كان الطوق قد اكتمل حولنا قبل أن أسمع أول همسة.
لم يكن ذلك الحصار الذي يشبه كمائن الأسبوع الأول—خمساتٍ تتقدم وتختفي—بل كان شيئًا أكبر وأقذر: حلقة واسعة، ثم حلقة أضيق، ثم حلقة ثالثة تُغلق الزوايا كما تُغلق الأصابع على عنقٍ يريد أن يتنفس.
مئتان… أو قريب من ذلك. وجوهٌ مقنّعة، سكاكين قصيرة، سيوف خفيفة، ومانا مكبوتة داخل الأجساد كي لا تفضحهم ولا تستدعي وحوشًا. لم يكونوا مجموعة واحدة، لكنهم كانوا يتحركون كأنهم اتفقوا على عقلٍ واحد: المتصدر هنا. “العشرة بالمئة” هنا. والفرصة لا تتكرر.
وقفتُ في منتصف صخرة منخفضة، والسيف في يدي يلتقط ضوءًا باهتًا ثم يبتلعه. سليم كان بجانبي نصف خطوة، العصا ملتصقة بصدره كقفل. لم ينظر إلى اللائحة. لم يحتج. النظرات التي تُرمى عليه كانت لائحةً بحد ذاتها.
سمعتُ صوتًا من الخلف، منخفضًا لكنه واضح، كأنه صادر عن شخصٍ يُدير الشبكة:
“لا تفتحوا مانا. لا صراخ. نريد الأبيض.”
ثم صمتٌ قصير، كأنهم يتذوقون الكلمة.
أدرت وجهي قليلًا نحو سليم دون أن أُظهر ذلك لمن يراقب، وقلت بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
“تراجع الآن.”
لم أسأله إن كان يفهم. كان يفهم. لم أعطه فرصة أن يعترض. دفعتُه بإشارة حادة نحو مسار جانبي بين الصخور، مسار يهبط ثم يلتف إلى منطقة أعرفها من تنقلاتنا الأخيرة: حفرة عملاقة، فمٌ من حجر، يهبط إلى عمقٍ يجعل الصوت يموت قبل أن يصل إلى القاع.
كان لا بد من مكانٍ كهذا. مكانٌ يجبر العدد أن يصير وزنًا، ويجعل الطمع يعمي.
سليم انزلق بعيدًا بخفة لا تُصدَّق لمن يراه لأول مرة. لم يركض في خط مستقيم. تحرك كظلٍّ يلتف خلف صخرة ثم ثانية، ثم اختفى عن العين، ولم يبقَ منه إلا أثرٌ واحد: الهواء حوله صار أكثر هدوءًا.
أما أنا… فتقدمت خطوة واحدة للأمام، كمن يعلن أنه لن يهرب.
تحركت الحلقة الأولى.
عشرة… ثم عشرون… ثم أكثر، يتقدمون في موجات قصيرة، يختبرون رد فعلي، يريدون أن يروا إن كنت سأفتح ثغرة يمكن أن تُستغل للوصول إلى سليم. كانوا يتجنبون الاقتراب الزائد من بعضهم كي لا تتحول الكثرة إلى فوضى، لكن عيونهم كانت فوضى: جوعٌ واحد بأشكال كثيرة.
اندفع أول مهاجم من اليمين بسكينٍ قصير ومانا داخلية في ساقيه. لم أنتظر. السيف قطع زاوية هجومه بضربة على الرسغ. الدم اندفع، والسكين سقط، والرجل صرخ صرخة مكتومة، ثم عض على ألمه كأنه يخجل أن يصرخ أكثر فيسقط من عين الصيادين حوله.
لم يختفِ. لم يتلاشى. بقي يتلوى على الحجر، يضغط على يده التي فقدت طاعتها، والدم يسيل على الأرض كأنه يرسم سهمًا يقول: هنا بدأ الموت.
الثاني جاء من الأمام، سيفه خفيف، يريد أن يثبتني بمبارزة قصيرة. ضربتُه على الكتف ضربة فتحت اللحم، ثم الثانية على الجانب تحت الأضلاع. شهق. تراجع مترًا، ثم سقط على ركبته وهو يضغط على جرحه، عيناه تتسعان من الألم كما لو أن الجسد يكتشف لأول مرة معنى أن يُمزَّق.
الثالث والرابع والخامس حاولوا أن يلتفوا حولي. لم أسمح لهم أن يملكوا محيطًا. تحركتُ إلى حيث تضيق الأرض: بين صخرتين، يجعل الالتفاف مكلفًا. ضربت الثالث على الفخذ، سقط. الرابع حاول أن يقفز فوق جسد زميله، فتلقيت قفزته بنصلٍ صاعدٍ قطع مساره قبل أن يكتمل. سقط فوق الدم، وصوته تحول إلى أنينٍ خفيض.
كانت الضربات تأتي من كل اتجاه، لكنني لم أُقاتلهم كأفراد. كنت أقاتل الإيقاع: كلما حاولوا أن يبنوا موجة، قطعت رأسها. كلما حاولوا أن يخلقوا زاوية، أخذت الزاوية لنفسي. السيف لم يكن أداة قتلٍ فقط؛ كان أداة منع. يمنعهم أن يتشجعوا بما يكفي ليقتربوا من حيث يظنون أن “الأبيض” ينتظر.
في الدقائق الأولى سقط خمسة. ثم ثمانية. ثم عشرة.
عشرة رجال يصرخون، ينزفون، يختنقون، يتحسسون أجسادهم كأنهم لا يصدقون أن هذا يحدث. بعضهم حاول أن يزحف بعيدًا؛ ليس هربًا، بل بحثًا عن هواء. وبعضهم حاول أن يرفع سلاحه مرة أخرى وهو على ركبته، مثل حيوان يرفض أن يسقط. لكن السيف كان يختصر الطريق: ضربة واحدة حاسمة تُسكت المقاومة، ثم يترك الجسد يتخبط في النهاية.
كنت أسمع من الأعلى همسًا يتغير:
“هو مجنون…”
“لا… هو يشتري وقتًا للأبيض.”
“اقطعوا عنه الهروب!”
بدأت الحلقة الثانية تتحرك لتغلق الطريق الخلفي، لتمنعني من الانسحاب نحو الداخل. كانوا يظنون أنني سأحمي سليم بالهرب معه. لم يفهموا أنني أريدهم أن يظنوا العكس: أنني سأهرب وحدي لأنني “جرحت”.
وهذا ما فعلته.
في الضربة الحادية عشرة… تعمدتُ أن أتأخر نصف ثانية. تركتُ سكينًا يخدش كتفي بعمقٍ محسوب، ليس قاتلًا، لكنه يفتح الدم ويصنع مشهدًا. الألم صعد كشرارة، والدم خرج دافئًا. شددتُ على أسناني، وسمحت لوجهي أن ينكمش كما ينكمش وجه من خسر السيطرة.
ثم تراجعت خطوة، ثم خطوتين… ثم انحرفت بزاوية حادة كما لو أنني أبحث عن نجاةٍ عمياء.
سمعت أحدهم يصرخ:
“أُصيب! الآن!”
وهنا اشتعل الجوع.
اندفعوا خلفي كما يندفع السيل وراء شق. لم يعودوا موجات صغيرة محسوبة؛ صاروا كتلة مطاردة، يتزاحمون، يسبق بعضهم بعضًا، لأن كل واحد صار يرى نفسه هو الذي سيضع السكين الأخير ويأخذ القفزة الأكبر.
لم أجرِ في خط مستقيم. ركضتُ بزاويةٍ تقود إلى ما أريده: الحفرة العملاقة.
كنت أعرف المكان جيدًا. حفرة لا يشبه عمقها شيئًا في الأرض. حافتها غير منتظمة، وفيها نتوءات كبيرة وصخور معلقة كأنها تنتظر كلمة واحدة لتسقط. هناك، في أحد الشقوق الجانبية تحت الحافة مباشرة، يمكن لإنسانٍ واحد أن يختبئ دون أن يُرى من الأعلى—خصوصًا إذا كتم نفسه جيدًا.
كان سليم هناك.
أحسستُ بذلك لا لأنني رأيته، بل لأن الصمت قرب الحفرة كان صمتًا “مصنوعًا”: صمت شخص يتنفس داخليًا حتى لا يعلن نفسه.
وصلتُ إلى الحافة وأنا ألهث وأتظاهر بأن ساقي تخونني. توقفتُ كمن وصل إلى نهاية الطريق. خلفي كانت الأقدام تأتي كالرعد، ثم ظهروا حولي… صفوفٌ من وجوه مقنّعة، مئتان تقريبًا، يملؤون محيط الحافة كأنهم سياجٌ حي.
كانوا منتشين. الرائحة في عيونهم كانت رائحة “النسبة”.
أحدهم تقدّم خطوة، وقال ببرود:
“أين الأبيض؟”
لم أجب فورًا. تركتُ الدم ينقط من كتفي على الحجر. رفعتُ رأسي ببطء، وابتسمت ابتسامة صغيرة مريضة، كما يبتسم من يائسًا يريد أن ينجو بأي ثمن.
ثم أدرت رأسي قليلًا نحو جوف الحفرة، ورفعت صوتي بما يكفي ليصل إلى عمقٍ قريب دون أن يتحول إلى صراخ:
“الأبيض… اخرج. حاصرونا.”
تغير الهواء في لحظة واحدة.
لم يكن التغير في الحفرة، بل في وجوههم. الجشع حين يرى طُعمًا يصبح أعمى. عشرات الرؤوس التفتت إلى الحفرة في آن واحد. همهمات سريعة بدأت: “هو هناك”، “في القاع”، “لا تدعوه يهرب”، “انزلوا!”
واحدٌ منهم دفعني بكتفه، ثم جاء دفعٌ ثاني وثالث. كانوا لا يريدون أن يضيع الوقت. يريدونني أن أسقط إلى الأسفل حيث يظنون أن “الأبيض” ينتظر، ليقتلوه هناك بلا هروب.
شعرت بيدي تُدفع، وقدمي تفقدان الحافة.
سقطت.
الهواء انقطع للحظة. ثم صار كل شيءٍ صوتًا: صوت حجارة تتدحرج، صوت صراخٍ فوقي، صوت أجساد تقفز وراءي… لأنهم، بحماقتهم الجماعية، لم يكتفوا بأن يدفعوني. نزلوا جميعًا.
لم ينزلوا واحدًا أو اثنين. لم ينزلوا عشرات. كانت موجة بشرية تسقط في الحفرة، تلتقط نتوءًا ثم نتوءًا، وتتعثر وتصرخ وتتصادم. بعضهم اصطدم بالصخر وفتح رأسه فورًا. بعضهم كسر ذراعه. بعضهم هبط بنجاةٍ مؤقتة على نتوءات قريبة. لكنهم جميعًا كانوا يملؤون جوف الحفرة كأنها صارت ساحة واحدة مغلقة.
هبطتُ على نتوء صخري أعرفه. ركبتاي صرختا بالألم، لكنني لم أسقط. السيف بقي في يدي. الدم من كتفي اختلط بغبار الحجر. رفعت رأسي… ورأيتهم يتجمعون أسفل مني وعلى الجوانب، يرفعون سكاكينهم، يصرخون بشتائم متقطعة، ويبحثون عن “الأبيض” بعينين جنونيتين.
لم يروا سليم.
كان مختبئًا في شق جانبي تحت الحافة، في مكان لا تُلتقطه العين إلا إذا عرفته. هناك، خلف صخرة بارزة، كان جسده ملتصقًا بالظل. العصا على صدره. والكتم كامل إلى درجة أن حتى أنا بالكاد أحسست بوجوده.
اقترب مني ثلاثة. الأول حاول أن يصعد نحوي، والثاني يرمي سكينًا، والثالث يلتف لقطع النزول. صدّدت السكين بنصل السيف، فارتدّت وارتطمت بصخر. ضربتُ الأول ضربة على اليد، فسقط وهو يصرخ. الثاني اندفع بجنون. أخذته بضربة في الصدر جعلته يختنق. الدم خرج من فمه، وتحول صوته إلى غرغرة. كان يرى الموت في عينيه، ويرى الحفرة تحيط به كقبر.
كانوا كثيرين. كثيرين جدًا ليُقاتَلوا بالسيف وحده، مهما كان النصل ممتازًا.
وهذا كان المقصود.
رفعتُ رأسي نحو الشق الذي أعرفه، ولم أُظهر سوى حركة صغيرة، ثم قلت بصوتٍ واضح وسط الضجيج:
“ابدأ.”
لم تكن الكلمة لهم. كانت له.
ولأن الطمع يجعل الإنسان أعمى، لم يفهموا المعنى إلا عندما فات الوقت.
اهتزت الحافة فوقهم.
أول صخرة عملاقة تحركت كأن الأرض تخلع سنًّا. لم تكن صخرة صغيرة؛ كانت كتلة حجرية بحجم غرفة، كانت متشبثة بحافة غير مستقرة، تنتظر دفعة واحدة. سليم دفعها.
لم أرَ كيف دفعها بالضبط—لم أرَ ضوءًا—لكنني سمعت الصوت الذي لا يُخطئ: صوت حجرٍ ينفلت من مكانه بعد قرون.
سقطت الصخرة.
لم تسقط وحدها. سقطت معها صخرة ثانية، ثم ثالثة، ثم سيلٌ من الصخور الكبيرة التي كانت معلقة أو موضوعة بطريقة تجعل كلمة واحدة تكفي لتنهار. كأن الحفرة كانت معدّة لهذا منذ زمن، وكأن سليم كان يقرأ تضاريسها خلال الأيام السابقة ويترك الصخور في أماكنها حتى يأتي يوم “الابدأ”.
الناس تحتها صرخوا. ليس صراخ مطاردة… صراخ رعبٍ خالص.
رأيت رجالًا يقفزون على الجوانب ليهربوا. رأيت آخرين يدوسون على بعضهم ليصعدوا. رأيت سكاكين تسقط من الأيدي لأن اليد صارت تبحث عن الحياة لا عن النسبة.
ثم بدأ السحق.
الصخرة الأولى هبطت على كتلة بشرية، فاختلط الصوت: صراخ ينكسر، وعظام تتكسر، ثم صمتٌ مفاجئ كأن الهواء انغلق. الثانية سحقت من حاول الهرب. الثالثة ارتطمت بالجانب فتناثرت شظايا كأنها رصاص من حجر، شقّت أجسادًا وفتحت دمًا.
لم يكن هذا “قتالًا”. كان إعدامًا جماعيًا.
كانوا مئتين… صاروا لحظاتٍ من أصوات.
لكن واحدة من الصخور الكبيرة جاءت باتجاهي مباشرة، لأنها تدحرجت من الحافة بزاوية خطأ، أو لأن دفعات انهيار الصخور جعلت المسار يتغير.
رأيتها فوقي، كتلة حجرية تنزل لتكتب نهايتي.
لم أتراجع كثيرًا. لا مساحة. لا وقت.
رفعتُ السيف بكل ما تبقى في كتفي من قوة، وضربت الصخرة ضربة واحدة، ليست لتفتيتها بالكامل—لا أحد يفعل ذلك—بل لقطع خطها وكسر توازنها. النصل دخل في الحجر كما لو أن الحجر أقل صلابة مما ينبغي، وانشقت الصخرة إلى قسمين كبيرين. أحد القسمين مرّ بجانبي وترك ريحًا كصفعة، والآخر انحرف وسقط مباشرة على الرجل الذي كان يقف بجانبي، الرجل الذي رفع سكينه قبل ثانيتين فقط ظانًا أنه سيأخذ عشرة بالمئة من المتصدر.
لم يصرخ. لم يملك الوقت.
سُحق تحت الحجر كما يُسحق اسمٌ على ورقة.
في لحظات قليلة، صار جوف الحفرة غيمًا من الغبار والدم. الصخور الكبيرة فوق الصخور الكبيرة. أجساد تتحرك تحتها ثم تتوقف. أصوات تتقطع ثم تنتهي. من بقي حيًا كان يزحف كحشرة تحت جبل، ثم يُدفن في صمت.
لم أتحرك. وقفت على النتوء أراقب الانهيار، والسيف في يدي يقطر دمًا وغبارًا. عيني كانت تلتقط التفاصيل بلا عاطفة لأن العاطفة هنا تُسقطك. لكن داخلي… كان يصرخ: هذا كثير. هذا أكثر مما ينبغي. هذا ليس فريقًا صغيرًا. هذا مئتان دفعة واحدة.
لكن المئتين لم يتركوا لنا خيارًا. المئتان لم يأتوا ليمسكوا بنا. أتوا ليذبحوا المتصدر كما يُذبح حيوان ثم يتقاتلون على اللحم بعده.
والآن… اللحم صار حجرًا.
هدأ سقوط الصخور تدريجيًا، كأن الحفرة شبعت. لم يبقَ سوى صوت غبارٍ يهبط، ونواحٍ بعيدٍ انتهى بسرعة، وهدير وحشٍ من مكان آخر يشم الرائحة ولا يفهم ما الذي حدث هنا.
تحركتُ بحذر على النتوء، قفزتُ إلى صخرة أقرب إلى الشق، ثم رأيت سليم يخرج من ظلّه أخيرًا. كان وجهه تحت القناع شاحبًا، ليس خوفًا فقط… بل لأن من يسقط جبلًا على بشر لا يخرج سليمًا من داخله، مهما كان يعتقد أن الموت هنا نهائي أو مجرد نهاية.
لم يتكلم كثيرًا. لم يحتج. عيناه قالتا: انتهى.
نزلنا بين الصخور الكبيرة، لا لنبحث عن شيء—لا وقت للنهب، ولا رغبة—بل لنخرج من مكانٍ سيصير بعد دقائق نقطة جذب لكل وحشٍ صاعد ولكل صيادٍ وصل متأخرًا.
كانت رائحة الدم في الحفرة لا تُطاق. الهواء نفسه صار ثقيلاً، كأنه يحمل وزر ما حدث. وبين الصخور، كانت هناك جيوب فراغ صغيرة ما تزال تتحرك فيها أيدٍ أو أرجل… ثم تسكن.
لم أطل النظر. لم يكن هناك شيء يمكن إصلاحه.
شددتُ قبضتي على السيف، ودفعت سليم إلى مسار جانبي يصعد من خلف الركام. لم نخرج نحو الحافة نفسها التي دخلنا منها. خرجنا من ممر آخر، لأن أي عينٍ على الأعلى قد تكون تنتظر أن نطلّ من المكان المتوقع.
عندما وصلنا إلى الأعلى أخيرًا، كانت الحافة ساكنة. لا صيادين. لا همس. فقط رياح تحمل غبار الحفرة إلى السماء الرمادية.
توقف سليم لحظة، لا ليرى اللائحة، بل ليتأكد أن أنفاسه عادت تحت السيطرة. ضغط العصا إلى صدره، وكتم المانا كما يفعل دائمًا، ثم تحرك.
أما أنا… فكنت أسمع في أذني صدى واحدًا لا يزول: صدى مئتي شخصٍ جاءوا ليقتلوا… فسقطوا تحت حجرٍ لا يعرف الطمع.
ولم يكن هناك وقت للندم، لأن الجزيرة لا تمنح قاتلًا لحظة يلتقط فيها روحه. الدم يجذب. الصراخ يجذب. حتى الغبار يجذب عيونًا جديدة.
تحركنا بعيدًا عن الحفرة، وتركنا وراءنا صمتًا ثقيلًا… صمتًا سيصبح بعد قليل خبرًا يتداول في اللائحة، ثم طُعمًا لصيادين جدد، ثم سببًا لمطاردةٍ أشد.
كان ذلك واضحًا من أول هديرٍ بعيدٍ بدأ يقترب.