لم يأتِ الهجوم على هيئة صرخةٍ واحدة، بل على هيئة صمتٍ مفخخ.

كنتُ أمشي وسليم خلفي بنصف خطوة، عندما شعرتُ بأن الهواء صار “مقسومًا” إلى قطاعات: الريح لا تأتي من جهة واحدة، بل من جهاتٍ متعددة. رائحة البشر كانت هناك… لا رائحة فردٍ عابر، بل رائحة عشرات، مئات الأنفاس التي كتمت نفسها في آنٍ واحد.

توقفتُ عند حافة ممر صخري ضيق، ومددت كفي بلا كلمة. توقف سليم فورًا، وضغط العصا إلى صدره حتى صارت المانا داخله أقرب إلى حجرٍ ساكن.

رفعت بصري.

ورأيتهم.

لم يكونوا صفًّا واحدًا. كانوا طبقاتٍ من الصيادين، موزعين على الصخور والمرتفعات، خلف الأشجار، وفي فتحات الممرات الجانبية. كانت هناك وجوه مقنّعة لا تُحصى، وأيدٍ تتهيأ، ومجموعات تتحرك بعين واحدة كأنهم صاروا جسدًا واحدًا. لم تكن “عشرين” أو “ثلاثين”؛ كانوا كثيرين إلى درجة أن العد صار بلا معنى… لكنني سمعت نفسي أقول في الداخل ببرودٍ كئيب: مئة.

كانوا قد جمعوا هذا العدد لأجل شيء واحد: اصطياد سليم.

سمعت همسًا واضحًا بما يكفي ليصل إلينا. صوتٌ من الأعلى، ثابت، كأنه قائدٌ لا يحتاج أن يرفع صوته:

“لا تقتلوا الأسود أولًا… خذوا الأبيض. عشرة بالمئة من خمسة وعشرين… تساوي حياة.”

لم يقل “خمسة وعشرين” كرقمٍ محايد. قاله كقيمةٍ نقدية.

سليم لم يتحرك، لكني شعرت بارتجافة دقيقة في يده على العصا. لم تكن رجفة خوفٍ فقط، كانت رجفة إدراك: صار اسمه الرمزي عملة، وصار وجوده لعنة.

لم يكن في هذا الموقف مكانٌ لخطبة، ولا مكانٌ لتردد طويل. الممر خلفنا ضيق، والأمام ضيق، والارتفاعات حولنا تجعلنا مكشوفين إن ركضنا. إن حاولنا الهرب، سيُرمَيان علينا من الجانبين كالسيل.

كان علينا أن نقاتل.

دفعتُ سليم خلف صخرة بارزة على يمين الممر، صخرة تشكل زاوية عمياء من جهة المرتفع. أشرت إليه بإصبعي: لا ضوء. فهم فورًا، وضغط المانا للداخل حتى صارت أنفاسه بلا أثر.

رفع أحدهم يده، وظهر وميض مانا صغير جدًا، ليس فاضحًا، لكن كافٍ كبداية اشتباك.

ثم بدأ المطر.

ليس مطر ماء، بل مطر ضربات: سكاكين، رماح مانا قصيرة، حجارة مقواة بالطاقة، هجمات تُطلق من مواقع مختلفة لتجبرنا على الحركة. كانوا لا يريدون قتلي بسرعة؛ كانوا يريدون أن يخرج سليم من ستره، ثم ينهونه في لحظة واحدة.

أخرجتُ السيف من منخفضه ببطءٍ محسوب. لم ألمحه للضوء. النصل كان نظيفًا، لكني أحسست بثقله في كتفي قبل أن أحس بثقله في يدي: هذا ليس سيف عرض، هذا سيف نجاة.

اندفعتُ أولًا، لا نحو الكثرة، بل نحو “العقدة” الأقرب: فريق من خمسة على نتوء صخري منخفض، يملكون زاوية إطلاق مباشرة علينا. إذا أغلقت هذه الزاوية، ستقل كثافة الهجوم فورًا.

قفزتُ إلى اليسار داخل ممر جانبي ضيق، ثم صعدتُ على صخرة قصيرة بضربة قدم واحدة، كأن جسدي صار يعرف الصعود قبل أن أفكر فيه. رجلٌ مقنّع ظهر أمامي بسكين، ماناه تعزز ذراعه.

لم أنتظر. ضربة واحدة على الرسغ قطعت القدرة على الإمساك. السكين سقط. الرجل صرخ، وتراجع وهو يضغط على يده التي تحولت إلى نافورة دم. لم يختفِ. كان يتلوى، ينزف، يحدق كأنه لا يصدق أن الألم بهذا الوضوح.

الثاني اندفع نحوي من الجانب. ضربتُه ضربة على الفخذ، ضربة عميقة جعلته يسقط على ركبة واحدة ويعضّ على صرخة. حاول أن يرفع مانا ليضربني من تحت… لكن صخرة صغيرة تدحرجت تحت قدمه، وتعثر.

لم يكن التعثر صدفة.

من خلفي، من داخل الظل، خرجت كلمة واحدة من سليم، هامسة حتى كادت لا تُسمع، لكن أثرها كان أشد من الصوت:

“سقوط.”

انزلق الثاني بالكامل وسقط على ظهره، واصطدم رأسه بالحجر. عيناه اهتزتا، والدم سال من تحت القناع. لم أضربه عشر مرات. ضربة واحدة حاسمة في الصدر أنهت المقاومة. شهق، ثم بدأ النفس يهرب منه، وعيناه تتسعان كأنه يرى النهاية لأول مرة.

الثالث والرابع والخامس في المجموعة تراجعوا خطوة، ليس رحمة، بل لأنهم رأوا أن الاقتراب يعني أن يُصابوا. لكنهم لم يهربوا. كانوا يعرفون أن لديهم “مئة” خلفهم.

بدأت هجمات المانا تتكثف علينا من جديد. واحدٌ من الأعلى أطلق رمحًا من الطاقة صوب المكان الذي اختبأ فيه سليم. الرمح اصطدم بالصخرة وتفتت إلى شرر.

لو سمعوا صوت سليم الآن، لو رأوا وميضًا من المانا، لانتهى كل شيء.

لكن العصا في يده كانت تعمل ككابح. لم يُخرج شيئًا للهواء. ضغط كل شيء للداخل، ثم قال كلمة واحدة فقط، كأنها تُقال لمفصل الرمح نفسه:

“انحراف.”

الرمح الثاني، الذي كان سيتجه للفتحة، انحرف نصف متر وارتطم بحافة الحجر بدل أن يدخل.

عرفت أن هذه ليست معركة رجلين ضد مئة، بل معركة: زاوية بقرار و في لحظة.

في الأسفل، بدأت مجموعة جديدة تتحرك لتطويقنا من الخلف. كانوا يريدون أن يغلقوا الممرات، ثم يدفعوننا دفعًا نحو ساحة مفتوحة حيث يصبح العدد سكينًا.

لم أسمح لهم.

قفزتُ من النتوء الصخري إلى الأسفل، هبوطٌ قاسٍ جعل الألم يصعد من كاحلي إلى الركبة كشرارة. لم يكن الألم مخففًا. لم يكن لطيفًا. لكن جسدي تقبّله كأنه ضريبة.

اندفعتُ نحو من يحاولون إغلاق الممر الخلفي. ثلاثة، ثم خمسة، ثم أكثر. كانوا يتحركون كقطع شطرنج، كل قطعة تحمي الأخرى.

ضربتُ الأول ضربة على الكتف، ثم الثانية على الجانب تحت الأضلاع، فتح الدم والهواء معًا. سقط وهو يضغط على جرحه، يتلوى، يحاول أن يتنفس. الثاني حاول أن يطعنني من الخلف، لكنني التففتُ، وضربتُ سلاحه ضربة جعلته يرتد إلى الأرض.

ثم جاء هجوم من أعلى: كرة مانا صغيرة هبطت قرب قدمي وانفجرت كصدمة. انزلق جسدي للحظة، وشعرت بحرارة تحرق جانب ساقي. لم أستطع أن ألعن بصوت. اللعنة تجلب عينًا. بلعت الألم، وواصلت الحركة.

في تلك اللحظة، خرج سليم من ستره خطوة واحدة فقط—خطوة محسوبة—ثم عاد فورًا. لم يأتِ ليموت في العلن. جاء ليمنحني نصف ثانية.

همس:

“توقف.”

الرجل الذي كان سيرمي عليّ ضربة قاضية توقف لحظة، لحظة واحدة كأن ذهنه انطفأ. تلك اللحظة كانت كافية. سيفي شق صدره شقًا عميقًا. صرخ، ثم سقط على ركبتيه. الدم اندفع للإعلان على انه يكتب “نهاية”.

حولنا، كانت العيون تتسع. بعضهم بدأ يتراجع قليلًا. بعضهم بدأ يزداد جنونًا. لأنهم رأوا شيئًا لم يحبوه: “الهدف” لا يموت بسرعة.

فجأة ارتفع صوت القائد من الأعلى، ثابتًا، كأنه يصفعهم بالكلام:

“لا تدخلوا واحدًا واحدًا! اقسموهم! أخرجوا الأبيض!”

ثم جاءت الضربة التي كانوا يخططون لها منذ البداية: خمسة فرق تحركت في وقت واحد نحو موقع سليم، من ثلاث جهات. لم يطلقوا مانا كبيرة. كانوا يريدون قتله بسرعة بسكاكين وتعزيز داخلي، ثم يأخذون 10%… ثم يتقاتلون فيما بينهم لاحقًا.

رأيتهم يتقدمون مثل موجة صامتة.

ركضتُ نحو سليم دون أن أفكر في نفسي. السيف في يدي صار كأنه خط أحمر يرفض أن يُقطع.

وقفت بين الموجة وبين الصخرة التي يحتمي بها، كأنني بابٌ.

ضربتُ الأول ضربة على الرقبة من الجانب، ضربة عميقة جعلته يختنق بالدم. صرخ صرخة قصيرة وارتد، عينيه تخرجان من قناعه. الثاني حاول أن يمر من جانبي. ضربته ضربة على الفخذ قطعت خطوته، فسقط على حجر حاد، وبدأ ينزف.

الثالث والرابع اندفعا معًا. هنا لم يعد السيف وحده يكفي. الكثرة ستأكل السيف إن ظلت تتدفق.

سليم ضغط العصا إلى صدره حتى كادت حلقاتها المعدنية تئن. لم يخرج ضوء. لم يخرج وميض. فقط خرجت كلمة واحدة، لكنها هذه المرة خرجت كأنها تُسكب على الأرض أمام الخصوم:

“ثِقل.”

الهواء أمامهم صار أثقل لحظة. ليس تجميدًا، بل بطءًا خفيفًا، كأن أجسادهم أصبحت تحمل وزنًا إضافيًا. هذا كان كافيًا. ضربتُ الثالث ضربة على الذراع ثم الثانية في الصدر. سقط. الرابع حاول أن يرفع سلاحه رغم الثقل. سليم همس مرة أخرى:

“سقوط.”

سقط الرابع على ركبته. طعنة واحدة أنهت المقاومة.

الخامس—الأذكى—تراجع ليطلق مانا أقوى، ليس كرة كبيرة، بل موجة دفع ستطيّر الصخرة التي يختبئ خلفها سليم. لو نجح، سيُكشف البياض في العلن، ثم تنتهي القصة.

رأيت يد الرجل تلمع بمانا متجمعة. لم أملك وقتًا لإسقاطه بالسيف وحده.

اندفعتُ إليه، تلقيت جزءًا من موجته على كتفي قبل أن تكتمل. الألم كان نارًا خالصة. كاد السيف يسقط من يدي، لكن قبضتي شدّت عليه كما يشد الغريق على خشبة.

ضربته ضربة على معصمه، قطعَت إطلاقه. المانا انطفأت كشمعة خُنقت. الرجل صرخ، ثم حاول أن يهرب. لم أتركه. ضربة ثانية في الجانب، عميقة. سقط يلهث، والدم يخرج من بين أصابعه.

خلفي، كان سليم قد كتم نفسه تمامًا. لا ضوء. لا رائحة. فقط عينان تراقبان، وقلب يدق.

لكن هذا لم ينتهِ.

المئة لم تكن “مئة رجل شجعان”. كانت مئة عقل طماع. عندما رأوا أن الهجوم المباشر لم ينجح بسرعة، بدأوا يستخدمون ما يستخدمه الذكاء القذر دائمًا: المكان.

سمعت هديرًا بعيدًا، ثم هديرًا أقرب. ليس هدير وحش واحد. هديران على الأقل. كان هناك من أطلق مانا عمدًا في اتجاهنا كي يجلب الوحوش. يريدون أن تُفتح علينا جبهتان: البشر + الوحوش. ثم ننهار، فيقتلون سليم فوق الجثث.

ارتفع همس القائد مرة أخرى:

“اجلبوا الوحوش! دعوهم يأكلون الأسود، وخذوا الأبيض!”

اتسعت عيناي. لم يكن عندي خيار فلسفي. كان عندي ثوانٍ.

جررتُ سليم من ذراعه، ليس للخلف، بل إلى الأعلى. هناك شق صخري ضيق رأيته قبل دقائق، ممر لا يمر فيه وحش كبير بسهولة، ولا يمر فيه مئة رجل دفعة واحدة.

صعدنا. أنفاسنا كانت صامتة قدر الإمكان. خلفنا، بدأ الصراخ.

الوحوش وصلت.

لم أرها كاملة، لكني سمعت صوت مخالب تخدش الصخر، وصوت فك يتهشم على عظم، وصوت رجل يصرخ صرخة لا تتكرر، ثم ينقطع فجأة. رائحة الدم صعدت كدخان.

الجزيرة كانت تُحول خطتهم عليهم: من يستدعي الوحش قد يُؤكل قبل أن يأخذ النسبة.

لكن القائد لم يكن غبيًا. كان يريد الفوضى فقط، لا السيطرة. في الفوضى، يمكن لعشرة فرق أن تتسلل وتصل إلى سليم.

عند أعلى الشق، وجدنا مساحة صخرية صغيرة تشبه منصة. من جهة واحدة فقط يوجد ممر وصول. من الجهتين الأخريين سقوط ومنحدر. مكانٌ تُحارب فيه بالحد الأدنى: واحد يدخل، واحد يموت.

وقفتُ عند الممر. سليم خلفي بنصف خطوة. العصا على صدره. لا ضوء.

بدأوا يصعدون.

الأول كان سريعًا، ماناه داخل ساقيه، يندفع كرمح. ضربته بالسيف ضربة مائلة على الصدر. صرخ، الدم خرج، تراجع مترًا ثم سقط على ركبته، يلهث. الثاني حاول أن يتجاوز جسده. ضربته على الفخذ. سقط. الثالث حاول أن يقفز فوق الاثنين. سليم همس:

“توقف.”

تردد الثالث لحظة في الهواء وكأن عقله اختنق، فسقط بزاوية خاطئة، وارتطم بالصخر، وسمعت طقطقة عظم. صرخ، ثم حاول أن ينهض. ضربة واحدة أنهت حركته.

كانوا يسقطون أمامنا واحدًا بعد واحد، يتلوون، ينزفون، يصرخون… ثم تختفي أجسادهم من المكان بطريقة لا تُفهم إلا كأن الجزيرة تبتلعهم بعد أن تتركهم يذوقون النهاية كاملة. لم يكن أحد ممن يهاجمنا يملك وقتًا ليفكر “كيف اختفى؟”. كانوا يرون الدم، ويرون توقف الحركة، ثم يرون الفراغ… ويقنعون أنفسهم أن هذا هو الموت.

ازداد جنونهم.

بعد عشر دقائق من القتال المتواصل، كانت المنصة مبللة بالدم، ورائحة الحديد تملأ الحلق. ذراعي كانت تحترق. كتفي ينزف من ضربة مانا غير مكتملة. وسليم كان يحافظ على الكتم وكأنه يحافظ على حياته… لأن حياته بالفعل معلقة بذلك.

لكن العدد كان مئة. ونحن—مهما قتلنا—لا يمكننا أن ننهي مئة في ممر واحد إذا استمروا.

كان لا بد من كسر إرادتهم، لا فقط أجسادهم.

عندما صعدت مجموعة جديدة، خمسة دفعة واحدة يحاولون الضغط، رفع سليم العصا قليلًا، لأول مرة بوضوح أكبر، لكن بلا وميض. ضغط المانا داخليًا حتى صار صدره ثابتًا كصخرة، ثم قال كلمة واحدة لم تكن هجومًا… كانت حكمًا:

“خوف.”

لم أرَ خوفًا مرئيًا، لكنني رأيت أثره: اثنان من الخمسة ترددا فجأة، خطوة واحدة إلى الخلف، كأن شيئًا في داخلهم قال: ستموت. التردد في هذا المكان موت.

ضربتُ الأول ضربة حاسمة. سقط. الثاني حاول أن يهرب. الثالث تعثر في جسد زميله، والرابع تراجع، والخامس حاول أن يقفز ليدخل رغم الخوف… فسقط بزاوية سيئة.

خلال ثوانٍ، تحولت دفعتهم إلى فوضى.

ومن أسفل، بدأ الصراخ يتغير. لم يعد صراخ “اصعدوا”، بل صار صراخ “الوحوش!”، “تراجع!”، “خسارة!”

بدأت الخطة تتشقق.

لكن القائد لم يتراجع كليًا. كان يريد “لحظة واحدة” فقط: لحظة ينزلق فيها سيفي أو يخرج ضوء من سليم.

وجاءت تلك اللحظة… تقريبًا.

في منتصف دفاعي، شعرت بساقي تنزلق على دمٍ فوق الصخر. انخفض جسمي نصف سنتيمتر. هذا كاد يكفي. واحدٌ اندفع من الأسفل في نفس اللحظة، سكينه موجه نحو صدر سليم مباشرة.

لم أرَه في البداية. رأيت البياض فقط.

وسليم… لم يتراجع.

ضغط العصا على صدره بقوة، وانزلق خطوة واحدة إلى جانب السكين، كأن جسده أصبح يعرف المسافة قبل أن يراها. ثم قال كلمة واحدة، بلا انفعال:

“سقوط.”

المهاجم سقط على وجهه أمام قدم سليم، واصطدم الصخر بأسنانه. الدم خرج من فمه. رفع رأسه بعيون مجنونة، وحاول أن يطعن من الأرض… لكن السيف كان أسرع. ضربة واحدة أنهت حركته.

التفتُّ بسرعة. وجدت سليم ثابتًا.

في تلك اللحظة، فهمت أن المستوى لم يعد رقمًا فقط. صار رد فعل.

بعد ساعة كاملة من القتال المتقطع—دفع بعد دفع—بدأت أعدادهم تتآكل، لا لأننا قتلنا المئة وحدنا، بل لأن الوحوش التي استدعَوها التهمت جزءًا منهم، ولأن الفوضى جعلت فرقًا تهاجم فرقًا أخرى طمعًا في النسبة.

اقتصاد القتل يأكل نفسه.

من بعيد، سمعت صوت القائد أخيرًا، لكنه لم يعد ثابتًا. كان فيه شيء من الغضب والرهبة:

“انسحبوا! لا فائدة… سيأكلنا الوحش قبل أن نأخذ النسبة!”

بدأت الحركة تتراجع.

لم ألاحق. المطاردة في الجزيرة تُحوّلك إلى فريسة في ظهرها. تركتهم ينسحبون نحو فوضاهم، نحو الوحوش، نحو بعضهم.

جلستُ لحظة على الصخر، والسيف على ركبتي، والدم ينقط من ذراعي. لم أستطع أن أتنفس بعمق لأن كل نفسٍ عميق كان يذكّرني بالألم في الكتف. الألم كان واضحًا كأنه عقوبة.

سليم وقف فوقي، عصاه على صدره، وعيناه ثابتتان. لم يكن يرتجف كما كان في البداية. كان يتنفس بصمت… ويبدو كمن خرج من نارٍ ولم يحترق بالكامل.

ثم ظهرت الواجهة أمامي برسائل قصيرة، قاسية، بلا تهنئة:

تمت التصفية. +10% مستوى.

ثم تكرار… تكرار… تكرار… عدد كبير خلال هذه المعركة وحدها.

ثم السطر الذي لا يتركني أنسى مكاني:

لا يمكن تطبيق المكتسب على نظام الصقل.

اقتراح: تحويل المكتسب إلى زميل الفريق.

بدأت أضغط “تحويل” مرة بعد مرة، بلا انفعال، كمن يسكب الماء في وعاء. ومع كل تحويل، كان سليم يشهق شهقة خفيفة، ثم يثبت أكثر. كان الصعود يحدث داخله كأنه تيارٌ لا يراه أحد، لكنه يغير شكل وقفته.

لم نعد نسمع أصوات الصيادين قريبًا. بقيت هديرات الوحوش في الأسفل، وبقيت صرخات بعيدة تقطع الليل. رائحة الدم كانت ستجلب شيئًا آخر إن بقينا.

وقفتُ ببطء، ورأيت سليم يمد يده إليّ. لم يتكلم. أمسك بساعدي فقط، وضغط المانا داخليًا إلى كفه لحظة قصيرة جدًا—لحظة تزيل نزيفًا بسيطًا وتُثبّت الألم دون أن تفتح وميضًا فاضحًا. العصا ساعدته أن يكون الأثر صامتًا.

ثم تحركنا.

لم نركض. لم نهرب بعشوائية. مشينا بزاوية مدروسة نحو ممر صخري جانبي، لأن العودة في نفس الطريق تعني أن تلتقطنا عينٌ تائهة أو وحشٌ صاعد.

وخلفنا، كان واضحًا أن شيئًا قد تغيّر: لم يعد الصيادون يتحدثون عن “هدفٍ يصعد”، بل عن “فريسة تقتل الصياد”.

في المرحلة الثانية، هذا النوع من السمعة لا يحميك… بل يصنع حولك دائرة أوسع من الصيد.

لكن الشيء الوحيد الذي كان يُسمع بوضوح وسط كل ذلك الصمت… هو حقيقة واحدة:

صعود سليم لم يعد سرًا.

صار خبرًا.

والخبر في الجزيرة… يُساوي مطاردة.

2026/03/07 · 13 مشاهدة · 2286 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026