كانت ما تزال كثيرة. كيف أستعمل هذا القتال وأنا لا أملك مانا؟ كيف أوازن بين حماية سليم وبين عدم تحويله إلى أداة؟ لماذا النظام يستمع لأفكاري؟ لماذا يجعلني “مستثنى” بهذه الدقة؟
لكن الجزيرة لم تكن تسمح بأسئلة طويلة. كانت تسمح فقط بأجوبة قصيرة تُكتب بالأقدام: خطوة هنا، صمت هناك، التفاف، كتم، هجوم خاطف، انسحاب.
مع نهاية اليوم السادس، كان سليم قد وصل إلى المستوى الثامن، ثم التاسع. لم يكن صعودًا مجانيًا؛ كان جسده يتعب، وعضلاته ترتجف أحيانًا من كثرة “التعزيز الداخلي”، وعيناه تحملان ظلالًا من الرعب الذي لا يزول، لأن الألم—كما اتفقنا—لم يكن مخففًا. كل معركة كانت تترك فيه أثرًا، ولو لم يترك النظام “جرحًا” ظاهرًا.
وفي اليوم السابع… وصل.
كنا مختبئين داخل تجويف صخري مرتفع، نراقب منطقة مفتوحة بعيدة لأن الحركة فيها أقل. أمامنا وحش متوسط الحجم يشبه كلبًا مدرعًا يطوف وحده قرب شجرة ميتة. كان صيدًا مناسبًا. خطتنا كانت بسيطة: أنا أُسقطه بسرعة، وسليم يكتم المانا، ثم ننقل الخبرة إليه.
نفذنا. سقط الوحش. ظهرت لي الرسالة المعتادة: خبرة لا تستطيع استخدامها… اقترح نقلها. ضغطت دون تردد.
هذه المرة لم يكتفِ شريط سليم بالتحرك. امتلأ… ثم لمع.
سليم شهق. ثم صمت، كأنه يخاف أن يفقد ما حصل عليه إن تحدث.
ظهرت عنده جملة لم أرها مباشرة، لكنني قرأتها في وجهه:
“وصلت… المستوى العاشر.”
لم يقلها بفخر. قالها كما يقول إنسانٌ رقماً يغيّر كل شيء: “أنا… مستوى عشرة.”
نظرت إليه. الأبيض الذي كان يبدو هشًّا في البداية صار يحمل ثباتًا مختلفًا. ليس ثبات “الطغيان”، بل ثبات شخصٍ بقي حيًا أسبوعًا في جزيرة تريد أن تُحوّل البشر إلى أرقام.
قلت له: “لا تجعلها تغريك.”
قال وهو يبتلع ريقه: “لن تغريني. لكنها… تجعلني أشعر أني أستطيع حماية نفسي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة. “وهذا هو الهدف الحقيقي.”
ثم ساد صمت قصير. استمعنا للغابة. لا صراخ قريب، لا هدير رتبة عليا في الجوار. فقط الريح.
في هذا الصمت، أدركت شيئًا آخر. ليس عن سليم… عني.
أنا لم أعد ذلك الشخص الذي يختبئ دائمًا خلف الصخرة ويكتب خطة في رأسه. نعم، كنت أخطط، لكنني صرتُ أيضًا أقاتل . والأغرب أنني بدأت أقاتل وحدي أحيانًا، لا لأنني أستعرض، بل لأن جسدي صار يتقدم خطوة قبل أن يُصدر رأسي الأمر.
بدأت أقتل وحوشًا صغيرة منفردة دون أن أحتاج مانا. ليس بقوة خارقة، بل بحساب: أين النقطة الضعيفة، أين زاوية الحركة، متى أضرب ومتى أنسحب. وفي بعض اللحظات—خصوصًا عندما أكون تحت ضغط—كنتُ أشعر أن الشرذمة الصغيرة من قوتي المختومة تتحرك كحافة سكين داخل جسدي، لا تخرج، لكن تجعل كل حركة “أثقل” من عادية البشر. لم أكن أسمح لها أن تنفلت. لكن مجرد وجودها كان يُغيرني.
وهنا وقع الإدراك الذي لم أكن أريده لكنه جاء: أنا لا أصبح أقوى مثلهم… أنا أصبح أكثر تكيفًا . التكيف نفسه صار قوة. قوة لا تحتاج شريط مستوى.
ومع التكيف، ومع الخبرة القتالية التي فُتحت لي “معرفة بلا ذاكرة”، بدأت أتجاوز متسابقين لديهم مانا ومستويات أعلى، لأنهم كانوا يعتمدون على “الرقم” أكثر مما يعتمدون على القرار. بعضهم كان يُطلق المانا كأنه يطلق صوته. بعضهم كان يظن أن المستوى يحميه من الغباء. الجزيرة كانت تعاقبهم بسرعة.
سليم لاحظ ذلك في إحدى المرات عندما رأى متسابقًا من مستوى أعلى ينهار أمام وحش متوسط لأنه لم يعرف كيف يكتم. وبعد أن انسحبنا، قال لي:
“غريب… هو أقوى مني في الرقم… لكنه ضاع.”
قلت: “الرقم لا يُعلمك كيف لا تموت. الرقم فقط يزيد احتمالاتك. القرار هو الذي يحسم.”
ثم سكتُّ لحظة وأضافت نفسي جملة داخلية لم أقلها:
وأنا… قراري صار أسرع.
في نهاية الأسبوع، عندما نظرنا من نتوء مرتفع، رأينا مساحات واسعة خالية من الحركة. ليست لأن الجزيرة صارت آمنة… بل لأن العدد انخفض. مئة ألف لم يعودوا مئة ألف. الغابة أكلت، والوحوش أكلت، والبشر أكلوا بعضهم، والإقصاءات تراكمت كظل.
سليم نظر إلى الواجهة، ثم قال: “لم تعد تصلني إشعارات كثيرة عن متسابقين قربنا. كأن المحيط فرغ.”
قلت: “أو كأن الجزيرة تُعيد تشكيل الخريطة.”
لم أكمل. لأن الهواء أمامنا لمع مرة أخرى… ليس ضوء مانا، بل وميض “نظامي” بارد، يشبه إشعارات التحذير.
ظهر عندي سطر واحد، بلا شرح طويل:
إشعار عام: تغيّر نمط الجزيرة. الانتقال إلى مرحلة أعلى قريبًا.
رفعت عيني إلى سليم. رأيت على وجهه السؤال قبل أن يتكلم: “مرحلة أعلى؟”
لم أجب فورًا. تذكرت كيف تعمد المشرف أن لا يقول “الجولة الأولى”. كيف تركنا نظن أنها واحدة. وكيف الآن—بعد أسبوع من النجاة—تظهر كلمة “مرحلة” كأنها اعتراف متأخر بأننا كنا داخل افتتاح فقط.
قلت بهدوء: “كنت أقول لك… ليست جولة واحدة.”
سليم تنفس ببطء. ثم قال بصوتٍ خافت: “إذن… كل ما عشنا… كان تمهيدًا؟”
نظرت إلى الغابة التي ابتلعت آلافًا، وإلى الدم الذي لم نره لكنه موجود في كل رائحة، وإلى الرقم “10” فوق سليم، وإلى نفسي التي لا تملك رقمًا لكنها تملك تكيفًا يجعلها أخطر مما ينبغي.
قلت: “إذا كان هذا تمهيدًا… فالمراحل القادمة لن تسألنا هل نحن أقوياء.”
ثم شددت على حقيبتي الصغيرة، كأنها آخر شيء أرضي أحمله، وقلت الجملة التي خرجت مني بلا تزويق:
“ستسألنا… هل ما زلنا بشرًا.”