مرَّ أسبوعٌ آخر بعد اكتمال الشهر الأول، لكن هذا الأسبوع لم يكن أسبوع مطاردةٍ “عادية”… كان أسبوع تصفيةٍ منظمة.
لم تعد الهجمات تأتي ككمائن صغيرة أو فرقٍ تُجرّب حظها. صار الصيادون يتحركون كشبكة. طرق الماء صارت مُراقبة، الممرات الصخرية صار فيها آثار أقدامٍ مقصودة تُضلّلك، والأماكن التي كانت تُشبه “محطات” صارت فخاخًا تنتظر أن تُريح ظهرك دقيقة واحدة ثم تغرس السكين في صدرك.
كنت أشعر بذلك في الهواء قبل أن أراه: رائحة بشرٍ كثيرة تختبئ، صمتٌ غير طبيعي يتكرر حيث يجب أن يكون هناك حشرات، وهدوءٌ يسبق الانفجار كأن الجزيرة نفسها تحبس أنفاسها لتسمع من يسقط أولًا.
سليم كان يمشي خلفي وقد أطفأ كل ما يمكن أن يفضحه. العصا ملتصقة بصدره كقفل، والمانا داخله تُدار كأنها نفسٌ إضافي لا يُسمح له بالخروج. لم يعد يفتح اللائحة إلا لثانية واحدة عند الضرورة، ثم يغلقها كما يُغلق المرء بابًا يخاف أن يخرج منه صوت. لكنه لم يعد يحتاجها ليعرف الحقيقة: الصيادون صاروا يتصرفون على أن “المتصدّر” موجود في مكان ما… وكل الطرق تؤدي إليه.
في منتصف ذلك الأسبوع، بدأت الفخاخ تتغير نوعًا. لم يعد الأمر فقط “نحاصرك ونأخذ النسبة”. صار الأمر “نُجوعك، نُجبرك أن تختار طريقًا واحدًا، ثم نُغلق عليك السماء والأرض”. كانوا يتركون لنا مسارًا يبدو نظيفًا، خاليًا من آثار، كأنه هدية… ثم يتبين أنه الحبل الذي سيُلفّ حول الرقبة.
في اليوم السابع من ذلك الأسبوع تحديدًا، جاء الفخ الذي لم يكن يُشبه شيئًا مما واجهناه من قبل.
كان النهار رماديًا، والريح تدفع غبارًا خفيفًا بين الصخور. كنا قد ابتعدنا عن نقاط الماء المكشوفة، وتوغلنا في منطقة صخرية واسعة تُشبه المدرجات الطبيعية: انحدارات متتابعة، وأعمدة حجرية كبيرة، وممرات تُفتح ثم تُغلق كأنها أفواه.
هناك… ظهر “الطريق النظيف”.
ممرٌّ واسع نسبيًا بين تلّين صخريين، أرضه ثابتة، لا حصى يطقطق، ولا أغصان تكسر الصمت. لم أشم رائحة كثيفة، ولم أسمع همسًا. حتى الوحوش… لم يظهر لها أثر قريب. كان ذلك بالذات ما جعل جلدي يبرد.
الطريق النظيف في الجزيرة ليس نعمة. هو إشارة.
توقفت عند مدخل الممر، ورفعت كفي بلا كلمة. توقف سليم فورًا خلفي، وضغط العصا إلى صدره كأنها تمنع قلبه من أن يُسمع. نظرت إلى الصخور على الجانبين: لا أثر أقدام حديث. لا خدوش. لا دم. لا شيء.
ثم نظرت إلى الأعلى… ووجدت ما كنت أبحث عنه: خطٌّ رفيع جدًا بين صخرتين، ليس حبلًا واضحًا، بل شيء مقوّى بالمانا، مُموّه بحيث لا يراه من ينظر إلى الأرض فقط. كان ممتدًا كوتر، ينتظر أن ندخل حتى يُطلق شيئًا.
لم أتحرك للأمام. تراجعت نصف خطوة فقط، ثم انحرفت قليلًا إلى اليسار، كأنني أختبر زاوية. وفي اللحظة التي تغيّرت فيها زاوية النظر… انكشف المزيد: شبكتان أخريان أعلى، وثلاث نقاط في الجانبين حيث يمكن أن تسقط صخور إذا فُعّلت، وكأن المكان مُجهّز ليصير “قدرًا” يُغلق غطاءه.
لم يكن فخ فريق. كان فخ جيش.
في ثانية واحدة، فهمت: نحن أمام مصيدةٍ ضخمة، لكن المصيدة لن تُغلق إلا إذا دخلنا. هم يريدوننا أن نختار بأنفسنا.
سليم همس بحرفين لا أكثر: “فخ؟”
لم أجب بصوت. فقط أومأت، ثم بدأت أبحث بعيني عن “الخيار الآخر”. وفي الجزيرة، حين يُغلق عليك خياران، يكون الخيار الثالث هو الذي ينجو: الأعلى… أو الأسفل… أو قلب المكان.
نظرت إلى اليمين. هناك شق صخري ضيق يصعد قليلًا ثم ينزل خلف التل. بدا آمنًا… لكنه بدا “سهلًا” أكثر مما ينبغي. نظرت إلى اليسار. مسار أشجار كثيفة، لكنه مكشوف للعيون في الأعلى. أما الخلف… فهو طريق الرجوع، وغالبًا هو ما يتوقعونه لأن الممر أمامنا مفخخ.
اخترت أن لا أختار ما يتوقعونه.
سحبت سليم خطوة للخلف، ثم التففت به إلى داخل منطقة الأعمدة الحجرية في الوسط، حيث الظلال تتقاطع، وحيث يمكن أن تتحول الصخرة نفسها إلى ساتر وسلاح. تحركنا ببطء في البداية، لا نريد أن نعلن أننا “اكتشفنا”، لكن ما إن ابتعدنا عشرة أمتار عن مدخل الممر حتى حدث ما أكد أن الأمر أكبر من مجرد كمين.
صوتٌ واحد فقط خرج من الأعلى. لم يكن صراخًا. كان أمرًا هادئًا، من شخصٍ يعرف أن حوله ألفًا يسمعون:
“أغلقوا.”
ثم… انغلقت الجزيرة.
سقطت الصخور من جهتين في آنٍ واحد، لا انهيارًا عشوائيًا، بل إسقاطًا مقصودًا يقطع مسارات التراجع. الشبكات المقوّاة بالمانا انطلقت كستائر، هبطت من الأعلى لتفصل المساحات إلى مربعات صغيرة. الهواء نفسه اهتز، كأن المانا المستخدمة هنا ليست هجومًا بل “هندسة”.
وفي اللحظة التالية، ظهروا.
ليس عشرة، ولا مئة. كانت الأجساد المقنّعة تملأ المرتفعات، تتوزع على الحواف، تقف على نتوءات مثل نقاط سوداء لا تنتهي. صفوف وصفوف، وطبقات فوق طبقات. لم أستطع أن أحصيهم بدقة، لكن عيني فهمت قبل العقل: هذا ليس حصارًا… هذا صيد جماعي.
ألف صياد.
ليسوا فريقًا واحدًا طبعًا—الفرق في الجزيرة لا تتجاوز الخمسة—لكنهم كانوا يتحركون وكأنهم اتفقوا على شيء واحد قبل أن يأتوا: “المتصدّر أولًا، ثم نتقاتل بعده.”
وصلتنا الهمهمات من الأعلى مثل موجة: “خمسون… عشرة بالمئة… قفزة…”
ثم جاء صوت القائد مرة أخرى، ثابتًا كمن يقرأ قانونًا:
“لا تُضيئوا المانا. لا تستدعوا الوحوش الآن. نريد الأبيض حيًّا حتى يذوق النهاية، ثم نأخذ النسبة.”
لم يقل “حيًّا” رحمةً. قالها تكتيكًا. لأن في هذا العالم، من يموت بسرعة لا يمنحك وقتًا للتأكد.
سليم لم يتحرك. لم يصرخ. لم يفتح واجهته. فقط ضغط العصا إلى صدره حتى صار الكتم جزءًا من هيئته. لم أسمع منه إلا نفسًا مكتومًا.
أما أنا… فشعرت أن كل ما بنيناه خلال الشهر الأول والأسبوعين السابقين قد وصل إلى لحظة اختبار: هل يمكن أن يبقى عقلٌ واحد باردًا أمام ألف عين؟
سحبت السيف ببطء، لا لأُريهم النصل، بل لأُشعر جسدي أن القرار اتخذ. ثم دفعت سليم إلى ظل عمود حجري كبير في الوسط، عمود له ظهران، يمكن أن يختبئ خلفه ثم ينتقل خلف عمود آخر دون أن يُكشف بسهولة.
لم أقل كلمة. لا وقت للكلام. الإشارة تكفي.
بدأوا الهجوم بطريقة لم أرها من قبل.
لم ينزلوا دفعة واحدة. لو نزلوا دفعة واحدة لصاروا فوضى. نزلوا موجات. أول موجة كانت خمسين أو ستين مقاتلًا فقط، ينزلون من ثلاث جهات، هدفهم ليس قتلنا فورًا بل “تثبيتنا”: يجبروننا أن نتحرك، يقرؤون اتجاهاتنا، ويغلقون المسافات حتى تُصبح الموجة الثانية قاتلة.
المانا لديهم كانت داخلية، لا وميض فيها. تعزيز للأرجل والذراع، سكاكين قصيرة، سيوف خفيفة. كانوا يريدون قتالًا صامتًا. قتالًا لا يجذب الوحوش… حتى يفرغوا منا.
اندفع أول خمسة من اليمين. اثنان يحاولان الالتفاف، وثلاثة يدخلون من الأمام.
ضربة السيف الأولى لم تكن استعراضًا. كانت قطعًا لقرارهم. شققتُ ذراع الأول عند المعصم، فسقط سلاحه والدم اندفع، وصرخته خرجت ثم انقطعت إلى أنين حين ضغط على الجرح. الثاني حاول أن يطعنني في الخاصرة. التففتُ، وضربته على الفخذ ضربة عميقة جعلته يسقط على ركبة واحدة، يتلوى، عيناه تتسعان من الألم كأنه يراه لأول مرة.
لم يختفِ أحد. كانوا يبقون، ينزفون، يصرخون، يزحفون… لأن النهاية هنا تُذاق حتى آخر قطرة.
الثالث والرابع والخامس اندفعوا في اللحظة نفسها. هنا احتجت للثانية التي يمنحها سليم دون أن يضيء شيئًا.
همس سليم من خلف العمود، همسًا لا يخرق الهواء:
“ثِقل.”
لم يتجمدوا. لم يسقطوا جميعًا. لكن حركتهم تباطأت لحظة، لحظة صغيرة جعلت اندفاعهم أقل دقة، وكأن أقدامهم صارت تحمل وزنًا إضافيًا. تلك اللحظة كانت كافية لأضرب الثالث في الكتف ثم الرابع في الصدر ضربة تُسقط النفس. الخامس حاول التراجع ليعيد الهجوم من زاوية… لكن السيف شقّ طريقه إلى ساقه، فسقط وهو يجر رجله والدم يخط على الحجر.
الموجة الأولى لم تتوقف. كانت تأتي من جهات متعددة. كلما أسقطت اثنين، دخل ثلاثة. كلما فتحت ثغرة، أغلقوها بسرعة.
وفي الأعلى، كان ألف عين يراقب، لا يتدخل إلا إذا احتاج لتصحيح الخطأ. كانوا يتعلمون من كل حركة. كانوا يراكمون المعلومات: كيف أمسك السيف، كيف أغير قدمي، كيف أحمي سليم، أين يقف، متى يهمس. كانوا يكتبون خطةً بالدم.
رأيت أول سهم مانا قصير ينطلق من الأعلى. ليس كرة ضوء، بل رمح طاقة صغير يحاول أن يقطع الطريق بيني وبين العمود الذي يحتمي به سليم. الرمح ارتطم بالصخر وانفجر إلى شرر، لكنه كان رسالة: إن لم تنجح الموجات، سيبدأ القصف.
لم أسمح بذلك. تحركتُ للداخل، إلى قلب الأعمدة، حتى أُجبرهم أن يقاتلوا في مكانٍ لا تنفع فيه الزوايا البعيدة. الأعمدة صارت جدرانًا، والممرات صارت سكاكين.
عشرة صيادين اقتربوا دفعة واحدة من جهة واحدة، يحاولون كسر الانضباط بالعدد. واحد منهم كان يحمل شبكة مقواة بالمانا، يريد أن يرميها فوق سليم تحديدًا.
هنا ظهر سليم خطوة واحدة فقط—خطوة محسوبة—ثم عاد فورًا إلى ظل العمود. لم يفتح ضوءًا، لكنه قال كلمة واحدة بحدة لم أسمعها منه سابقًا:
“سقوط.”
الذي يحمل الشبكة تعثر بطريقة قاسية، وسقطت الشبكة من يده قبل أن تُرمى. ارتطم رأسه بالحجر، والدم سال من تحت القناع. قبل أن يستعيد نفسه، وصلتُ إليه، ووضعت حدًا لحركته بضربة واحدة حاسمة.
تقدم آخرون، سكاكينهم تتحرك كأجنحة. أحدهم حاول أن يتجاوزني ويصل إلى سليم مباشرة. قطعتُ طريقه بالسيف، ضربة على الرقبة من الجانب فتحت الدم، فصرخ صرخة قصيرة ووقع على ظهره وهو يختنق. لم يختفِ. ظل يتلوى للحظات، وعيناه تبحثان عن هواء.
العشرة صاروا عشرين. الموجة الثانية بدأت تنزل.
وهنا حدث الشيء الذي لم أكن أريده: بدأت أعمدة الحجر تهتز من كثافة الاصطدامات. ليس لأن الحجر ضعيف، بل لأن المانا الداخلية المتراكمة في الأجساد، والدم على الأرض، والضغط الجماعي… يصنعون ارتجاجًا مثل ارتجاج مدرجٍ يمتلئ بالناس.
في تلك اللحظة، فهمت خطة الألف: ليس الهدف أن يقتلونا بسرعة. الهدف أن يرهقونا حتى نسقط. أن يجعلوا المكان نفسه يضيق علينا حتى لا يبقى لنا ممر للهروب. ثم ينهون سليم، ويتركونني آخر شيء لأنني بلا قيمة اقتصادية مثل “المتصدّر”.
رأيت سليم، من زاوية عيني، واقفًا في الظل، ثابتًا، لكنه ليس حجرًا. كتفه يتحرك مع النفس، وعيناه تتابعان كل زاوية. كان يعرف أن هذه المعركة إن طالت… لن تنتهي لصالحنا.
لم يكن هناك طريق للفوز على ألف. كان هناك طريق واحد فقط: أن يتحول فخهم إلى فوضى عليهم.
كان الوحوش.
القائد قال: “لا تستدعوا الوحوش الآن.”
هذا يعني أن الوحوش، إن جاءت، ستأكل خطتهم قبل أن يأكلونا.
لكننا لا نملك رفاهية إطلاق مانا فاضحة عمدًا. سليم يستطيع أن يطلق أثرًا بكلمة، لكن ضوءًا كبيرًا سيجعل الوحوش تأتي… وربما تأتي أيضًا أشياء أسوأ.
ومع ذلك، كانت المعركة تُجبرنا على أن نختار بين موتٍ بيد البشر، وموتٍ تحت فوضى الغابة.
الموجة الثالثة بدأت تنزل. لم تعد خمسين. صارت مئتين في لحظات، يتدفقون من ثلاث جهات كالماء. كانوا يضغطون على الأعمدة من كل جانب، يريدون أن يحاصروا العمود الذي يحتمي به سليم ويجعلوه قبره.
وقتها فقط، رفع سليم العصا قليلًا—لا رفعًا مسرحيًا—رفعًا كمن يفتح بابًا نصف فتحة. لم يطلق كرة مانا. لم يجعل الضوء يولد. ضغط المانا للداخل حتى شعرت أنا—حتى وأنا لا أستعملها—أن الهواء حوله صار أثقل، ثم قال كلمة واحدة، لم تكن “توقف” ولا “سقوط”… كانت كلمة تختارها في اللحظة التي تريد فيها كسر إرادة حشد:
“خوف.”
لم أرَ خوفًا كدخان. رأيت أثره على البشر: خطوة تتراجع بلا سبب، يد ترتجف لحظة، عين تُفلت من الهدف كأنها رأت موتها القادم. ثلاثون أو أربعون من أقرب الصيادين ترددوا في آنٍ واحد. التردد في موجة يعني تصادم موجة… يعني فوضى.
وهذا ما حدث.
اصطدم القادمون من الخلف بالمترددين في الأمام، فتكسّر التشكيل. سقطت أجساد، تعثرت أقدام، صرخات انطلقت رغماً عن محاولة الصمت. صار هناك ضجيج. والضجيج في الجزيرة لا يبقى بلا ثمن.
في الأعلى، صرخ القائد لأول مرة بصوت أعلى:
“ثبتوا أنفسكم! لا تنجرّوا!”
لكن الصرخة نفسها كانت خطأ. الصرخة تعني أن المانا ستُفتح لمحاولة السيطرة. محاولة السيطرة تعني رائحة.
ثم بدأ بعضهم—بلا قصد—يضيء المانا أكثر. ليس ضوءًا متفجرًا، لكن كفاية لتقول للغابة: هنا وليمة.
لم ننتظر أن تأتي الوحوش لنفهم.
اندفعتُ بالسيف إلى ثغرة صنعها ترددهم. لم أذهب نحو القائد ولا نحو الأعلى. ذهبت نحو “جدار البشر” الذي يحاول أن يغلق علينا الطريق إلى الشق الصخري الخلفي، الشق الوحيد الذي يمكن أن يمر فيه اثنان دون أن يمر فيه ألف.
ضربة… ضربة… ضربة. السيف صار إيقاعًا. الدم صار على الحجر. الأجساد بدأت تتلوى حول قدمي. بعضهم حاول أن يقاوم بعناد، وبعضهم انهار فورًا حين رأى الألم الحقيقي في عينيه. كانوا يظنون أن القتل هنا نهاية مطلقة، لذلك كل طعنة كانت تفتح داخلهم رعبًا أكبر من الجرح نفسه.
سليم كان يغلق عليّ الزوايا بكلمات قصيرة لا تزيد:
“انحراف.” فينحرف سكين كان سيصل إلى ظهري.
“توقف.” فيتردد مهاجم لحظة تكفي للسيف.
“ثِقل.” فتتباطأ خطوات اثنين فيصطدمان ببعضهما.
لم تكن كلماته تقتل وحدها. كانت تفتح “ثانية” نظيفة. والثانية في هذا الجحيم تساوي حياة.
حين انفتحت الثغرة أخيرًا، سحبتُ سليم من ذراعه، واندفعنا نحو الشق الصخري. كان ضيقًا جدًا. هذا ما نحتاجه. دخلتُ أولًا، ثم دخل سليم خلفي مباشرة.
لكن الألف لم يكونوا ساذجين. كانوا يتوقعون أن نبحث عن ضيق. لذلك كانت هناك مجموعة تنتظر عند الشق، عشرة أو خمسة عشر، مهمتهم الوحيدة أن يسدوا المدخل بأجسادهم حتى لو ماتوا. سدّوا المدخل فعلًا.
هنا لم يعد السيف وحده يكفي. الضيق يجعل العدد أقل، نعم، لكنه يجعل كل جسد سدادة.
اندفعتُ على أول سدادة، قطعتُها بضربة عميقة في الكتف ثم في الصدر. سقط وهو يصرخ ويتلوى. الثاني حاول أن يقف فوقه ليغلق الفراغ. ضربته على الفخذ فسقط. الثالث والرابع حاولوا أن يدخلوا دفعة واحدة.
سليم همس: “سقوط.”
سقط الرابع قبل أن يثبت قدمه، وارتطم الثالث به، وتحول المدخل إلى كومة أجساد تنزف وتتحرك. لم تكن صورة بطولية جميلة. كانت صورة حرب.
فتحنا المدخل، لكننا لم نخرج بعد. لأن خلفنا كانت الموجات قد صارت فوضى… والفوضى استدعت ما لم يريده القائد.
وصل الهدير.
أول هدير كان بعيدًا، ثم صار أقرب بسرعة. ثم هدير آخر من جهة ثانية. ثم صرخة بشرية عالية انقطعت فجأة. ثم صوت سحق. ثم صمت.
الوحوش وصلت.
لم أرها من داخل الشق، لكنني شممت رائحة الوحش الثقيلة التي تخلط الحديد بالوحل، وسمعت المخالب تخدش الحجر. الألف الذين كانوا يطاردوننا بدأوا يتفتتون؛ بعضهم هرب من الوحوش، وبعضهم هرب منا، وبعضهم حاول أن يستغل الفوضى ليصل إلى سليم في الخلف.
داخل الشق، ظهر أربعة صيادين خلفنا كانوا قد تسللوا من فتحة جانبية صغيرة. كانوا يظنون أنهم ذكيون. كانوا يريدون ضربة واحدة في ظهر سليم.
لم يلتفت سليم كثيرًا. ضغط العصا إلى صدره، والتفت نصف التفاتة فقط، وقال كلمة واحدة:
“توقف.”
تردد أولهم لحظة، فأمسكتُه بالسيف من جهة المعصم. سقط سلاحه، وفتح الدم. الثاني اندفع رغم التوقف، فقلت سيفي في كتفه ضربة جعلته يصرخ ويتراجع. الثالث حاول أن يطعن سليم مباشرة. هنا تحرك سليم خطوة جانبية خاطفة، وبدل أن يهرب للخلف، دخل إلى زاوية لا يراها الخصم، ثم قال:
“انحراف.”
الطعن مرّ في الفراغ. وفي نفس اللحظة كان السيف قد دخل في ضلع الخصم. شهق، وسقط على ركبتيه، يتلوى، يضغط على الجرح، يحدق في الظلام كأنه يرى موته القادم.
الرابع حاول أن يهرب من الشق إلى الخلف ليصرخ ويستدعي دعمًا… لكنه لم يقطع مترًا. السيف سبق صوته.
لم نقف لنرى كيف تنتهي أجسادهم. لم يكن هناك وقت. الشق كان يفتح لنا مخرجًا إلى منطقة أخرى من الأعمدة، لكن المخرج نفسه صار الآن ملوثًا برائحة دم كثيفة. هذا يعني أن الوحوش ستتبعنا إن بقيت الرائحة على المسار.
خرجنا من الشق إلى منحدر صخري خلفي، وانزلقنا عليه بحذر. الألم في كتفي كان نارًا. يدي كانت ترتجف من كثرة الضربات. لكنني لم أسمح للسيف أن يسقط.
في الأسفل، رأيت المشهد الذي كان فخهم يتحول إليه: عشرات الصيادين يركضون في فوضى، والوحوش تقتحم بينهم ككتل سوداء، تلتقط من تلتقط، وتسحق من تسحق. الدم صار نهراً صغيراً. الصرخات صارت متقطعة، ثم تنقطع كأن الهواء يبتلعها. كانوا يظنون أنهم يقفون أمام فريسة واحدة… ففتحوا الباب لمفترسات لا تفرق بين طمع وطمع.
لكن القائد… لم يمت.
سمعت صوته يصرخ من بعيد، يركض مع مجموعة صغيرة تحميه:
“انسحبوا! أعيدوا التجمع! لا تشتبكوا مع الوحوش الآن!”
كانوا يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخطة. هذا يعني شيئًا واحدًا: المطاردة لن تنتهي هنا. سيعيدون بناء الشبكة من جديد، لأنهم لم يجمعوا ألفًا مرة واحدة إلا لأنهم يملكون قدرة على التنظيم.
واصلنا الهرب بزاوية حادة نحو منطقة صخرية أكثر وعورة، حيث الوحش الكبير لا يحب الصعود، وحيث البشر يفقدون تنسيقهم بسبب نقص الرؤية. سليم لم يفتح كلمة واحدة خلال الدقائق التالية. كان يحافظ على أنفاسه وكتمه. العصا على صدره كأنها تمنع قلبه من أن يخرج.
وعندما ابتعدنا بما يكفي، جلسنا خلف صخرة بارزة في مكان مرتفع. سقطت على ركبتي للحظة، لا ضعفًا، بل لأن عضلاتي طلبت ثانية واحدة فقط. الدم كان يقطر من كتفي. الألم كان كاملاً، بلا تخفيف. هذا المكان لا يعرف الرحمة.
سليم جلس مقابلي، وبعينين ثابتتين، قال بصوتٍ منخفض:
“كانوا ألفًا.”
لم أجب فورًا. كنت أنظر إلى يدي. إلى الدم. إلى السيف. ثم رفعت عيني إلى وجهه، ورأيت شيئًا لم أره سابقًا بهذا الوضوح: المتصدّر ليس مجرد رقم. المتصدّر صار نارًا تجذب الجميع، ومن يمسك النار يحترق.
ظهرت الرسائل على واجهتي كعادتها، قاسية، بلا عواطف: تصفيات كثيرة، نسب كثيرة، ثم العبارة التي لا تتغير: لا يمكنني استعمال شيء. تحويل.
بدأت أضغط التحويل مرة بعد مرة، بلا انفعال. كل تحويل كان يجعل سليم يشهق شهقة خفيفة، ثم يثبت أكثر. لم يقل رقمًا جديدًا. لم ينظر إلى اللائحة. لكن جسده كان يعلن: الصعود مستمر، حتى في وسط الفخ.
وعندما انتهت الرسائل، وقف سليم ببطء، وضغط العصا إلى صدره، ثم أدار وجهه نحو الصوت البعيد للوحوش والصيادين الذين يعيدون التجمع.
لم يقل شيئًا كبيرًا. فقط كانت نظرته تقول: سيعودون.
أما أنا… فشدّدت قبضتي على السيف، وأجبرت نفسي أن أنهض رغم الألم، لأن الفخ انتهى من مرحلة “الإغلاق”… وبدأت مرحلة “المطاردة بعد الفشل”، وهي أخطر من الأولى.
تحركنا من جديد، والليل خلفنا يبتلع صرخات ألف صيادٍ اعتقدوا أنهم يصطادون فريسة… ففتحوا الباب لجزيرةٍ تصطادهم جميعًا.