لم يأتِ الصباح في الجزيرة كصباحٍ يُطمئنك.

جاء كصباحٍ يُذكّرك أنك ما زلت حيًّا… وهذا وحده صار حدثًا.

كنتُ أنا وسليم قد أمضينا الليل في تجويفٍ صخري مرتفع، نغلق علينا ثلاثة اتجاهات ونترك الرابع مراقبةً للغابة. لم ننم نومًا كاملًا؛ نمنا بنصف عقل، كأننا نخشى أن يوقظنا وحشٌ أو إنسانٌ أو… تحديث جديد من النظام.

وعند أول ضوءٍ رمادي، حدث ما كان واضحًا أنه سيحدث منذ أن ظهرت جملة “تغيّر نمط الجزيرة”.

الهواء نفسه ارتجف—لا زلزالًا، بل اهتزازًا دقيقًا، كأن صفحة العالم تُقلب إلى فصلٍ جديد. ثم تشقق الواقع أمامنا في خطٍ رفيع، وخرج المشرف بنفس الطريقة التي خرج بها أول مرة: ليس دخولًا من باب، بل ظهورًا كقانونٍ يهبط على رأسك دون استئذان.

صوته وصل إلى كل مكان، لا يحتاج صراخًا:

“انتهت المرحلة الأولى.”

لم أسمع بعدها همهمات كثيرة، لأن معظم من بقي حيًّا صار يعرف أن أي كلمة تُقال هنا ليست إعلانًا… بل حكمًا.

تابع المشرف، وبنبرةٍ خالية من العاطفة:

“الدخول الآن في المرحلة الثانية: القتال بين البشر.”

شعرتُ بأنفاس سليم تتغير فورًا. ليست مجرد كلمة “قتال”، بل “بين البشر”.

الوحوش—رغم وحشيتها—كانت واضحة: جوع، مفترس، فريسة.

أما البشر… فالمعادلة معهم دائمًا فيها شيء زائد: الحقد، الطمع، الخديعة، الإحساس بالاستحقاق.

المشرف لم يترك لنا وقتًا لنغرق في الفلسفة. قال:

“من الآن فصاعدًا… كل قتل يمنحك عشرة بالمئة من مستوى من قتلته.”

توقفتُ لحظة عند العبارة.

ليس خبرة. ليس شريطًا يمتلئ.

بل مستوى.

كان ذلك كمن ينقل اللعبة من “جمع نقاط” إلى “نهب مراتب”.

أنت لا تتقدم فقط… أنت تسرق التقدم من الآخر.

رأيت انعكاس كلمات المشرف في وجه سليم: فهم المعنى بسرعة، ثم خاف منه بسرعة أكبر. لأن المستوى العاشر الذي وصل إليه خلال أسبوع صار الآن لافتة تقول: أنا مكسب كبير.

المشرف أكمل:

“لن يتم إعلامكم بوجود متسابقين قربكم.”

جملة صغيرة… لكنها كانت بمثابة رفع الحارس من على الباب.

في المرحلة الأولى كانت الوحوش تُعلَّمك بقسوة أين تقف.

الآن… لا إنذار. لا تحذير. لا “قربك متسابق”.

هذا يعني أن الخطر صار يمكن أن يخرج من وراء ظهرك بلا صوت، ومن فوقك بلا ظل، ومن تحتك بلا أثر.

ثم قال المشرف، وكأنّه يفتح فصلًا طويلًا بلا تردد:

“المدة الزمنية لهذه المرحلة: ثلاثة أشهر.”

ثلاثة أشهر داخل جزيرةٍ تُقصي الناس كما تُقصي الأوراق غير الصالحة في امتحانٍ قاسٍ.

ثلاثة أشهر يعني أنك لن تعيش على “اندفاع” الأسبوع الأول. ستعيش على نظام حياة كامل: نوم، ماء، اختيار مواقع، رسم مسارات، إدارة خوف.

وأكمل:

“ستُفعَّل نقاط ترتيب وتصنيف.”

ثم أضاف سطرًا يهمس بالسلطة:

“ستظهر اللائحة في نظام المانا الخاص بكم.”

وانتهى.

لم يقل “هذه الجولة الثانية من عدة جولات”. لم يقل “القتل = إقصاء”. لم يقل “الألم غير مخفف” ولا “التعذيب ممنوع”. كل ذلك ربما يُقال لاحقًا، أو ربما يُفترض أن من بقي بعد الأسبوع الأول صار يفهم بطريقة الجزيرة: تفهم بالصدمة، لا بالشروحات.

اختفى المشرف كما ظهر. تشقق الواقع وابتلع حضوره. وبقيتُ أنا وسليم مع الصمت الجديد… صمت مرحلةٍ ثانية.

سليم هو أول من تحرك. حدّق في الهواء أمامه، كأنه يتابع واجهته. ثم قال بصوتٍ منخفض جدًا:

“اللائحة ظهرت.”

قلت: “اقرأ.”

لم يكن هذا فضولًا. كان ضرورة. لأن “نقاط ترتيب وتصنيف” تعني أن البشر سيبدؤون بالصيد وفق ترتيب. وسيبدأ بعضهم يتتبّع الأعلى لأن 10% من المستوى ليست رقمًا صغيرًا.

سليم ابتلع ريقه وقال:

“في الأعلى… أسماء رمزية. كثير. والرقم بجانب كل واحد… مستوى.”

ثم توقف لحظة، وأضاف كأنه لا يريد أن يقول ما قاله:

“في الأعلى يوجد من وصلوا… لمستويات أعلى بكثير من عشرة.”

لم أظهر دهشة، لأنني كنت أتوقع ذلك. في أسبوعٍ كامل، هناك من قتلوا أكثر، وخاضوا أكثر، وخسروا أكثر من أخلاقهم أيضًا.

قلت: “كم أعلى رقم رأيته؟”

قال بعد تردد: “خمسة وثلاثون… ستة وثلاثون… وربما أكثر. اللائحة طويلة.”

ثم رفع عينيه إليّ، وقال جملة كانت كأنها طعنة صغيرة:

“لكن… هذه اللائحة في نظام المانا. أنت… هل تراها؟”

أغمضت عيني للحظة.

أنا أعرف الجواب قبل أن أسأل.

النظام قالها بوضوح: أنا لا أملك نظام المانا، بل نظام الصقل. أستشعر المانا ولا أستعملها. وما يتصل بـ “المستوى” العام لا يعمل عندي كما يعمل عندهم.

نظرت إلى الهواء أمامي. واجهتي الخاصة ظهرت، ببرودها المعتاد. لم تعرض لائحة. لم تعرض ترتيبًا. لم تعرض “تصنيف”. عرضت فقط جملة قصيرة كأنها تتعمد أن تجعلني خارج اللعبة العامة مرة أخرى:

الترتيب العام: غير متاح لنظام الصقل.

ثم، وكأنها لا تترك فرصة للصمت، أضافت سطرًا مستفزًا مألوفًا:

ملاحظة:

يمكنك دعم زميل فريقك عبر تحويل المكتسبات عند توفرها.

ضحكتُ ضحكة بلا صوت.

حتى هنا… تذكير أن دوري هو التحويل.

سليم قال بسرعة: “ماذا ظهر عندك؟”

قلت بصدقٍ مقتضب: “لا شيء. لا لائحة. النظام يعزلني عن التصنيف.”

سليم شتم تحت أنفاسه شتيمة قصيرة، ثم قال:

“هذا… يجعلني أشعر أنني أقاتل وأنا لا أعرف شكل المعركة.”

قلت: “وهذا يعزز قيمة شيء واحد: أن نضع قواعدنا نحن.”

ثم سكتُّ لحظة، لأن داخلي كان يعمل على أسوأ سطر في إعلان المشرف:

كل قتل يمنحك 10% من مستوى من قتلته.

هذا يعني أن الصيد لن يكون عشوائيًا.

سيصير صيدًا ذكيًا: يستهدف أصحاب المستويات الأعلى، أو يستهدف المتسابقين الضعفاء بكثافة ليجمع 10% من مستويات صغيرة بسرعة… ثم يصعد… ثم يصير هدفًا… وهكذا.

وإذا كانت اللائحة ظاهرة للجميع—في نظام المانا—فهذا يعني أن بعض المتسابقين سيقلبون البطولة إلى اقتصاد: من يصعد أكثر يصبح “مكافأة” أكبر، فيطاردونه، فتبدأ دوامة الدم.

سليم قال: “ريان… إذا قتل أحدٌ شخصًا مستوى 30… يحصل على ثلاثة مستويات دفعة واحدة تقريبًا.”

قلت: “نعم. وفي مستوى 10… يحصل على مستوى واحد تقريبًا.”

سليم تنفّس ببطء: “إذن… أنا مكسب.”

لم أنكر. قلت: “نعم. وأنت أيضًا سلاح.”

ثم أضفت مباشرة، حتى لا يتحول “سلاح” إلى غرور:

“لكن أي سلاح إذا لمع كثيرًا… يُسرق.”

سليم هز رأسه. كان فهمه سريعًا، لكنه كان يُحاول أن يظل إنسانًا. قال:

“ثلاثة أشهر… يعني لن تنفعنا خطة أسبوع. نحتاج نظام حياة.”

قلت: “تمام.”

جلستُ على الصخرة، وسحبت دفتري. لم أعد أكتب ترفًا. الكتابة هنا صارت مثل رسم خريطة للهروب من حريق.

قلت: “استمع… المرحلة الثانية تغير كل شيء. في المرحلة الأولى كنا نعرف أن الوحش سيهجم إذا شم مانا، وأن البشر خطر لكن يمكن تجنبه. الآن… البشر هم الوحش الأساسي، ولا إنذار بوجودهم قربنا.”

سليم قال: “إذن نختبئ.”

قلت: “نختبئ… لكن لا نختبئ كفئران. نختبئ كصيادين يعرفون متى يظهرون.”

ثم نظرت إليه بجدية:

“هناك قاعدة واحدة لا نكسرها: لا نبدأ نحن بالقتل.”

سليم فتح فمه كأنه سيعترض، ثم أغلقه. قال بصوتٍ خافت:

“لكن الجميع سيفعل.”

قلت: “أعرف. وهذا ما يجعلنا مختلفين. إذا بدأنا بالقتل من أجل المستوى… سننتهي ذئابًا مثلهم. نقتل فقط دفاعًا… أو إذا كان القتل ضرورة للبقاء.”

سليم قال: “والـ10%؟”

قلت: “سنتركها لهم في البداية. لكن سنستعملها إن فُرضت علينا. لا نلاحقها.”

ثم رفعت إصبعي:

“قاعدة ثانية: لا نطارد الأعلى.”

سليم نظر إلى واجهته. قال: “لكن الأعلى هو المكسب الأكبر.”

قلت: “نعم. وهو أيضًا الفخ الأكبر. من يطارد الأعلى يجتمع حوله صائدون آخرون. ثم يتحول المكان إلى مجزرة. نحن لا نملك رفاهية المجازر.”

سليم قال: “وماذا نفعل إذن طوال ثلاثة أشهر؟”

أجبته بجملة واحدة، ثم شرحتها:

“نبني أنفسنا… ونبني مساحة.”

“مساحة؟”

قلت: “موقع ثابت أو شبه ثابت: مخابئ متعددة، طرق هروب، نقاط ماء، نقاط طعام، وممرات صخرية تُبطئ أي فريق يطاردنا. نعيش كأننا قبيلة صغيرة، لا كأننا لاعبون في ساحة.”

سليم فكر، ثم قال: “لكن النقاط والترتيب… ستضغط.”

قلت: “الضغط ليس سببًا لتخسر عقلك.”

ثم جاء السؤال الذي كنت أعرف أنه سيظهر:

“أنت… إذا قتلتَ شخصًا… هل تحصل على 10% من مستواه؟”

سليم سألها بصدقٍ مؤلم. لأنه يعرف الآن أنني خارج نظام المانا.

نظرت إلى واجهتي. لم تسعفني بأي إجابة مسبقة. لكن النظام عندي لا يفوّت فرصة للاستفزاز. كأنّه كان ينتظر السؤال.

ظهر سطر صغير:

تم رصد قاعدة: نقل مستوى (10%).

ثم تحته مباشرة:

لا يمكن تطبيقها على نظام الصقل.

اقتراح: يمكن تحويلها إلى زميل فريقك.

أغمضت عيني للحظة.

حتى “المستوى” الذي يسرقه الآخرون… سيقول لي: لا تستطيع استخدامه، لكن تستطيع إعطاءه.

قلت لسليم ببرود: “نفس السيناريو. إذا حصلت على شيء… سيقترح أن أنقله لك.”

سليم قال بحدة: “هذا ظلم.”

قلت: “نعم. لكنه أيضًا سلاح. لأنك أنت سترتفع… وأنا سأبقى بلا هدفٍ مرئي، وهذا قد يحميني من الصيد. قد يجعلني غير جذاب.”

سليم لم يبتسم. فهم أن “غير جذاب” هنا يعني شيئًا مظلمًا: لا أحد يطاردك لأنك لا تمنحهم 10% كثيرة. لكن سليم… يمنح.

قلت: “وهذا يعني قاعدة ثالثة.”

سليم: “ما هي؟”

قلت: “تخفيض بصمت.”

“ماذا تقصد؟”

قلت: “لا نسمح لك أن تُظهر مستواك في أي مواجهة إن لم نضطر. لا تستعرض. لا تُظهر مانا قوية. لا تُظهر أنك مستوى 10. تصرف كمستوى 4 أو 5. اجعلهم يستخفون… ثم نهرب.”

سليم قال: “لكن إذا عرفوا عبر اللائحة…؟”

ابتسمت بمرارة: “هذه هي المشكلة. اللائحة تعني أن اسمك الرمزي صار مرتبطًا بمستوى.”

توقف سليم، ثم قال: “اسمي الرمزي… لا يشبه اسمي الحقيقي.”

قلت: “جيد. لكن إذا التقطه أحد، سيعرف أنه مستوى 10. وهذا يكفي.”

سليم سأل: “هل يمكن تغيير الاسم الرمزي؟”

لم أعرف. لم تأتِ قاعدة بذلك بعد. قلت: “لا نعرف. افترض أنه لا. ونعمل وفق الأسوأ.”

سكتنا لحظة. الريح فوق الحافة كانت تحمل صراخًا بعيدًا، ثم صمتًا. كأن بعضهم بدأ المرحلة الثانية فور الإعلان، بلا انتظار.

ثم قال سليم بصوتٍ خافت:

“ثلاثة أشهر… يعني أن البشر سيبدؤون يبنون تحالفات حقيقية.”

قلت: “نعم. وسيبدؤون يبنون صيدًا منظمًا. وسيبدؤون يسألون: من الأعلى؟ أين الأعلى؟ كيف نقترب؟”

سليم نظر إليّ: “وأنت؟ أنت أقوى من متسابقين ووحوش الآن… لكن بدون مانا.”

قلت: “قوتي ليست رقمًا. قوتي تكيف. وهذا يعني أنني أستطيع أن أقاتل… لكنني لا أريد أن أقاتل كثيرًا. لأن أي قتال يفتح احتمال خطأ، والخطأ هنا إقصاء.”

ثم نظرت إليه بجدية:

“هل تستطيع أن تتحمل فكرة قتل بشر؟”

سليم صمت طويلًا. ثم قال: “إذا كان القتل هنا إقصاء… والألم حقيقي… فهذا… لا يزال قتلًا في الإحساس.”

قلت: “نعم. ولهذا سنفعلها فقط إذا فُرضت علينا. لا نتحول إلى صيادين.”

في تلك اللحظة، جاء صوت إشعار من واجهة سليم. حدّق في الهواء، ثم قرأ بصوتٍ منخفض:

“نقاط ترتيب… بدأت.”

رأيت على وجهه توترًا جديدًا: ليس توتر الموت فقط، بل توتر “المقارنة”. التصنيف يحول البشر إلى سباق حتى لو رفضت أن تركض.

قلت له: “لا تنظر إلى اللائحة كثيرًا. ستسحبك.”

قال: “لكنها تقول… هناك مكافآت لمن في الأعلى.”

لم أسأله عن المكافآت. لم تكن ضرورية الآن. أي مكافأة في قمة Battle Royale تعني شيئًا واحدًا: المزيد من الصيد.

قلت: “المكافآت ليست مجانية. ثمنها أنك تصبح عنوانًا.”

ثم وقفت. نظرت إلى الغابة من فوق. قلت:

“اليوم نتحرك نحو الداخل. لا نبقى قرب الحافة. الحواف كانت مصممة لتصفية العدد بسرعة. الآن سيصفوننا بالبشر… وليس بالوحوش فقط.”

سليم قام معي، شدّ قناعه الأبيض، ثم قال بصدقٍ بسيط:

“ريان… أنا لا أريد أن أضيعك.”

قلت: “وأنا لا أريد أن أضيعك.”

ثم أضفت جملة كنت أعرف أنها ستصبح محور المرحلة الثانية كلها:

“نحن لا نقاتل لنصعد… نحن نقاتل كي لا نسقط.”

بدأنا ننزل نحو الداخل عبر ممر صخري ضيق. لا إنذار بوجود متسابقين قربنا، وهذا يعني أن كل ظل يمكن أن يكون عينًا، وكل صمت يمكن أن يكون فخًا.

ومع ذلك… كان هناك شيء آخر بدأ يتشكل في داخلي:

هذا النظام الذي يصفعني كل مرة ويقترح تحويل كل شيء إلى سليم… ربما يدفعني عمدًا إلى دورٍ محدد: دور “العمود الفقري” لا دور “الرقم”. دور من يبني البقاء، ويصنع القرار، ويُبقي الإنسان إنسانًا حين يصبح المستوى عملةً للنهب.

وقبل أن نغيب بين الأشجار، سمعت من بعيد صرخة إنسان، تلتها صرخة أخرى، ثم صمت طويل.

المرحلة الثانية بدأت فعلًا… والبشر بدأوا يختبرون معنى “10% من المستوى” بأيديهم.

نظرت إلى سليم نظرة واحدة فقط، ثم قلت:

“الآن… لا أحد سيُعلن وجوده لنا. لكن اللائحة ستُعلن وجودنا لهم… إن عرفوا أسماءنا الرمزية.”

ثم شددت على قفازي الأسود، وقلت ببرودٍ لا يسمح بالتراجع:

“إذن سنصبح أشباحًا… ثلاثة أشهر.”

2026/03/05 · 11 مشاهدة · 1824 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026