لم يأتِ الليل في الجزيرة كغطاءٍ للراحة، بل كغطاءٍ للعيون.

كان المخبأ الصخري الذي وجدناه مرتفعًا بما يكفي ليمنحنا خطَّي رؤية، وله فتحتان للهروب، لكن ذلك لم يجعله “آمنًا”. الأمان هنا كلمةٌ من الأرض، لا من الجزيرة. كل ما يُمكن أن تحصل عليه هو: احتمال أقل أن تموت خلال الدقائق العشر القادمة.

جلستُ وقد وضعت السيف على فخذي، والنصل مائل بحيث لا يلتقط أي ضوءٍ شارد. سليم جلس مقابلي، يحتضن العصا كما يحتضن المرء قلبًا ثانيًا. كان يضغط عليها إلى صدره بين لحظةٍ وأخرى، كأنه يتأكد أن المانا لا تتسرب من جسده وتصبح رائحةً تُغري الوحوش… أو البشر.

في الخارج، كانت الصرخات تتقطع. صرخة بعيدة… ثم صمت. هديرٌ أخفض… ثم صمت. كأن الجزيرة تتنفس على وتيرة القتل.

رفع سليم رأسه فجأة، ومال قليلاً نحو المدخل. لم ينطق، لكنه شدّ العصا إلى صدره بطريقة أعرفها: الكتم التام. رفعتُ يدي بإشارةٍ واحدة، فاستقرت أنفاسنا على نصفها.

خطوات.

خفيفة جدًا… أكثر خفة مما ينبغي لحيوان. بشر. ومن نوعٍ يتعلم كيف يجعل خطواته بلا صوت.

اقتربت الخطوات، ثم توقفت. بعد لحظة، تحركت من جديد، ثم توقفت. شخصٌ يختبر المكان، يقرأه، لا يندفع. هذا النوع من الصيادين أخطر من المتحمسين.

لم أقترب من المدخل مباشرة. تحركتُ داخل المخبأ إلى زاويةٍ تجعلني أرى خطًّا رفيعًا من الخارج دون أن أُظهر ظلي. رأيت شيئًا يمر: ظلُّ قدمٍ على الحجر، ثم ظلُّ ساق. ثم ظلُّ يدٍ تلمس الصخرة كأنها تتحسس وجودنا.

كنت أعرف: إن انتظرنا كثيرًا، سيطوقوننا. وإن هجمنا مبكرًا، قد يكون ذلك فخًا يجرّنا إلى الخارج حيث ينتظر آخرون. لكننا في فتحة ضيقة… والضيق هنا سلاح.

اقترب الظل أكثر. ثم سمعنا همسًا لا يُقال إلا في عالمٍ صار فيه القتل عملة:

“اثنان… واحد بسيف… وواحد بعصا.”

انقبضت معدتي. العصا كانت علامة. والبياض كان علامة. واللائحة، في مكان ما، كانت تصرخ بأسماء رمزية وتحوّل البشر إلى أسعار.

لم أعطِهم ثانية أخرى.

اندفعتُ كخطٍ واحد.

خرجتُ من المخبأ في لحظةٍ خاطفة، والسيف منخفض حتى آخر ثانية ثم ارتفع إلى كتف الرجل الأقرب. ضربة واحدة فتحت الألم والدم. صرخ، وسقط على جانبه، يضغط على جرحه بيدٍ مرتجفة. لم يتبخر، لم يختف. كان يتلوى، يختنق بالنفس، والدم يسيل على الحجر كأنه حبرٌ يكتب: هذا حقيقي.

في الخارج، كان هناك اثنان آخران على الأقل. واحدٌ تراجع خطوة فورًا، والثاني رفع يده ليطلق مانا… لكن سليم لم يسمح للضوء أن يولد. العصا كانت على صدره، والمانا انكمشت في الداخل كحيوانٍ يُكتم فمه، ثم خرجت كلمة واحدة من بين أسنانه، هامسة، كأنها تُقال للواقع لا للخصم:

“انحراف.”

الخصم الذي كان سيرمي ماناه نحو سليم انحرف نصف خطوة بلا معنى، كأنه تعثر في فكرةٍ غريبة. نصف خطوة فقط… لكنها فتحت لي مسافة طعنٍ نظيفة. ضربته بالسيف على جانب البطن ضربة قصيرة، تُسقط النفس بسرعة. شهق، وانحنى، والدم اندفع. حاول أن يقاوم بعناد، يرفع نفسه، ثم سقط على ركبتيه وهو يحدق في الظلام كأنه يحاول أن يجد سببًا لما يحدث.

الثالث—الأذكى—لم يقترب. استدار ليهرب، لكنه لم يهرب بعيدًا. لأنه كان يهرب نحو طريقٍ يعرفه. نحو بقعةٍ اختارها مسبقًا.

هنا فهمت: هذا كمين كامل، لا ثلاثة أفراد. ثلاثة مجرد خطّاف. والباقي ينتظر أن نندفع خلف الهارب.

لم أطارد. لا يمكن مطاردة في ليلةٍ كهذه دون أن تُدفن.

سحبتُ سليم للخلف إلى داخل المخبأ، وقلت بهمسٍ قاطع: “لا تخرج.”

لكن الصوت في الخارج قال فجأة:

“أحاصروهم. واحد من اليمين.”

لم أرَ من قالها، لكني سمعت طريقة النطق: قيادة.

رفع سليم العصا أكثر إلى صدره. كان كتمه ممتازًا، لا ضوء ولا رائحة قوية. هذا وحده منع الوحوش من أن تُعلن علينا من بعيد. لكن البشر لا يحتاجون رائحة. البشر يحتاجون صبرًا.

سمعت حركة من جهة فتحتنا الثانية. كانوا يحاولون الدخول من هناك.

تحركتُ إلى الفتحة الثانية قبل أن يدخلوا، والسيف في يدي صار أقرب إلى امتداد قرار لا إلى سلاح. ظهر أول وجهٍ مقنع عند العتبة… ثم يد. ثم كتف.

ضربة واحدة في الرقبة… ليست قطعًا كاملًا، لكن ضربة تقطع القدرة على التنفس الطبيعي. صرخة خرجت ثم انكسرت. الرجل ارتدّ للخلف وهو يمسك عنقه، والدم يخرج بين أصابعه. عيناه كانتا واسعتين، لا تصدقان أن هذا يحدث داخل جزيرة يعتقد أنها تقتل للأبد. حاول أن يتراجع… خطوة… ثم سقط على ركبتيه، والوعي يهرب من عينيه ببطء مؤلم.

خلفه كان هناك آخر. رأى زميله يسقط فاندفع بغضب. رفع سلاحًا قصيرًا وحاول أن يطعنني. تراجعت نصف خطوة، ثم ضربته بالسيف على معصمه ضربة تفتح اليد. سقط السلاح، والدم فاض. الرجل صرخ، ثم دفعني بكتفه كمن يريد أن يدخل بالقوة.

سليم همس من خلفي كلمة واحدة:

“سقوط.”

الرجل تعثر كما لو أن الأرض سحبت قدمه، وسقط على الصخر بوجهه. ارتطم، وانفتح جبينه، والدم سال. لم أضربه بعد سقوطه أكثر من اللازم. ضربة واحدة حاسمة في الصدر تكفي لتنهي الاشتباك بلا لعب. شهق، ثم بدأ يختنق.

في الخارج، كان الصيادون يدركون أن الدخول واحدًا واحدًا يقتلهم. فاختاروا خيارًا آخر: إطلاق مانا قوية لإجبارنا على الخروج.

رأيت الوميض ينعكس على الصخر. لم يكن وميضًا بعيدًا؛ كان قريبًا جدًا، كأن كرة مانا اصطدمت بحافة المخبأ فارتجَّ الهواء.

الوحوش ستشم هذا. ستأتي. الليلة ستأكل الجميع إن بقينا هنا.

قلت لسليم: “الفتحة الأولى. الآن.”

خرجنا من الفتحة الأولى في لحظةٍ واحدة، لا ركضًا في خط مستقيم، بل انزلاقًا إلى يسار الصخرة ثم إلى ممر ضيق يبتلع الظل. سليم كان يتحرك بخفة غير متوقعة؛ المانا في ساقيه كانت داخلية، لا تضيء، والعصا تساعده أن يضغطها دون أن يصرخ بها.

وراءنا، صراخ. ليس صراخ مطاردة فقط… بل صراخ رعب.

سمعت هديرًا عميقًا يقترب. وحش. كبير. وربما أكثر من واحد.

الصيادون الذين حاولوا حصارنا أطلقوا مانا، فدعوا الغابة إلى الوليمة.

لم ألتفت كثيرًا. في هذه المرحلة، الالتفات قد يكون آخر فعلٍ تراه عينك. لكني سمعت شيئًا لا ينسى: صراخ رجل يُسحق… ثم صوت عظمٍ يُكسر… ثم انقطاعٌ مفاجئ للصوت، كأن الهواء ابتلع الصرخة نفسها. وبعدها لحظة قصيرة… ثم لم يبقَ إلا صمتٌ لزج.

سليم كان يلهث بصمت. نظر إليّ من تحت قناعه الأبيض، وعيناه تقولان: لقد قتلوا… وماتوا.

لم أجب. لأنه لم يكن هناك جواب. نحن تركناهم للحظة، والغابة أخذتهم.

بعد عشر دقائق من الركض المتعرج، هدأ الصوت خلفنا. وجدنا شرفة صخرية تُشرف على منحدرٍ صغير، فجلسنا خلف حجرٍ بارز كي نلتقط أنفاسنا.

كان في وجهي طعم دمٍ لا أعرف إن كان دمي أم رذاذًا في الهواء.

رفع سليم العصا إلى صدره وأغلق على المانا في داخله كأنه يقفل صندوقًا. ثم فتح عينيه وقال بصوتٍ منخفض:

“كانوا سيذبحوننا.”

لم أقل “نعم”. فقط أومأت. ثم نظرت إلى السيف. على النصل أثر دمٍ داكن. مسحته على قطعة قماش دون أن أتركه يلمع. الدم في الجزيرة لا يُغسل بسهولة، لكنه يُخفى. ومن لا يُخفيه… يُؤكل.

ثم ظهرت الرسائل على واجهتي. لا عواطف. فقط حساب.

تمت التصفية. +10% مستوى.

ثم سطرٌ يضغط على الجرح كعادته:

لا يمكن تطبيق المكتسب على نظام الصقل.

اقتراح: تحويل المكتسب إلى زميل الفريق.

ضغطت التحويل.

سليم شهق. لم يقل الرقم، لكني رأيت جسده يثبت أكثر. مثل شخصٍ صعد درجة في سلمٍ غير مرئي. المانا في صدره صارت أكثر انضباطًا. العضلات صارت تستجيب أسرع. والعصا في يده صارت امتدادًا لسيطرته لا مجرد أداة.

تحركنا في الليل ساعاتٍ طويلة، نقاتل حين يُفرض القتال، ونهرب حين يكون القتال انتحارًا. لم يكن الهرب جبنًا؛ كان اختيارًا. ليس كل قتالٍ يرفعك، وبعض القتال لا يترك لك فرصة لتستفيد من أي شيء سوى ألمك.

قرب الفجر، وقعت المعركة التي رسخت معنى المرحلة الثانية أكثر من أي إعلان.

كنا نمر بين ثلاثة صخور ضخمة تشكل “مفترقًا” طبيعيًا. المكان يجبرك أن تختار: يمين، يسار، أو صعود. وبينما كنا نختار، ظهروا.

خمسة.

ليس لأن خمسة هو رقمٌ جميل، بل لأن الحد الأقصى للفريق خمسة، وكأن الجزيرة قالت: “سأعطيكم أقصى ما تسمح به القواعد… ثم أرى من يبقى.”

لم يكونوا يركضون. كانوا يمشون بثقة. اثنان أمام، اثنان على الجانبين، واحد في الخلف كالعين والقرار. وأمامهم مباشرة، لمعة خافتة على الواجهات—ليس ضوء مانا، بل ضوء شهوة.

سمعت واحدًا منهم يهمس:

“البياض… هو.”

عرفوا. لا أعرف كيف. ربما بالاسم الرمزي، ربما بلون اللباس، ربما بمجرد أن رأوا العصا. لكنهم عرفوا.

لم يكن هناك وقت لاختباء. كانوا يملكون زوايا أعلى. لو حاولنا الهرب، سيضربوننا في الظهر. هذه معركة مفروضة.

تقدمتُ خطوة، السيف أمامي بزاوية دفاعية. سليم وقف خلفي نصف خطوة، العصا على صدره، والمانا مكبوسة داخل جسده كزنبرك.

المهاجم الأول اندفع نحوي بسكينٍ ومانا تعزز ذراعيه. ضربته بالسيف على الساعد ضربة تقطع القوة قبل أن تكتمل. الدم خرج، لكنه لم يتوقف. الرجل صرخ، ثم هجم بجنون، يريد أن يثبت أنه لا يتألم. الألم هنا لا يطلب إذنًا. الألم يهزمك إن تجاهلته.

الثاني حاول الالتفاف إلى سليم، وهذا ما توقعت. المرحلة الثانية تجعل كل من يرى “مستوى” يتصرف كأنه يرى كنزًا.

هنا جاءت اللحظة التي جعلت القتال مهيبًا بحق.

سليم لم يطلق كرة مانا. لم يفتح وميضًا فاضحًا. ضغط العصا إلى صدره بقوة، وأرسل المانا إلى ساقيه فقط، حركة داخلية سريعة، ثم انزلق خطوة إلى جانبٍ يجعل خصمه يمر أمامه بدل أن يصطدم به. وفي اللحظة التي مرّ فيها الخصم، همس سليم بكلمة واحدة:

“توقف.”

الخصم لم يتجمد كتمثال… لكنه تردد، كأن رأسه امتلأ فجأة بسؤالٍ لا يخص القتال. التردد نصف ثانية. نصف ثانية هي التي فصلت بين سليم كفريسة وسليم كخطر.

انقضضتُ على الخصم من زاويته العمياء، وضربته بالسيف ضربة قاطعة في الكتف ثم ثانية في الجانب. الدم اندفع. الرجل شهق، وسقط على ركبتيه، وبدأ يختنق.

الثالث والرابع اندفعا معًا. واحد نحوي، وواحد نحو سليم. أرادوا أن يقسموا الضغط حتى ننكسر.

هنا، لأول مرة، لم يعد السيف وحده هو القتال. صار القتال منظومة: سيف + كلمة + كتم + حركة.

ضربتُ الثالث ضربة دفاعية على سلاحه، ثم دفعتُه إلى اليمين لتفتح زاوية لسليم، وسليم همس:

“سقوط.”

تعثر الرابع—الذي كان سيطعن سليم—وسقط على ركبته. لم يكن سقوطًا مسرحيًا؛ كان سقوطًا كمن فقد توازنه فجأة على أرضٍ لم تعد تثق به. قبل أن ينهض، ضربتُه ضربة واحدة في الصدر. شهق، وبدأ النفس يهرب منه كالماء.

الخامس—القائد—لم يتقدم بعشوائية. تراجع خطوة، ورفع يده ليفتح مانا أقوى. كان يريد أن يُفجّر المكان ويجبرنا على التراجع أو يُحرقنا بالضوء.

لكن العصا في يد سليم كانت تفعل شيئًا آخر: لم تكن مجرد قناة، كانت كابحًا. سليم ضغطها، ولم يسمح للمانا أن تتفجر خارج جسده، بل جعلها تتجمع في كلمة واحدة أدق، كلمة تُطلق أثرًا بلا ضوء كبير.

همس سليم، وهذه المرة صوته خرج كأنه مسمار يُطرق على الواقع:

“صمت.”

لم أعرف كيف تعمل كلمة كهذه، لكني رأيت أثرها: مانا الخصم لم “تنفجر” كما أراد، كأنها اصطدمت بجدارٍ خفي، أو كأن الهواء حوله صار أثقل للحظة فخنق الإطلاق. لم يختفِ الضوء كليًا، لكنه انخفض. صار إطلاقه مرتبكًا، غير مكتمل.

وهذه الثواني وحدها حسمت.

اندفعت نحو القائد، وتلقيت ضربة قصيرة منه على كتفي—لمعة مانا جزئية—وشعرت بالألم كصاعقة. لم يكن الألم مخففًا، ولا رحيمًا. ارتجف جسدي لحظة، لكن السيف لم يسقط.

ضربتُه ضربة على فخذه، ثم الثانية على ذراعه التي تحاول رفع المانا. الدم خرج، وهو صرخ صرخة غاضبة، لا صرخة ألم فقط. حاول أن يتراجع ليعيد بناء المسافة… لكن المكان بين الصخور لا يمنحك مسافة.

سقط على ركبته، ثم على جانبه. يده كانت تضغط على الجرح، والدم كان يهرب بسرعة. عيناه كانت تلتصقان بي، ليس توسّلًا، بل كراهية: كراهية من كان يرى نفسه صيادًا، ثم اكتشف أنه دخل فمًا آخر.

لم أترك المشهد يطول. لا وقت لتعذيب، ولا رغبة. ضربة واحدة حاسمة تنهي المقاومة.

ثم بدأت النهاية… كما تبدأ دائمًا هنا: وعي يتسرب، جسد يتلوى، عينان تفقدان البريق، والجزيرة لا ترحم الألم. وبعد ثوانٍ قصيرة، انشق الهواء فوق واحد… ثم فوق الثاني… ثم الثالث… ثم الرابع… ثم الخامس. لم يتركوا جثثًا، لم يتركوا قبورًا. تركوا فقط بقع دمٍ ورائحة موت.

في لحظةٍ واحدة، صار الصمت أثقل. كأن المكان نفسه أصيب بصدمة.

سليم كان يقف وهو يلهث بصمت، والعصا ملتصقة بصدره. بياضه لم يعد يبدو “هشًا” كما في البداية. صار بياضًا يشبه رايةً لا تُرفع في الضوء، بل تُخفى في الظل وتظهر حين يُجبرك القتال.

وعلى واجهتي انفجرت الرسائل… ليس ضوءًا، بل حسابًا:

تمت التصفية. +10% مستوى.

ثم تكرار… ثم تكرار… خمس مرات.

وفي كل مرة، نفس السطر البارد:

لا يمكن تطبيق المكتسب على نظام الصقل.

اقتراح: تحويل المكتسب إلى زميل الفريق.

ضغطت التحويل مرة… ثم ثانية… ثم ثالثة… ثم رابعة… ثم خامسة.

في كل تحويل، كان سليم يشهق شهقة خفيفة، كأن شيئًا ثقيلًا يتدفق داخل جسده. لم يقل رقمًا. لم ينطق “أنا الآن كذا”. لكن جسده قال: أنا أثبت، أنا أسرع، أنا أقدر على الكتم، أنا أقدر على تحويل الكلمة إلى أثر دون أن أصير منارة.

ثم نظر إلى الهواء لحظة—إلى لائحته—ثم أغلقها بسرعة كمن يخاف أن يرى نفسه فوق الآخرين. لكن قبل أن يغلقها، لمحت في عينه لمعة خاطفة: هو يرى اسمه الرمزي يتحرك للأعلى. يرى الطريق الذي سيقوده—إن عاش—إلى القمة.

لم يفرح. كان في وجهه شيء أقسى: إدراك أن كل صعود يجعل الصيد عليه أكثر.

لم يمضِ وقت طويل حتى سمعنا هديرًا من بعيد. ليس هدير وحشٍ عادي. هديرٌ أثقل، وفيه شيء… مكتسب. كأن الوحش الذي يقترب لم يعد يركض بجوع فقط، بل يركض بمستوى.

شمّ الدم.

والدم هنا ليس دمًا فقط… الدم إعلان.

تحركنا فورًا. لم نترك حتى ثانية للندم. صعدنا بين الصخور إلى مسارٍ أعلى، لأن الوحوش الكبيرة تكره الصعود الحاد، والبشر يكرهونه أكثر.

في منتصف الصعود، التفت سليم نصف التفاتة، لا ليشاهد، بل ليتأكد أننا لا نُطارد من بشر. ثم عاد بسرعة، وكتم المانا أكثر، حتى صار هواء صدره بلا أثر.

كان الليل ينسحب ببطء، والفجر يلوح بلونٍ رمادي، والجزيرة خلفنا تُغلق فمها على الصرخات القديمة وتفتح فمها على صرخات جديدة.

وفي داخل رأسي، لم يكن هناك شيء سوى جملة واحدة تُكتب بسيف وبتنفسٍ مكتوم:

ثلاثة أشهر… ليست مدة نجاة.

ثلاثة أشهر… مدة صعود.

وسليم… كان يصعد.

2026/03/06 · 13 مشاهدة · 2131 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026