لم تمضِ ساعاتٌ كثيرة على إعلان المرحلة الثانية حتى بدأنا نفهم أن “المرحلة” ليست بابًا يُغلق وراءه شيءٌ ويُفتح أمامه شيءٌ آخر… بل هي مجرد تغيير في زاوية النظر.
كنا قد اتخذنا قرارنا: نتحرك إلى الداخل، نبتعد عن الحواف، ونعيش كأشباح ثلاثة أشهر. لا نُظهر مستوى سليم، لا نُظهر لقبه، لا نُشعل المانا إلا كتنفّس داخلي. كنتُ أظن—بشكل ساذج—أن الوحوش ستتراجع، أو على الأقل ستصبح عاملًا ثانويًا بعدما قالوا “القتال بين البشر”. كنتُ أظن أن الجزيرة ستستبدل افتراسها الطبيعي بافتراسٍ اجتماعي، وأن الغابة ستتحول إلى ساحة كمائن بين البشر.
لكن الجزيرة لا تحب أن تعطيك لعبة واضحة.
كان اليوم الأول من المرحلة الثانية يمشي معنا كظلٍّ ثقيل. لم يعد هناك إنذار بقرب متسابقين. هذا وحده كان كافيًا ليجعلني أحس أن كل ورقة شجر قد تكون عينًا. كنا نتحرك بحذرٍ زائد، نتجنب الطرق المفتوحة، ونتجنب نقاط الماء المكشوفة. سليم بين الحين والآخر كان ينظر إلى لائحة التصنيف على واجهته، ثم يغلقها كمن يغلق نافذة تطل على هاوية.
قلت له أكثر من مرة:
“لا تجعل اللائحة تسحبك.”
فيجيب وهو يبتلع ريقه:
“أعرف… لكنها تُغري.”
الإنسان لا يحتاج أكثر من رقمٍ وترتيبٍ ليصدق أنه يعيش سباقًا، حتى لو كان السباق فوق جثثٍ لا تُدفن.
في منتصف النهار، اخترنا أن نمر قرب وادٍ صغير يشق الغابة، ليس لأننا نريد الماء، بل لأن الوادي يمنحنا خط رؤية قصيرًا: من يقترب يُرى قبل أن يصل. كانت الأرض رطبة، والجذور بارزة، وصوت الماء الخافت يغطي على بعض الحركات الصغيرة—وهذا خطرٌ ومزية في نفس الوقت.
كنا نسير على الحافة العليا للوادي، نتجنب النزول إلى القاع. سليم خلفي بنصف خطوة. كنتُ أقرأ الهواء كما تعلمت خلال الأسبوع الأول: الريح تأتي من اليمين، إذن أي رائحة تذهب يسارًا؛ أي استخدام مانا قوي سيجلب الوحوش نحو اتجاه الريح. ما زالت الغابة تعمل بقانونها القديم… أو هكذا ظننت.
ثم سمعتُ صوتًا من الأسفل.
ليس صوت وحش. صوت إنسان يتنفس وهو يركض. ثم شتيمة مكتومة. ثم صوتان آخران يلاحقانه. لم أسمع كلمات واضحة—الجزيرة تبتلع الكلمات—لكن خطواتهم كانت كافية لتخبرني: مطاردة.
أشرت لسليم بإصبعي: توقف.
انحشرنا خلف جذعٍ عريض، وأطللتُ بحذر من بين الأوراق.
رأيتهم.
ثلاثة متسابقين يطاردون واحدًا في قاع الوادي. المطاردون يتحركون بثقة من يملك مستوى أعلى، والهرب يركض كمن يعرف أن ضربة واحدة ستُقصيه. لم يكن بينهم كلامٌ طويل. كانوا يطاردونه كأنهم يطاردون “نسبة” لا إنسانًا: 10% من مستوى.
سليم همس:
“هل نتدخل؟”
لم أجب فورًا. التدخل الآن يعني أن نكشف أنفسنا. وأن نفتح حربًا مع بشرٍ قد يكونون أعلى منا. كما أنه لا معنى لإنقاذ شخصٍ لا نعرفه ثم نموت نحن. قلت ببرودٍ قاسٍ تعلمته من الجزيرة:
“نراقب.”
الهرب تعثر عند حجر. أحد المطاردين قفز فوقه كقط، ومد يده ليضرب… وفجأة انقلب كل شيء.
من بين الماء الضحل في الوادي خرج شيء كأنه فُكَّ من قاعٍ قديم.
وحشٌ يشبه تمساحًا… لكن ليس تمساحًا. رأس أعرض، جلد أكثر سماكة، وعيون لا تشبه أعين الزواحف؛ كانت كأنها عيون شيء يعرف أنه هنا للصيد. خرج بسرعة لا تناسب حجمه، وخطف المطارد الأقرب قبل أن يُكمل الضربة. سمعنا صوت عظم ينكسر، وصراخًا حادًا، ثم… انقطاع.
اختفى الرجل من بين فكي الوحش كما تختفي الأسماء من سجلاتنا: لحظة، ثم لا شيء.
المطاردان الآخران توقفا، كأنهما لا يصدقان. الهرِب نفسه توقف، لأن الخطر تغير شكله. وفي ثانية واحدة فهم الجميع: الوادي ليس ممرًا آمنًا. الوادي فم.
التمساح—أو ما يشبهه—لم يكتفِ بما أخذ. انقضّ مرة أخرى، لكن هذه المرة على الهارب الذي كان يرتجف. لم يكن الهارب قويًا، لم يستطع أن يطلق شيئًا، فقط رفع يديه بلا معنى. صرخة ثانية… ثم انقطاع… ثم اختفاء.
بقي المطارد الثالث وحده، وهو الأكثر هدوءًا بينهم. تراجع خطوة، كتم ماناه، ثم قفز إلى الحافة الأخرى للوادي بسرعة. هرب. لم يحاول الانتقام. لم يحاول أن ينتزع “10%” من الوحش. فهم القانون بسرعة: هنا، من يتأخر عن الفهم يُمحى.
كنتُ سأعتبر المشهد مجرد عودة للوحوش إلى دورها القديم… لولا ما حدث بعدها بثوانٍ.
الوحش وقف في قاع الوادي. رفع رأسه، وشم الهواء. ثم… تغيّر.
لم يكن تغييرًا وهميًا. رأيته بعيني: صفائح جلده بدت كأنها شدّت نفسها، عضلات رقبته انتفخت قليلًا، وعيناه لمع فيهما بريق إضافي، مثل جمر يُنفخ عليه. كأن ما ابتلعه لم يكن لحمًا فقط… بل “شيئًا” آخر.
سليم شهق. لم تكن شهقة خوف فقط، بل شهقة من رأى واجهته تكتب شيئًا جديدًا.
قال بصوتٍ منخفض جدًا وهو يحدق في الهواء أمامه:
“ريان… عندي إشعار.”
قلت: “اقرأ.”
ابتلع ريقه، ثم قرأ:
تم رصد انتقال مستوى (10%) إلى كائن غير بشري.
تنبيه: الوحوش داخل الجزيرة تخضع لنفس مبدأ المكافأة.
تجمدتُ لحظة.
إذن… ليست “مرحلة بشرية” تُقصي الوحوش.
الوحوش باقية، بل صار لها حافز جديد أيضًا. ليس فقط الجوع… بل الصعود.
لم أحتج كثيرًا لأفهم فداحة ذلك. إذا كانت الوحوش تحصل على 10% من مستوى ضحاياها، فهذا يعني أنها—بمرور الوقت—سترتفع هي الأخرى. ستصبح أذكى، أسرع، أعنف. وستبدأ تبحث عن المتسابقين الأعلى مستوى لأنها “أغنى” كما يفعل البشر.
قلت لسليم بصوتٍ حاد:
“أغلق اللائحة الآن. لا نريد أن نكون هدفًا… لا للبشر ولا للوحوش.”
سليم أومأ. كان وجهه شاحبًا. قال:
“يعني… هم لم يغيروا محور الخطر… فقط غيروا الحوافز.”
نظرت إلى قاع الوادي. الوحش ما زال هناك. رفع رأسه نحو الريح، ثم بدأ يتحرك باتجاه صوتٍ بعيد. كأنه التقط إشارة مانا من مكان آخر.
قلت ببطء:
“بالضبط. أعلنوا ‘قتال البشر’ لأنهم يريدون البشر أن يقتلوا بعضهم. لكنهم لم يسحبوا الوحوش… بل جعلوها تستفيد أيضًا. لعبة مزدوجة.”
سليم تمتم:
“هذا يجعل الجزيرة… أسوأ.”
قلت:
“يجعلها أكثر كفاءة. البشر يصفّون أنفسهم، والوحوش تصعد مع التصفيات. والنتيجة: من يبقى بعد ثلاثة أشهر… سيكون شيئًا مختلفًا.”
سكتنا لحظة، ثم تراجعنا ببطء عن الوادي. لم نترك أثرًا. لم نُسقط ورقة. لم نكسر غصنًا. كأننا تعلمنا أخيرًا أن الصمت ليس خيارًا… الصمت هو الهواء الذي تتنفسه لكي لا تُكتشف.
بعد مسافة، وجدنا منطقة صخرية أعلى، فيها شقوق يمكن الاختباء فيها. جلسنا خلف حجر كبير. كان علينا أن نعيد بناء الخطة فورًا، لأن القاعدة الجديدة تضرب كل شيء:
إذا الوحوش تكسب مستوى من قتل البشر… فهي ستبدأ تُفضّل البشر على الحيوانات.
وإذا البشر يكسبون مستوى من قتل البشر… فهم سيفضلون البشر على الوحوش.
وهكذا تتحول الجزيرة إلى طاحونة: كل طرف يطارد الطرف الذي يعطيه “عائدًا” أكبر.
سليم قال وهو يضغط على يده:
“كنتُ أظن أن الوحوش… مجرد عقبة. الآن… هي منافس.”
قلت:
“وأحيانًا… حَكَم.”
سأل: “كيف؟”
قلت:
“البشر سيطاردون البشر. هذا سيُجبرهم على إطلاق مانا، على الصراخ، على الحركة. الوحوش ستنجذب… فتُقصي من يريد أن يقصي. كأن الجزيرة تضبط توازن الصيد بنفسها.”
سليم نظر إليّ:
“يعني الجزيرة لا تريد أن ينتصر البشر بسرعة.”
قلت:
“تريد أن يُستنزفوا. ثلاثة أشهر ليست مدة قتال… إنها مدة تربية.”
لم أحب الكلمة، لكنها كانت الأدق. الجزيرة تربي من يبقى.
سليم شدّ على قناعه الأبيض وقال:
“إذا الوحوش تصعد… فالمستويات العالية ستصبح لعنة. الوحش الذي قتل مستوى 30 سيصير كابوسًا.”
قلت:
“والبشر الذين يقتلون مستويات عالية سيصيرون كوابيس أيضًا.”
ثم سكتُّ لحظة. كان عليّ أن أقول الحقيقة التي تزعجني منذ البداية:
“أنت في المستوى 10… أنت الآن على رادارين: رادار البشر عبر اللائحة… ورادار الوحوش عبر المكافأة.”
سليم ابتلع ريقه، ثم قال:
“إذن… عليّ أن لا أقتل بشرًا حتى لا أرتفع كثيرًا؟”
قلت:
“وعليك أيضًا أن لا تُرى. الارتفاع ليس مشكلة وحده. المشكلة أن الرقم يجعل منك ‘مكافأة’.”
سليم أومأ. ثم قال:
“وأنت؟ أنت لا رقم لك… ولا لائحة… هل هذا يعني أنك في أمان؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة بمرارة:
“يعني أنني غير مغرٍ اقتصاديًا… لكني لست في أمان. الوحوش لا تحتاج لائحة كي تقتل. والبشر قد يقتلون لمجرد قتل.”
ثم جاءني خاطرٌ آخر، أردت أن أقمعه لكنه خرج كحكمٍ قانوني في رأسي:
إذا النظام يدفعني دائمًا لتحويل المكتسبات إلى سليم… فهذا يعني أنه يريد أن يجعل من سليم “الواجهة” ومني “الآلية”. لكن الآن، مع صعود الوحوش، سليم يصبح هدفًا أكبر. هل يريد النظام أن يدفعه إلى الموت؟ أم يريد أن يختبر قدرتي على حمايته دون أن أملك نظام المانا؟
قلت لنفسي: لا وقت للنظريات. عد إلى التنفيذ.
رفعت رأسي إلى سليم:
“من الآن… نضيف قاعدة رابعة.”
قال: “ما هي؟”
قلت:
“لا نستخدم المانا إلا على شكل كتم وتعزيز داخلي. لا هجوم مانا إلا إذا كان حاسمًا وينتهي خلال ثانيتين.”
سليم قال:
“وما شأن لقبي؟”
قلت:
“لقبك أقوى سلاح الآن… لأنه لا يحتاج ضوءًا كبيرًا. كلمة قصيرة قد تربك وحشًا لحظة. هذه اللحظة تساوي حياتنا.”
ثم أضفت:
“لكن احذر: إذا استخدمت الكلمات كثيرًا، سيبدأ البشر يلاحظون نمطك. والناس هنا يدرسون خصومهم أسرع مما يدرسون الكتب.”
سليم تنهد:
“يعني حتى الكلمة صارت بصمة.”
قلت:
“كل شيء هنا بصمة.”
في تلك اللحظة، جاءت صرخة بعيدة جدًا… ثم صرخة أخرى… ثم صمت. لم أستطع أن أعرف إن كانت صرخات بشر أم وحوش. لكنني عرفت شيئًا واحدًا: المرحلة الثانية بدأت بالفعل، والوحوش بدأت تتعلم.
سليم نظر إلى واجهته مرة أخرى، ثم قال:
“اللائحة… تتحرك بسرعة.”
قلت: “لا تنظر.”
قال:
“لكن… في الأعلى، بعض الأسماء الرمزية ترتفع ثم تختفي.”
قلت:
“لأن من يرتفع يُطارد، ومن يُطارد يُقصى. والاختفاء لا يعني موتًا نهائيًا… لكنه يعني خروجًا من اللعبة.”
ثم أضفت ببرود:
“والوحوش الآن ستصعد على جثث طموحهم.”
سليم سكت. ثم قال بصوتٍ منخفض كأنه يتكلم لنفسه:
“هم أعلنوا قتال البشر… وفتحوا لائحة… ومنعوا إنذار القرب… ثم أعطوا الوحوش نفس المكافأة… كأنهم يريدون أن يخرج أسوأ ما في الجميع.”
قلت:
“يريدون أن يخرج ‘الأكثر تكيفًا’ من الجميع.”
ثم وضعت كفي على الصخرة، وشعرت بخشونتها. قلت الجملة التي تلخّص ما بدأ يتضح لي:
“المرحلة الثانية ليست حربًا بين البشر فقط… إنها حرب بين من يفهم الحافز… ومن يصبح عبده.”
وقفنا. بدأنا نتحرك من جديد، نبتعد عن الوادي، ونبتعد عن أي نقطة ماء مكشوفة. اخترت مسارًا صخريًا يجعل خطواتنا أقل صوتًا، ويجعل اقتراب الوحوش الكبيرة أصعب. سليم يمشي خلفي، يلتزم بالصمت كأنه تعلم أخيرًا أن الكلمة هنا ليست للتعبير… بل للتأثير.
وبينما كنا نعبر بين صخرتين كبيرتين، لمحتُ شيئًا جعل دمي يبرد:
على جذع شجرة في الأسفل، كان هناك أثر مخالب جديد… أعمق بكثير من آثار الوحوش التي اعتدناها في الأسبوع الأول. وكأن شيئًا أصبح أقوى بسرعة غير طبيعية. شيء صعد—ليس لأنه عاش طويلًا… بل لأنه قتل “مستويات”.
توقفت. أشرت لسليم أن يتوقف. همست:
“انظر.”
نظر. قرأ الأثر بعينيه، ثم قال بصوتٍ خافت:
“هذا… ليس من وحش عادي.”
قلت:
“هذا من وحش بدأ يرتفع.”
في تلك اللحظة ظهر على واجهة سليم سطر صغير:
تنبيه: تم رصد كائن مرتفع المستوى ضمن محيط غير معلوم.
“محيط غير معلوم”… لأنهم سحبوا إنذار القرب. حتى التنبيه صار عامًّا، بلا مسافة، بلا اتجاه. كأن الجزيرة تقول لك: الخطر قريب، لكني لن أقول لك أين. تعلّم.
شد سليم على قبضته، ثم قال:
“إذن… نحن الآن نُطارد من شيئين: بشر يريدون 10%… ووحوش تريد 10% أيضًا.”
قلت:
“نعم.”
ثم أضفت بصدقٍ لا يترك مساحة للأمل السهل:
“وهذا يعني أن الأسبوع الأول كان تمهيدًا… أما الآن، فالجزيرة بدأت تستعمل الجميع كوقود.”
واصلنا السير. لم نعد نبحث عن خبرة سريعة اليوم. خبرة اليوم كانت فهمًا جديدًا: الوحوش لم تُترك خلفنا… الوحوش دخلت اللعبة معنا، وبنفس القاعدة.
وفي داخل رأسي، دون أن أقولها لسليم، تكوّن السؤال الذي سيحكم بقية المرحلة الثانية:
إذا كانت الوحوش تصعد بالمستوى…
فهل سيأتي وقت تصبح فيه الوحوش “لاعبين” مثل البشر؟
ليس مفترسًا وفريسة… بل منافسًا كاملًا.
وقبل أن أصل إلى جوابٍ، جاء من بعيد هديرٌ جديد—ليس هدير رتبة عليا قديم… بل هدير فيه شيء مكتسب، شيء صار أذكى.
شدَدتُ على معصم سليم وقلت:
“لا تتكلم. لا تطلق مانا. نتحول إلى ظل.”
ثم دخلنا بين الصخور، نبتلع أنفاسنا، بينما الغابة خلفنا كانت تبدأ فصلًا جديدًا من الصيد… فصلًا لم يعد فيه الوحش مجرد وحش، ولا الإنسان مجرد إنسان.