مرَّ أسبوعٌ كامل في المرحلة الثانية… أسبوعٌ لا يُقاس بعدد الأيام بل بعدد المرات التي نجونا فيها من أن نصير بقع دمٍ تُشمّ ثم تُنسى.
لم أعد أعدّ “كم قاتلنا” في رأسي. الأرقام تُسكر، والجزيرة تحب السكارى لأنها تُسهل عليهم السقوط. لكن جسدي كان يتذكر كل شيء: ثقل السيف في الكتف بعد كل اشتباك، لسعة الدم على الأصابع، رجفة العضل حين يظن أنه انتهى ثم يجد نفسه مضطرًا أن ينهض من جديد. وسليم… كان يتغير أمامي ببطءٍ مخيف، لا لأن وجهه تبدّل، بل لأن حضوره تبدّل.
في الأيام الأولى من المرحلة الثانية كان يخطو بحذرٍ زائد، يخشى أن يطلق المانا، يخشى أن ينطق الكلمة، يخشى أن يرفع العصا أكثر من اللازم. بعد أسبوع صار خوفه أذكى: لم يعد خوفًا يشلّه، بل خوفًا يوجّه قراره كإبرة بوصلة. صارت العصا تُعامل كأداة ضبط لا كعصا سحرية، وصارت كلماته تُخرج أثرًا بلا ضوءٍ كبير، بلا رائحةٍ فاضحة، وبلا انفعال.
والأهم… أن مستواه ارتفع. ليس مستوى “يُعجب”، بل مستوى “يُجرِّم”.
في الليلة التي أكمل فيها صعوده إلى المستوى الخامس والعشرين، لم يقل الرقم بصوتٍ عالٍ. لم يحتفل. لم يقفز. فقط جلس على حجرٍ جاف داخل تجويفٍ صخري، ورفع عينيه إليّ بعينين ممتلئتين بتعبٍ عميق، ثم قال بصوتٍ منخفض:
“أنا… خمسة وعشرون.”
قالها كمن ينطق بحكمٍ قضائي على نفسه.
كنتُ أرى الرقم من آثار الحركة لا من الواجهة: صار أقوى في التعزيز الداخلي، أسرع في الانزلاق والخطوة الجانبية، أقدر على كتم المانا حتى تحت الضغط. صار قادرًا أن يقول الكلمة في اللحظة الصحيحة دون أن يرتجف صوته، وأن يجعل “اللحظة” نفسها تتغير لصالحنا.
خمسون… بل أكثر من خمسين… بين وحشٍ وبشرٍ مرّوا علينا خلال أسبوع. بعضهم هجم علينا لأننا ظهرنا في المكان الخطأ، وبعضهم اصطدناه لأننا لم نعد نستطيع أن نعيش ثلاثة أشهر ونحن نركض فقط. المرحلة الثانية كانت تُجبرك أن تدفع ثمن وجودك: إن لم تقاتل، سيأتي من يقاتلك.
لم تكن معارك متشابهة. الجزيرة كانت تبدّل شكل الساحة كل يوم: مرة صخور تُكسر عند أول صرخة، مرة غابة تُخفي خطوات بشرٍ أذكى من الوحوش، مرة وادٍ ماءه لعنة لأنه يجذب الجميع، مرة مرتفعٌ صخري يفضح أي ظل.
في اليوم الثاني وحده، وقع اشتباكٌ علّمنا كيف بدأ الناس يفكرون بالاقتصاد الجديد.
كنا نتحرك قرب سلسلة صخرية تشبه أضلاعًا عارية، عندما سمعنا صوتًا خافتًا يأتي من خلفنا: همسٌ سريع، ثم ضحكة قصيرة. كان هناك فريقٌ من خمسة، يتحركون ببطء، لا يركضون. كانوا يتكلمون عن “النسبة” كما يتكلم تاجر عن ربح.
توقفتُ خلف صخرة، وسحبت سليم إلى زاوية لا تُرى. رأيتهم عبر فرجة صغيرة. واحدٌ منهم أخرج واجهته للحظة كأنه يقارن: اسمٌ رمزي فوق اسمٍ رمزي، ومستويات تقفز.
قال قائدهم—من طريقة الصوت—بنبرة ثابتة:
“نأخذ الصغار أولًا، نرفع أنفسنا قليلًا، ثم نأكل واحدًا كبيرًا.”
كلمة “نأكل” لم تكن مجازًا عندهم. كانت عقلية.
لم نهاجمهم. كنا نعرف أن خمسة ليسوا رقمًا صغيرًا. في الأسبوع الأول كان العدد أحيانًا عبئًا، لكن بعد أسبوع في المرحلة الثانية، صارت الفرق تتعلم كيف تحول العدد إلى طوقٍ قاتل. تجاوزناهم بزاوية بعيدة، ومشينا ساعة كاملة دون قتال، لأن “تجنب معركة” كان أحيانًا أعظم انتصار.
لكن الجزيرة لا تتركك تختار دائمًا.
في اليوم الثالث، داخل ممرٍ شجري كثيف، ظهر وحشٌ لا يشبه شيئًا من الأرض: جسدٌ طويل كظلٍ حي، ورأسٌ منخفض بلا عينين واضحتين، وفمٌ ينفتح كشقٍّ في اللحم. لم يصرخ. لم يهدِر. فقط اقترب… وكأن الاقتراب وحده يكفي.
كان الوحش أسرع مما توقعت. اندفع نحوي مباشرة، ربما لأن السيف عندي كان “أشد وضوحًا” من عصا سليم. ضربتُه ضربة على الجانب، لكن النصل انزلق كأن اللحم ليس لحمًا. ردّ عليّ باندفاعٍ جعل الهواء يصفع وجهي، وفهمت أنني إن حاولت “مبارزة” هذا الشيء سأدخل في حرب استنزاف لا نهاية لها.
هنا جاء دور سليم كحقيقة لا كرقم.
ضغط العصا إلى صدره، ولم يطلق ضوءًا، ثم قال كلمة واحدة لا أكثر:
“توقف.”
لم يتجمد الوحش كتمثال. لكنه تباطأ لحظة، لحظة صغيرة جدًا، كأن الواقع نفسه تردد: هل هذا الكائن يخضع للأمر؟
تلك اللحظة كانت كل ما احتجته.
اندفعت بالسيف إلى نقطة المفصل بين العنق والكتف—إذا صحّت كلمة كتف—وطعنتُ طعنة عميقة. خرج صوتٌ لا يشبه الصراخ، خرج كهواء ينفجر من ثقب. ارتدّ الوحش، وبدأ جسده يلتف على نفسه كحبلٍ يُقطع.
لم يختفِ فورًا. ظل يتلوى، يتخبط، يترك أثرًا لزجًا على الأرض، وكأن الجزيرة تتعمد أن تجعل النهاية ممتدة بما يكفي لتخيف من يرى. ثم… انشق الهواء فوقه واختفى، وبقيت رائحة غريبة تشبه الحديد والطحلب.
سليم لم يتكلم. فقط نظر إلى العصا كأنه تأكد أنها ليست زينة. ثم نظر إليّ، وكانت في عينيه جملة واحدة: نحن نفعل هذا فعلاً.
مع نهاية ذلك اليوم، ارتفع مستواه مرة أخرى. لم يكن صعودًا عشوائيًا؛ كان صعودًا متدرجًا، لكن واضحًا. كل “تصفية” تمنحه نسبة من مستوى الخصم، وكل وحشٍ نسقطه يزيده ثباتًا في جسده، حتى لو لم يكن الوحش “مستوى” مثل البشر.
أما أنا… فكنت أحصل على المكاسب ثم تُسحب من يدي إلى يده، كما لو أن دوري في هذه الجزيرة أن أكون يدًا تُمسك بالسكين، بينما هو يصبح السكين الذي يلمع في اللائحة.
وفي اليوم الرابع بدأ الصعود يجرّ معه شيئًا آخر: الانتباه.
لم نكن نرى اللائحة إلا نادرًا لأن النظر إليها يُفسد التركيز. لكن الناس في الخارج كانوا يرونها طوال الوقت. كانوا يقيسون بها العالم كما يقيس الجائع مخزون طعامه.
في أحد المساءات، ونحن نقترب من بركة صغيرة محاطة بثلاثة أشجار ضخمة، خرج علينا متسابق وحيد. لم يهاجم فورًا. وقف بعيدًا، يرفع يديه قليلًا ليُظهر أنه “ليس خصمًا الآن”، ثم قال بصوتٍ مسموع بما يكفي دون أن يصرخ:
“أنتما… هل أنتما هما؟”
لم نجب. الصمت كان جوابًا.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ثم قال جملة كانت كافية لتخبرنا أن السرّ انتهى:
“اسمك الرمزي… صار معروفًا. يتحرك بسرعة.”
نظر إلى سليم، لا إليّ. هذا وحده كان صفعة: سليم صار الهدف الذي يُقرأ.
الرجل لم يهاجم، بل تراجع خطوة وقال:
“لا أريد قتالكما. فقط… كنّا نعتقد أن هذا الصعود مستحيل خلال أسبوع.”
ثم اختفى بين الأشجار دون أن ينتظر جوابًا، كأنه جاء فقط ليؤكد أن الشائعة صارت حقيقة.
في تلك الليلة، حين جلس سليم داخل المخبة، لم يقل “أنا خائف” بصيغتها البسيطة، لكنه قال ما هو أخطر:
“صاروا يعرفونني.”
لم يكن يقصد أن يروه بعينهم، بل يعرفونه بترتيبه.
هذا ما تفعله اللائحة: تحوّل الإنسان إلى خبرٍ متداول.
---
تزايدت الاشتباكات بعد ذلك، لا لأننا بحثنا عنها دائمًا، بل لأن الآخرين صاروا يبحثون عنا.
أسبوع واحد كان كافيًا ليولد نمطًا في الجزيرة: هناك متسابق يصعد بسرعة غير طبيعية. البعض خاف منه فتجنبه. البعض طمع فيه فطارده. البعض أراد أن يصنع اسمه بقتله. وفي المرحلة الثانية، الاسم يُصنع على جثة.
في اليوم الخامس، وقع أعنف اشتباكٍ خلال الأسبوع كله.
كنا نعبر منطقة صخرية مفتوحة نسبيًا، تشبه مدرجًا طبيعيًا، لأننا اضطررنا للمرور بها لنصل إلى منطقة كثيفة من الصخور نعرفها كممر آمن. كانت مساحة مكشوفة، وهذا ما لا نحبه، لكن أحيانًا تختار بين مكشوفٍ لثلاث دقائق وبين غابةٍ لا نهاية لها.
في منتصف المدخل، سمعنا صوتًا خلفنا:
“توقفا.”
صوتٌ واحد، لكن خلفه حضور فريقٍ كامل. التفتُّ ببطء. كانوا أربعة فقط، لكن وقفتهم قالت إنهم ليسوا أربعة عاديين. كانوا متباعدين بحيث يغلقون الزوايا، ويمنعون الهرب دون أن يقتربوا من بعضهم كثيرًا.
الذي تكلم كان يحمل سيفًا قصيرًا ودرعًا خفيفًا من المانا يظهر ويختفي على جسده كطبقة رقيقة، ليس ضوءًا فاضحًا. كان ذكيًا: لا يريد أن يجلب الوحوش، لكنه يريد أن يظهر أنه محمي.
قال بنبرة هادئة:
“نريد البياض.”
لم يقل “نريد سليم”. لا أحد يستعمل أسماء حقيقية. لكن البياض صار عنوانًا.
سليم لم يتحرك. ضغط العصا إلى صدره أكثر، وكتم المانا حتى صار وجهه شاحبًا خلف القناع الأبيض.
رفعتُ السيف أمامي. لم أقل شيئًا. الكلام يفتح باب تفاوض لا وقت له. هذا فريق جاء للصيد، لا للحوار.
اندفع الأول نحوي، يريد أن يشغلني. في نفس اللحظة حاول الثاني أن يلتف نحو سليم. الثالث ظل بعيدًا يراقب ليضرب في لحظة ضعف. الرابع بدأ يتجه إلى أعلى الصخرة ليأخذ زاوية رؤية ويُطلق هجومًا دون أن يُحاصر.
كانت معركة كاملة التنظيم، لا عشوائية فيها. وهذا أخطر ما في المرحلة الثانية: الهواة يموتون بسرعة، ويبقى من يتعلم التنظيم.
تبادلنا أول ضربة بسرعة. سيفي اصطدم بدرع المانا الرقيق فسمعت طقطقة مختلفة، كأن الحديد يعضّ الهواء. ارتدّ الألم إلى كتفي، لكنني لم أتراجع كثيرًا. ضربت بزاوية أخرى، هذه المرة على الساق، لأكسر التوازن بدل أن أخترق الدرع.
في تلك الثانية، سمعت صوت سليم… لا صراخًا، بل كلمة واحدة، خرجت كأنها تُكتب على الهواء:
“انحراف.”
الرجل الذي كان يلتف نحوه انحرف نصف خطوة، فمرّت ضربته في الفراغ بدل أن تصل إلى جسد سليم. هذه النصف خطوة أنقذت الصدر، لكنها لم تنهِ المشكلة. الرجل فهم بسرعة أنه يتعامل مع شيء غير عادي.
حاول أن يهاجم مرة أخرى، لكن سليم قال كلمة ثانية:
“ثقل.”
صار الخصم أثقل لحظة، لحظة صغيرة. لكن اللحظة نفسها سمحت لسليم أن ينزلق خطوة جانبية، ثم يضرب بعصاه على مفصل ركبة الخصم ضربة خفيفة جدًا، ليست ضربة قتل، بل ضربة إسقاط. الرجل سقط على ركبته وصرخ من الألم.
في نفس الوقت، كنتُ أنا في صراع مع الأول. ضربتُه ثلاث ضربات سريعة: ذراع، كتف، ثم صدر. الدرع الرقيق كان يتشقق مع كل ضربة، لكنه كان يخفف الضرر بما يكفي ليطيل المعركة. إطالة المعركة هنا كارثة. المعركة الطويلة تفتح الباب للوحوش، وتفتح الباب لفرق أخرى تراقب من بعيد وتدخل عند النهاية لنهب 10%.
قررت أن أنهي. خاطرت بخطوة قرب، ودخلت داخل زاوية سيفه، ثم ضربته ضربة عميقة تحت الضلع. خرج صوتٌ مكتوم، وبدأ الدم ينسكب بسرعة. الدرع انطفأ. الرجل ترنح، ثم سقط على ركبته وهو يضغط بيده على الجرح، وعيناه تتسعان كأنهما ترى النهاية لأول مرة.
الثالث حاول أن يستغل لحظة انشغالي، واندفع عليّ من جانبٍ آخر. لكن سليم قال كلمة ثالثة، قصيرة كطعنة:
“توقف.”
تردد الرجل لحظة، فقط لحظة، كأنه نسي سبب اندفاعه. التردد هنا حكم. ضربته بطرف السيف على المعصم، ثم دفعته إلى الخلف. ارتطم بالصخرة، وسقط.
الرابع—الذي أخذ زاوية أعلى—أطلق شيئًا من المانا، ليس كرة ضوء كبيرة، بل رمحًا قصيرًا من الطاقة. الرمح مرّ قرب رأسي، وخدش أذني، وشعرت بحرارة حادة مثل سلكٍ ساخن. الألم كان صافيًا، جعل عيني تدمع لحظة… لكن اللحظة نفسها كانت قد تُميت. تراجعت وراء صخرة صغيرة لأقطع خط الرؤية.
سليم فهم فورًا. ضغط العصا إلى صدره ثم دفع المانا إلى ساقيه داخليًا، وانطلق صعودًا على صخرة جانبية بسرعة لم يكن يملكها قبل أسبوع. كان هذا الفرق بين مستوى عشرة ومستوًى فوق العشرين: الحركة.
وصل سليم إلى ارتفاع قريب من الرابع، ثم قال كلمة واحدة، كأنها قفل:
“سقوط.”
الرجل على الأعلى اختل توازنه. حاول أن يتمسك بالصخر، لكن قدمه انزلقت. سقط من ارتفاع مترين أو ثلاثة، ارتطم بالأرض بقوة، وسمعت صوت عظمٍ يتصدع. صرخ صرخة طويلة ثم انقطعت إلى أنين.
لم يكن هناك تعذيب. لم تكن هناك ضربات إضافية بلا معنى. كل ضربة كانت لإنهاء، لا لإطالة.
واحدًا بعد واحد… بدأت النهاية. الخصوم الذين نزفوا وتهشموا ظلوا يتلوون للحظات… ثم اختفوا في تشقق الهواء، تاركين الدم ورائحة الحديد، وكأن الجزيرة تكنس المكان من الجثث كي تبقى الساحة نظيفة لمذابح أخرى.
عندما انتهت المعركة، كنتُ أنا ألهث بصمت، والسيف في يدي ثقيل كأنه أصبح جزءًا من عظم. سليم كان واقفًا، العصا ملتصقة بصدره، وعيناه تحملان خليطًا من القوة والرعب.
ثم جاءت الرسائل… ليس بصوت، بل كحسابٍ يلدغ:
تصفية… +10%… تكرار… تكرار…
أنا لم أستطع استعمال شيء منها. كالعادة.
حوّلت كل ما ظهر إليّ إلى سليم، واحدة تلو الأخرى. كل تحويل كان يجعله يشهق شهقة صغيرة، كأن جسده يتلقى دفعة لا يراها أحد.
بعد التحويل الأخير، توقف سليم لحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض:
“أنا… قفزت.”
لم يقل الرقم. لكنه كان واضحًا في ملامحه: هذا ليس صعودًا بطيئًا. هذه قفزات. وهذا ما يجعل الآخرين يلاحظون.
---
مع نهاية الأسبوع، لم يعد “الانتباه” مجرد همس. صار حقيقة.
في أحد الممرات، رأينا على صخرةٍ عالية أثرًا محفورًا بشكلٍ بدائي: اسم رمزي مكتوب بحروفٍ رديئة، وتحته سهمٌ يشير إلى اتجاه، وكلمة واحدة: “مكافأة”.
لم أعرف إن كان المقصود مكافأة على رأس سليم، أو مجرد علامة لصيد. لكني فهمت المعنى: الناس بدأت تتصرف كما لو أن الجزيرة مدينة، وأن لديهم وقتًا لصناعة شائعات وخرائط.
الأخطر أن بعضهم صار يترك “طُعمًا”: جروحٌ مفتوحة لتجذب الوحوش نحو مكانٍ محدد، ثم يختبئون ليأخذوا النسبة ممن ينجو. والبعض صار يراقب نقاط الماء لا ليشرب، بل ليصيد.
صار القتال أكثر، نعم، وصار أهيب، لكنه صار أيضًا أكثر قذارة.
وفي اليوم السابع، عند غروبٍ رمادي، اخترنا أن نثبت دقائق على مرتفع صخري يطل على مساحة واسعة. أردنا فقط أن نفهم أين نحن بالنسبة للآخرين. سليم فتح اللائحة لحظة واحدة فقط ثم أغلقها بسرعة، لكن تلك اللحظة كانت كافية لتغيير الهواء في صدره.
كان وجهه يتصلب وهو ينظر، كأنه يرى نفسه يتحول إلى عنوان.
ثم قال بصوتٍ منخفض، كمن يقرأ شهادة حكم:
“هم… يتحدثون.”
لم يسأل: من؟ لأن “من” في الجزيرة صار كل أحد.
أشار بيده إلى الفراغ وكأنه يرى الكلام مكتوبًا عليه: رسائل قصيرة تظهر وتختفي بين المتسابقين عبر الواجهات، همسات تُنقل من فريقٍ لفريق، أسماء رمزية تُذكر ثم تُشطب.
قال:
“قالوا… إن هناك واحدًا يصعد بطريقة غير طبيعية… وإنه الآن… في الخمسة والعشرين.”
لم يقل “أنا” وهو يقولها. لكن الجملة كانت عنه.
سكتُّ لحظة، وأنا أراقب الأفق. لم أكن أحتاج أن أرى الكلام كي أعرف نتيجته: الصعود حين يُرى يتحول إلى مطاردة.
الجزيرة لم تعد ساحة قتال فقط. صارت سوقًا. وسليم صار سلعة. وأنا… صرت اليد التي تمنع السلعة من أن تُباع بأبخس ثمن: غدرٌ في الظل.
خفض سليم نظره وقال جملة واحدة، بصدقٍ ثقيل:
“سيأتون.”
لم أنكر. لم أقل له “لا تقلق”. القلق ليس مشكلة. الوهم هو المشكلة.
أمسكتُ مقبض السيف أقوى، ثم نظرت إلى العصا في يده. لم يعد الأبيض يبدو هشًا. صار أبيضًا يلمع في ذهن الآخرين كجائزة.
وقفتُ، وأشرت له أن يغلق اللائحة نهائيًا. أغلقها.
ثم تحركنا من المرتفع إلى صخور أدنى، لأن الوقوف في مكانٍ مكشوف بعد أن تصير معروفًا يشبه أن تكتب اسمك الحقيقي على جبهتك.
وأنا أمشي، كان في رأسي قرارٌ بسيط، بلا شعر وبلا خطابات:
القتالات ستكثر… نعم.
ستصير أهيب… نعم.
وسليم سيصعد… نعم.
لكن ابتداءً من هذه اللحظة… لن يكون القتال فقط ضد من يهجم.
سيكون ضد من يخطط، ومن يطارد الاسم الرمزي، ومن يريد أن يحول الصعود إلى حبلٍ حول الرقبة.
في تلك الليلة، ونحن ننزل إلى ممرٍ صخري ضيق يشبه الحلق، سمعنا من بعيد صوتًا واحدًا—ليس صراخًا هذه المرة—صوتًا واضحًا، كأنه أُرسل عمدًا ليصل:
“وجدناه… الأبيض…”
ثم صمت.
لم تكن كلمة عشوائية. كانت إعلان بدء مطاردة.
واصلنا السير بلا ركض، لأن الركض يفضح. لكن كل خطوة كانت تحمل معنى واحدًا: الأسبوع القادم لن يكون أسبوع “نجاة”. سيكون أسبوع “صيد”… وصيدُنا هذه المرة ليس وحشًا ولا فريقًا عابرًا.
إنه الانتباه نفسه.