خرجنا من المخبأ قبل أن يكتمل الليل، لأن البقاء طويلًا في مكانٍ واحد صار نوعًا من الانتحار. رائحة الدم لا تُمحى بسرعة، والجزيرة—حتى وهي صامتة—تتذكر.
كنت أمشي أمام سليم بخطوة، السيف منخفض في يدي حتى لا يلتقط أي انعكاسٍ غبي. سليم كان يحتضن العصا إلى صدره كأنها ضلع إضافي؛ لا يرفعها، لا يلوّح بها، فقط يضغط بها على فوضى المانا داخله حتى لا تخرج رائحة تُعلننا.
الهواء كان أثقل مما اعتدناه في الأسبوع الأول. ليس لأن الغابة تغيّرت، بل لأن البشر تغيّروا. صار في خطواتهم شيء من الحساب. صار في صمتهم شيء من القتل.
مررنا بين صخرتين كأنهما فكان، ثم انفتح أمامنا ممر صخري طويل. هنا يكون الصوت أوضح، والكمائن أسهل. رفعت يدي بإشارة توقف. توقف سليم فورًا. ركّزت على السمع: ثلاث طبقات من الأصوات… طبقة حشرات، طبقة رياح، وطبقة ثالثة غير طبيعية: تنفّس بشر قريب.
لم ننتظر أن يظهروا في وجوهنا. انحرفنا إلى يسار الممر، نحو شق ضيق بين الصخور يشبه جيبًا، يسمح لنا أن نرى دون أن نُرى. انحشرنا فيه، وتركنا الريح تمر فوقنا.
بعد ثوانٍ، مرّوا.
خمسة.
الحد الأقصى للفريق، وكأن الجزيرة تحب أن تُذكّر بالقواعد عبر الواقع لا عبر النص. كانوا يتحركون كتشكيل: اثنان أمام، اثنان يغطّيان الجانبين، وخامس في الخلف كالعين التي تُحصي. لا ضحك ولا كلام طويل؛ فقط همسٌ قصير يُشبه أوامر عسكرية.
لم أرَ وجوههم، ولا أردت. لكنني رأيت ما يكفي: هؤلاء ليسوا متسرعين، هؤلاء صيادون.
واحدٌ منهم قال بصوتٍ منخفض:
“الأبيض…الملقب بالابيض ارتفع ترتيبه في القائمة اليوم.”
سمعتُ سليم يبتلع ريقه. لم يلتفت إليّ، لكنه فهم: الكلام كان عنه.
آخر ردّ:
“لا تهتموا بلون اللباس. ابحثوا عن مستوى. عشرة بالمئة من مستوى عشرة… شيء. أما عشرة بالمئة من مستوى عشرين… فهي الغنية الفعلية”
جملة واحدة جعلت عضلاتي تتصلب. ليس خوفًا من موتي… بل من أن يتحول سليم إلى “مبلغ” يُتداول.
مرّوا، وابتعدوا. لم نتحرك حتى اختفى صوت خطواتهم تمامًا. ثم خرجنا من الشق ببطء، كمن يخرج من تحت سكينٍ مرّت فوق رأسه.
لم أتحدث كثيرًا. الكلام يُنفق الانتباه. لكن نظرة واحدة إلى سليم كانت كافية: في عينيه سؤالٌ واحد: هل سنبقى نختبئ طول ثلاثة أشهر؟
والجواب كان في السيف، وفي العصا، وفي الدم الذي لن يتوقف عن جذب شيءٍ ما.
تابعنا السير نحو منطقة أعلى، حيث الصخور أكثر من الأشجار. هناك، تستطيع أن تبني زاوية، وأن تمنع الالتفاف عليك من كل الجهات.
لكن الجزيرة لا تمنحك طريقًا مستقيمًا.
بعد نصف ساعة تقريبًا، شممتُ رائحة جديدة في الهواء: ليست دمًا هذه المرة، بل عرقٌ بارد… عرق إنسانٍ خائف يختبئ قريبًا. رائحة الخوف لها شكل، حتى لو لم يرها أحد.
توقفت. أشرت لسليم أن يبقى خلفي. تقدمت ببطء بين شجرتين، حتى رأيت ظلًا منكمشًا خلف جذعٍ مائل. شخصٌ واحد، قناع نصف ممزق، يضع يده على بطنه. كان الدم يسيل من بين أصابعه ببطءٍ ثقيل. عيناه كانتا مفتوحتين، لا تتركان مكانًا للوهم: ألمٌ حقيقي، وذعرٌ حقيقي.
همس عندما رآنا:
“لا… لا تقتلاني…”
الكلمة خرجت منه كاستغاثة أخيرة.
لم أجب فورًا. إنحنيت على بعد مترين منه، لا أقل، حتى لا يمسك بساقي في لحظة يأس. نظرت إلى يده: الجرح عميق. إن تركناه، سيذوب وعيه خلال دقائق.
سليم اقترب نصف خطوة، ثم توقف. كان يراقب وجهي لا الرجل. ينتظر القرار.
الرجل حاول أن يتكلم أكثر، لكن صوته تكسّر:
“هم… خمسة… أخذوا صاحبي… قالوا… عشرة بالمئة… ثم…”
انقطع الكلام، ثم عاد بصعوبة:
“وراءي… وحش… قادم…”
هذه الجملة وحدها جعلت ظهري يبرد. ليس لأن الرجل قد يكذب… بل لأن الوحش لا يحتاج إلى كذب كي يصل.
رفعت رأسي ببطء، واستنشقت الهواء. نعم… رائحة وحش. رائحة ترابٍ محروق وشعرٍ رطب، وثقل في الريح.
لم يكن عندي وقت للشفقة الطويلة. الرجل جرحه قاتل، وهو يعتقد أنه سيموت هنا. لكن إن كان وحش قادمًا، فبقاؤنا أمامه يعني أن نموت نحن أيضًا.
نظرت إلى سليم.
كان يفهم: العصا في يده ليست للزينة، لكنها أيضًا لا تصنع معجزة.
اقتربت من الرجل أكثر قليلًا، ثم قلت بصوتٍ منخفض ثابت:
“لا تصرخ. إن صرخت… لن أموت وحدي.”
هز رأسه بسرعة، دموعه اختلطت بالعرق.
في تلك اللحظة، ظهرت حركة بين الأشجار. شيء كبير يتحرك بلا استعجال، كأنه يعرف أن الفريسة لن تهرب. خرج إلى الضوء الرمادي: وحش يشبه ضبعًا… لكن بحجم ثور تقريبًا، وفكه أعرض مما ينبغي، وعيناه فيهما لمعانٌ مريض. كان يشم الأرض كما يشم الصياد أثرًا قديمًا.
الرجل المصاب ارتجف، وكاد أن يصرخ، لكنني رفعت كفي بإشارة واحدة حادة. عضّ على شفتيه حتى خرج الدم.
الضبع التفت ناحية رائحته مباشرة. بدأ يقترب.
قلت لسليم همسًا:
“كلمة واحدة… واجعلها قصيرة.”
سليم رفع العصا قليلًا، لا ليطلق ضوءًا، بل ليحبس المانا أكثر، ثم همس:
“تباطأ.”
لم يتجمد الوحش، لكنه تباطأ نصف خطوة… وذاك النصف خطوة أعطاني مسافة حياة. اندفعت بالسيف نحو جانبه، ضربة أولى على الساق الأمامية لتكسر رتمه، ثم التفاف سريع، ثم ضربة ثانية على مفصل خلفي. الوحش صرخ، لا صرخة عالية، بل هديرًا خرج من صدرٍ ممتلئ بالوحشية.
ردّ بسرعة. فكه انفتح وكاد أن يلتقط كتفي. تراجعت خطوة، وصدّدت بنصل السيف على الأسنان—ارتداد الألم صعد من ذراعي إلى كتفي كصفعة كهرباء. الألم كان صافيًا، واضحًا، كأنه يقول: هذه ليست لعبة.
سليم لم يطلق مانا ضوئية. استخدم العصا ككابح، ثم همس كلمة ثانية—ثانية فقط لأن الوقت يقتل:
“انحرف.”
الوحش انحرف لحظة، كأنه رأى شيئًا ليس هناك. تلك اللحظة فتحت لي الرقبة. طعنة واحدة تحت الفك، عميقة. الدم اندفع، والوحش تراجع وهو يتلوى. حاول أن يثبت نفسه، حاول أن ينهض من الألم، لكن وعيه بدأ يسقط. ظل يتألم ثوانٍ كاملة، يتذوقها، ثم… فجأة… تشقق الهواء فوق جسده واختفى. لم يبقَ إلا الدم والرائحة.
التفت إلى سليم. كانت عيناه ثابتتين، لكن في وجهه أثر ارتجافة صغيرة: لقد قاتل، والكلمة خرجت في اللحظة الصحيحة. هذا تطور مهم.
عدت إلى الرجل المصاب. كان ما يزال ينزف. وضع يده على بطنه كأنه يحاول أن يمنع الحياة من الهروب. نظر إلينا بعينين توسلتين.
في داخلي صراعٌ سريع: إن تركته، سيموت في إحساسه خلال دقائق. وإن حاولنا حمله، سنصير أبطأ، وسنصير هدفًا أسهل. المرحلة الثانية لا ترحم الضعف.
ركعت قربه، ووضعت طرف السيف على الأرض أمامه، ليس تهديدًا، بل تثبيتًا لحدود المسافة. قلت له بهدوء:
“لن أحملك. لكن سأعطيك فرصة واحدة: امشِ وحدك. ببطء. بلا صراخ.”
فتح فمه ليقول شيئًا، ثم ابتلع دموعه وقال:
“لا أقدر…”
كانت الحقيقة تخرج منه بلا تزيين. جسده انتهى.
سليم اقترب خطوة، وهمس بصوتٍ يكاد لا يسمع:
“ربما… نستطيع أن نوقف النزيف…”
لم يقل “نُسعف”، قال “نوقف النزيف”. كلمة دقيقة. وكأن الخبرة التي اكتسبها بدأت تُحوّل تفكيره إلى طبي.
لكن استخدام المانا للشفاء سيطلق رائحة، وسيجلب وحوشًا وبشرًا. ومع ذلك… العصا قد تقلل الأثر. وربما—فقط ربما—ثمن مساعدة رجل واحد أقل من ثمن خسارة إنسانيتنا كاملة.
أشرت لسليم أن يفعلها بحذر.
جلس سليم قرب الرجل دون أن يلمسه بعصاه، ضغط المانا إلى الداخل أولًا، ثم وجهها إلى كفه بقدر ضئيل جدًا، دون ضوء ظاهر. وضع كفه فوق الجرح لثانية… ثانيتين… كان الرجل يرتجف من الألم، لكن النزيف بدأ يخفّ قليلًا، كأن الجلد يحاول أن يتذكر أنه يجب أن يلتئم.
لم يكن شفاءً كاملاً. لم يكن معجزة. كان فقط “تأخيرًا” للموت في إحساس الرجل.
سليم سحب يده بسرعة، وكتم المانا فورًا. رفع العصا إلى صدره، كمن يغلق قفلًا.
الرجل شهق وكأنه عاد من حافة. قال بصوتٍ مكسور:
“شكرا…”
لم نملك وقتًا للبقاء. كل ثانية هنا دعوة.
مددتُ يدي للرجل—ليس لأحمله، بل لأساعده أن يقف. وقف بصعوبة، يميل على الشجرة. قلت له:
“اذهب… نحو الداخل. لا تتبعنا. لا تقل لأحد إنك رأيتنا.”
هز رأسه بسرعة، وبدأ يزحف بعيدًا، خطوة خطوة، كأنه يمشي على زجاج.
تحركنا نحن أيضًا فورًا، لكن بعد عشر دقائق فقط جاءنا دليل أننا تأخرنا كثيرًا: رائحة بشر جديدة في الهواء، ورائحة مانا خافتة خرجت من مكان بعيد، ثم صرخة قصيرة.
الجزيرة كانت تبدأ يومها الحقيقي.
---
مع غروب نفس اليوم، كانت معارك المرحلة الثانية قد صارت شيئًا يُسمع من بعيد، لا يُرى فقط. صرخات بشر، هدير وحوش، ثم صمت. وفي الصمت، كانت اللائحة—في مكان ما على واجهة سليم—تتحرك مثل نبضٍ مسموم.
تجنبنا المساحات المفتوحة، لكن المعركة لا تتركك تختار دائمًا. في ممر صخري آخر، فوجئنا بفريقين يتقاتلان في الأسفل. خمسة ضد أربعة. لم نعرف المستويات، ولم نرَ الأسماء الرمزية، لكننا رأينا طريقة استخدامهم للمانا: تعزيز داخلي، ثم ضربات قصيرة. كانوا يتعلمون بسرعة… وهذا يعني أن من بقي حيًّا بعد أسبوع واحد صار أخطر من الأسبوع الأول بأكمله.
أردت أن نتجاوزهم من أعلى، لكن حجرًا صغيرًا تدحرج تحت قدم سليم، وصدر صوتٌ خفيف… خفيف جدًا، لكنه في صمت الصخر صار طبلة.
توقف القتال لحظة. رأسٌ واحد رفع نظره إلى الأعلى.
لم يكن هناك مجال للهروب الآن. الهروب سيجعلنا هدفًا في الظهر. وأنا لا أريد أن يُسحق سليم من مطاردة لأنه “مكسب”.
قفز أحدهم للأعلى بسرعة. رجل بقناعٍ أسود، يحمل سكينًا، وماناه مضغوطة في ساقيه. قفزته كانت جاهزة، كأن الصخر ليس عائقًا.
سليم كتم فورًا. العصا على صدره. لا ضوء.
أنا رفعت السيف. عندما وصل الرجل إلى الحافة، ضربتُه ضربة على الجانب، ضربة تُسقط النفس وتفتح الألم. سقط على ركبته، الدم اندفع، صرخ صرخة حادة… ثم حاول أن يرفع نفسه بعناد.
لكنه سقط و بدأ يتلوى و مات.
من خلفه صعد آخر. هنا تدخل سليم بكلمة واحدة:
“توقف.”
تلعثم الثاني نصف ثانية، كأن جسده نسي الخطوة التالية. نصف ثانية كافية. ضربة سيف على الكتف، ثم دفعه نحو الأسفل. سقط على صخرٍ حاد، صرخ، وبدأ ينزف.
ثالث حاول أن يصعد… لكن بقية الفريقين في الأسفل عادت لتقتتل، لأن اللحظة التي توقفوا فيها كانت خطأً. الصراخ عاد، والمانا بدأت تخرج أكثر.
عرفت أن البقاء هنا سيجلب الوحوش. رائحة مانا كافية الآن لتستدعي كل شيء.
لم يكن الهدف قتلهم للتقدم. الهدف فتح طريق.
ضربة واحدة سريعة على الرجل الأول في موضع ينهار معه وعيه بسرعة، ثم دفعٌ للرجل الثاني إلى زاوية لا يستطيع منها النهوض.
ثم ماتو، و بدأ الهواء فوقهم يتشقق. اختفوا واحدًا واحدًا، كأن الجزيرة تكنس آثارهم. بقي الدم. بقي الرعب.
وسليم—حتى وهو لا ينظر—كان يشعر بثقل الصعود. ظهرت على واجهتي رسائل النظام المعتادة: 10%، لا أستطيع استخدامها، اقتراح التحويل. ضغطت التحويل دون تردد.
سليم شهق، ثم شدّ العصا إلى صدره أكثر. لم يقل رقمًا، لكن عينيه قالتا إن المستوى تحرك للأعلى.
لم ننتظر. قفزنا نحن أيضًا من طريق مختلف، واستغللنا الفوضى لنختفي.
---
عندما حل الليل تمامًا، وجدنا أخيرًا موضعًا يصلح كمحطة: تجويف صخري مرتفع يطل على ممرين، وله فتحتان للهروب. جلست على الحجر، والسيف على فخذي، وأخذت نفسًا طويلًا لأول مرة منذ ساعات.
سليم جلس مقابلي، العصا بين يديه. نظر إلى الهواء لحظة—إلى لائحته—ثم أغلقها بسرعة. لم يعد ينظر إليها طويلاً. كان يفهم أن اللائحة ليست معلومات فقط، بل لعنة.
رفع عينيه إليّ. لم يتكلم كثيرًا. فقط قال بصوتٍ منخفض:
“هذا اليوم… كان قتالًا.”
لم أجب بجملة كبيرة. هززت رأسي فقط. لأن ما حدث لم يكن يحتاج تفسيرًا. كان يحتاج استمرارًا.
في الخارج، بعيدًا في الغابة، صرخة بشرية واحدة ارتفعت… ثم انقطعت. وبعدها هدير وحشٍ كأنه يتعلم.
شدّ سليم العصا إلى صدره وكتم المانا من جديد.
رفعتُ السيف قليلًا، لا استعراضًا، بل استعدادًا.
وبين الصمت والهدير، كان واضحًا أن المرحلة الثانية لم تكن وعدًا بالهرب… بل وعدًا بمعارك أكثر.