تحركنا بعد الفخ كما يتحرك من خرج من فرنٍ ثم وجد النار ما تزال وراءه. لم يكن الهرب رفاهية، ولا كان القتال بطولة. كان كل شيءٍ مجرد طريقة أخرى لتمديد الحياة دقائق إضافية.
كان كتفي يؤلمني كأن في داخله مسمارًا ساخنًا، وكل حركة من السيف تُشعل الألم ثم تُطفئه على إيقاع النفس. لم أسمح لنفسي أن أبطئ كثيرًا. التوقف في الجزيرة يشبه أن ترفع يدك وتقول: “هنا أنا.”
سليم كان صامتًا. الصمت عنده لم يعد صمت خوف فقط، بل صمت إدارة. العصا ملتصقة بصدره، والمانا في داخله مكبوسة كزنبرك لا يُسمح له أن يقفز. خطواته كانت أخف من المعتاد، كما لو أن الرقم الذي وصل إليه لم يجعله يتباهى، بل جعله يعرف أن كل تفصيل تافه قد يصبح سببًا لموته.
مررنا على منحدر صخري ثم دخلنا ممرًا على شكل حرف “S” بين صخرتين عاليتين. اخترته لأن الصوت فيه يخون من يتبعك، ولأن الرؤية فيه تُقطع إلى مقاطع صغيرة. إن جاء أحد خلفنا، لن يرى سوى جزء، وسيضطر أن يدخل واحدًا واحدًا.
لكن الجزيرة كانت ذكية أكثر من أن تعطيك راحة حتى في الممرات.
بعد دقائق، سمعنا حركة في الأعلى، فوق الصخر. ليست خطوات على الأرض، بل احتكاك حجر بحجر، كأن شخصًا يزحف على بطنه ليأخذ زاوية رؤية.
رفعت رأسي… ولم أحتج أن أرى وجهه كي أفهم: صياد نجى من فوضى الألف، وما زال يريد نصيبه.
لم يطلق مانا. لم يصرخ. فقط أسقط شيئًا صغيرًا.
حجر.
حجر بسيط، لكن الحجر حين يسقط في ممر ضيق يصير مثل جرس. وفي اللحظة التي سقط فيها الحجر، خرجت ثلاثة ظلال من الأمام، مباشرة من قلب المنعطف. كانوا ينتظرون أن نقترب، ثم يقطعون الطريق، بينما القادم من الأعلى يقطع الرجوع.
لم ألعن. اللعنة صوت. فقط شددت قبضتي على السيف، وتقدمت خطوة واحدة.
الأول اندفع بسكين قصير، ماناه داخلية في ساقيه وذراعه. ضربتُه على الرسغ ضربة قصيرة، فانفتح الدم وسقط السكين. صرخ… ثم حاول أن يعضّ على الألم ويهجم بيده الأخرى كأنه حيوان.
الثاني حاول أن يلف حولي ليصل إلى سليم. لم يُخطئ هدفه؛ كلهم كانوا ينظرون إلى الخلف حيث يقف سليم. الأبيض لم يعد أبيضًا تمامًا تحت الطين واللفافة الداكنة، لكن الحركة والهدوء حوله كانت تقول: “هذا هو.”
سليم لم يفتح ضوءًا. فقط خرجت منه كلمة واحدة، همسًا، كأنها تُقال للقدم لا للوجه:
“تعثّر.”
الرجل الثاني اختلت قدمه لحظة على حجر صغير، لحظة واحدة جعلت جسده يميل. السيف استغل الميل: ضربة على الكتف ثم أخرى على الجانب. الدم اندفع، والرجل شهق، وسقط على ركبتيه وهو يضغط على الجرح كأنه يحاول أن يمنع الحياة من الهروب.
الثالث كان أذكى. لم يدخل فورًا. تراجع نصف خطوة، ورفع يده ليطلق مانا صغيرة في الممر كي يجذب وحشًا ويجبرنا على الانسحاب نحو الأعلى حيث ينتظر القاطع. كانت خطة قذرة، لكنها فعالة لو نجحت.
لم تمنحه الفرصة.
اندفعتُ إليه بسرعة خاطفة رغم ألم كتفي، وضربته بالسيف على المعصم. انطفأت المانا في يده كشمعة خُنقت. صاح، ثم حاول أن يتراجع، لكن الممر لم يعطه مكانًا. ضربة ثانية عميقة في الفخذ جعلته يسقط، والدم يخرج على الحجر.
وفي لحظات، تحول الممر إلى لوحة دم. الثلاثة كانوا يتلوون، يصرخون، يختنقون… ثم بدأت النهاية التي تُفزع كل من يراها: حين اقتربت أجسادهم من آخر نفس، تشقق الهواء فوقهم واختفوا واحدًا تلو الآخر، تاركين الدم والرائحة… وكأن الأرض ابتلعتهم بعد أن تركتهم يذوقون الموت كاملًا.
لم يكن هناك وقت للنظر إلى الأعلى. الصياد الذي ألقى الحجر فوق الصخر فهم أنه فقد كمينه. تحرك بسرعة لينسحب أو ليعيد التموضع. لكنني لم أطارد. المطاردة في الجزيرة تعني أن أحدًا سيطاردك من خلفك.
سحبْت سليم من ذراعه، وخرجنا من الممر إلى منطقة صخرية أكثر وعورة، ثم انحدرنا إلى وادٍ جاف مليء بشجيرات قصيرة وأحجار سوداء. هنا الرائحة تتشتت أكثر، والخطوات تُخفى.
جلسنا خلف صخرة كبيرة لثلاثين ثانية فقط. ثلاثون ثانية تبدو لا شيء، لكنها في الجزيرة قد تساوي حياة إذا استثمرتها في شيء صحيح.
سليم وضع كفه قرب كتفي دون أن يلمسني أولًا. لم يتكلم. ضغط العصا إلى صدره، ثم دفع قدرًا ضئيلًا جدًا من المانا داخل كفه، بلا وميض، بلا رائحة قوية، ثم لمس موضع النزف لحظة واحدة. الحرارة الخفيفة انتشرت، والنزف هدأ قليلًا. لم يكن شفاءً كاملًا. كان “تثبيتًا”، كمن يربط نزيفًا قبل أن يمضي.
سحب يده فورًا وكتم كل شيء. ثم نهضنا.
لم نسر كثيرًا حتى سمعنا من بعيد صرخات بشر وصوتًا يشبه سقوط صخرة كبيرة. الوحوش كانت ما تزال تتغذى على الفوضى التي صنعها الألف. هذا كان سلاحًا لنا أيضًا: طالما أن الوحوش مشغولة، يمكن أن تلتهم جزءًا من الصيادين بدل أن يلتهمونا.
لكن الصيادين تعلموا شيئًا خلال الشهر الأول: لا تُطلق مانا كبيرة، لا تصرخ، لا تتسرع. من بقي حيًا صار محترفًا. وهذا يعني أن الأسبوع الثاني بعد الشهر الأول كان سيئًا بطبيعته: مطاردون أذكياء، ومفترسات أذكى.
---
بعد ساعات من التنقل، وصلنا إلى منطقة غريبة الشكل: صخور على هيئة أقواس، تشبه أضلاع مخلوقٍ قديم، وبينها مسارات ضيقة تلتف كمتاهة. المكان مناسب لحاجتين: الدفاع، والتضليل.
قررت أن نصنع “أثرًا كاذبًا”.
لم يكن لدينا أدوات سحرية للتمويه. كان لدينا شيء أبسط: فهم أن الصيادين يقرؤون الأرض كما يقرأون اللائحة. إذا تركت أثرًا واضحًا، يتبعونه. وإذا تركت أثرًا واضحًا في اتجاه خاطئ، يتبعونه أيضًا… إلى أن تبتلعهم الوحوش أو تبتلعهم صخور المكان.
مزقت طرفًا من القماش الداكن الذي غطى بياض سليم، وربطته على غصنٍ صغير عند مدخل مسار جانبي. ثم تركت أثر قدمٍ مقصود في الطين الرطب قرب صخرة، ثم مسحت أثر قدمنا الحقيقي على المسار الآخر بحذر.
لم يكن التمويه مثاليًا، لكنه يكفي لإرباك من يركض خلف نسبة.
تحركنا إلى قلب الأقواس، حيث الرؤية قصيرة، والاقتراب يُسمع، والهجوم من بعيد صعب. هناك، جلسنا في ظل عمود حجري كبير، نلتقط أنفاسنا دون أن ننفخ الهواء.
بعد دقائق، بدأت الأصوات تأتي.
همسٌ بعيد. حجر يتدحرج. رائحة بشر تتسلل مع الريح.
ثم ظهروا.
ليس ألفًا هذه المرة. لكن كان العدد كافيًا ليكون خطرًا: عشرون أو ثلاثون، موزعين على أطراف المتاهة، يحاولون أن يقرؤوا المسارات.
سمعت واحدًا منهم يقول:
“هذا هو المسار. هناك قماش.”
سليم شدّ العصا إلى صدره أكثر. عينيه كانت ثابتة، لكنها تعرف: أي خطأ واحد وسيصير “عشرة بالمئة” في يد شخص آخر.
دخل أول فريق إلى المسار الكاذب. خمسة. ثم دخل فريق آخر خلفه. ثم ثالث.
لم نهاجم. تركناهم يدخلون أكثر، لأن المتاهة لا تؤذي من يدخل قليلًا… تؤذي من يدخل كثيرًا.
في الداخل، كان هناك شيء آخر يتحرك. ليس بشرًا. وحش صغير صاعد، يشبه ذئبًا لكن جلده عليه صفائح خفيفة. كان يراقب حركة البشر ويشم المانا المكبوتة لديهم. كلما زاد العدد، زادت الرائحة.
ثم انفجر كل شيء.
لم نطلق مانا. لم نصرخ. فقط سمعنا الصرخة الأولى منهم، ثم الثانية، ثم صوت مخالب يخدش الحجر، ثم صوت عظم ينكسر. صارت المتاهة تأكلهم. الوحش لم يكن واحدًا كما ظننت؛ كان هناك اثنان على الأقل، وربما أكثر في العمق.
صار الصيادون يصطادون… فصاروا طريدة.
لكن لم ينته الأمر عند هذا الحد. لأن بعضهم كان أذكى. فريق واحد لم يدخل المسار الكاذب. بقي في الخارج، يراقب، ينتظر أن نتحرك “لنستغل الفوضى”. كان هذا الفريق يملك عقلًا، والعقل في الجزيرة أخطر من العدد.
رأيتهم من خلال فرجة بين الصخور: ثلاثة فقط. لكن طريقة وقوفهم قالت إنهم ليسوا ثلاثة عاديين. كانوا ينتظروننا أن نخرج.
لم نخرج.
بل خرجنا عليهم.
تحركتُ حول العمود الحجري، ثم تسللت إلى مسار جانبي يلتف إلى الخلف. سليم بقي ثابتًا، لا يتحرك، كي لا يعلن مكانه. العصا على صدره، والكتم كامل.
اقتربت من الثلاثة من زاوية لا يرونها. الأول كان ينظر إلى الداخل حيث الفوضى، والثاني يراقب الاتجاه الذي توقع أن نهرب منه، والثالث كان يمسح بعينيه الصخور كأنه يبحث عن ظل.
كانت لحظة واحدة فاصلة: إذا أخطأت، سيطلق أحدهم مانا قوية، وسيأتي الوحش إلينا بدل أن يأكلهم.
ضربة السيف الأولى كانت على الثالث—العين. ضربة على العنق من الجانب فتحت الدم وأطفأت القدرة على الصراخ الطويل. الرجل شهق وسقط على ركبته، يضغط على الجرح بيد مرتجفة.
الأول التفت، رفع سلاحه، لكن سليم—من بعيد جدًا، دون أن يظهر—همس كلمة واحدة، جاءت كريشة ثقيلة فوق قدم الرجل:
“ثِقل.”
حركة الرجل تباطأت لحظة، كأنه حمل صخرة على كاحله. لحظة واحدة… السيف استغلها: ضربة على الكتف ثم في الصدر. الدم خرج، والأنفاس اختنقت.
الثاني حاول الهرب ليطلق إنذارًا أو يجلب دعمًا. لم يقطع مترين. السيف ضرب ساقه ضربة عميقة أسقطته. صرخ، ثم حاول أن يزحف. لم أتركه يطيل. ضربة حاسمة أنهت مقاومته.
ثلاثة كانوا يظنون أنهم سيصطادون المتصدر… سقطوا قبل أن يقتربوا منه.
تركناهم يتلوون للحظات، ثم اختفوا واحدًا واحدًا كما اختفى غيرهم، بعد أن ذاقوا النهاية كاملة.
وعندما ابتعدنا عن المتاهة، كانت الصرخات خلفنا تهدأ. الصيادون الذين دخلوا المسار الكاذب صاروا طعامًا أو موتى. والذين بقوا خرجوا مذعورين، لا لأنهم رأوا “خصمًا”، بل لأنهم رأوا أن الطمع قد يجعلهم يموتون بلا أن يأخذوا النسبة.
---
في الليلة التالية، لم تكن هناك معركة واحدة كبيرة، بل سلسلة معارك قصيرة، كعضّات متتالية.
فريق من خمسة يظهر عند ممر ماء، يختبرنا.
نغلق عليه زاوية، نسقط اثنين، يهرب ثلاثة.
وحش صاعد يشم الدم، يأتي، نتحرك.
فريق آخر ينتظر عند المرتفع، يظن أنه سيأخذنا ونحن مرهقون.
نخترق تشكيله بكلمة واحدة من سليم، وضربتين من السيف، ثم نختفي قبل أن تتجمع الفرق.
لم يكن في الأمر مجد. كان في الأمر إيقاع.
السيف صار لغة في يدي: ضربة تقطع سلاحًا، ضربة تكسر توازنًا، ضربة تنهي مقاومة.
وكلمات سليم صارت مفاتيح صغيرة تفتح ثواني لا تُقدّر بثمن:
“توقف” تشتري ثانية.
“سقوط” يشتري نفسًا.
“انحراف” يشتري ظهرًا لا يُطعن.
وفي كل مرة… كانت الرسائل تظهر أمامي بصيغة قاسية لا تقول “نجوت”، بل تقول “تصفية… +10%”. ثم تقول لي ببرودها المعتاد إنني لا أستطيع استعمالها. ثم أضغط التحويل، مرة بعد مرة، حتى صار صعود سليم يتغذى على مطاردة الصيادين نفسها.
هذا هو الكابوس الحقيقي: كلما طاردوك أكثر، أعطوك أكثر… وكلما أعطوك أكثر، طاردوك أكثر.
حلقة جهنمية.
---
في نهاية ذلك الأسبوع—بعد فخ الألف—حدث الشيء الذي جعل الهواء حولنا يتغير بطريقة جديدة.
لم نكن في قتال حينها. كنا نسير قرب حافة وادٍ صخري، نحاول الوصول إلى منطقة علوية نعرف أنها تقلّ فيها الوحوش الكبيرة. فجأة… توقفت الأصوات من حولنا.
لا حشرات. لا طيور. لا رياح واضحة.
صمت كامل… صمت لا يأتي من قلة الحياة، بل من كثرة الحذر.
ثم ظهروا.
لم يكونوا فوقنا فقط، ولا حولنا فقط. كانوا في كل الاتجاهات الممكنة. ليس ألفًا هذه المرة. لكن العدد كان يكفي ليجعل المكان يبدو كفخ كبير جديد، وأكثر تنظيمًا: مئة أو مئتان… وربما أكثر، موزعين كحلقات.
الفرق الصغيرة كانت تتحرك كأنها وحدات ضمن شبكة أكبر: خمسة هنا، خمسة هناك، خمسة يغلقون اليمين، خمسة يغلقون اليسار. لا أحد يندفع وحده. لا أحد يصرخ. لا مانا فاضحة.
والأخطر… أنهم لم يتكلموا كثيرًا.
هذا يعني أنهم تعلموا من فخ الألف: لا تجلب الوحوش على نفسك. اقتل بصمت، وخذ النسبة، ثم اختفِ.
وقف سليم بجانبي. العصا على صدره. الكتم كامل. لم ينظر إلى اللائحة. لم يحتج. النظرات حولنا كانت تقول كل شيء: المتصدر موجود هنا. والكل يريد قطعة من المتصدر.
رفعت السيف ببطء. كتفي تألم، لكن الألم صار جزءًا من الوقفة.
ثم، من جهة بعيدة، جاء صوت واحد فقط، منخفض لكنه وصل:
“لا نحتاج أن نقتله بسرعة. نحتاج فقط أن نسقطه مرة.”
مرة واحدة… ثم ينتهي كل شيء.
لم يكن هناك وقت للتراجع. ولا كان هناك طريق واضح للهرب. كل طريق صار عينًا.
كان علينا أن نقاتل… لكن هذه المرة، لم يكن القتال ضد فريق، ولا ضد عشرة… كان ضد فكرة: أن الجزيرة كلها يمكن أن تتفق على صيد واحد.
شددت قبضتي على السيف، وتقدمت نصف خطوة إلى الأمام، كأنني أُعلن أن المكان لن يأخذنا بلا ثمن.
وفي اللحظة التي تقدمت فيها… تحركت الحلقة الأولى. خمسة اندفعوا من اليمين، وخمسة من اليسار، وخمسة من الأمام، وثلاثة في الخلف يغلقون التراجع.
وتحول الصمت إلى بداية مذبح جديدة.