مرَّ أسبوعٌ كامل بعد الحفرة… أسبوعٌ كان ينبغي أن يكون أسبوع مطاردةٍ جديدة، لأن من ينجو من مجزرة يُصبح خبرًا، والخبر في الجزيرة يُصبح طُعمًا. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا: الطُعم صار يُخيف الصياد.

منذ ذلك اليوم، لم تعد العيون تقترب كما كانت. لم تعد الفرق تُغلق الدوائر وتختبر الزوايا. صار البشر—حتى الذين يحملون الطمع في قلوبهم—يتصرفون كما لو أن الاقتراب منا يفتح بابًا لا يريدون أن يفتحوه.

كان ذلك واضحًا في السلوك أكثر مما هو واضح في الصمت.

نرى فريقًا من خمسة أمامنا على مسافة، يتحركون بحذر… ثم يتوقفون فجأة. لا لأنهم سمعوا صوتًا، ولا لأنهم شمّوا مانا، بل لأن أحدهم نظر إلى واجهته، ثم نظر إلينا ثانية، ثم رفع يده بإشارة انسحاب.

ينسحبون بلا قتال. بلا تجربة. بلا “لنجرّب مرة”.

كأن شيئًا في داخلهم يهمس: “لا.”

في البداية ظننت أن الأمر مجرد صدفة—أن الفوضى بعد الحفرة جعلت الجميع يعيد حساباته—لكن بعد اليوم الثاني صار المعنى كافيًا ليُرى بالعين المجردة: لقد أصبحنا رعبًا متداولًا.

ليست شائعة واحدة. بل سردٌ كامل يتناقلونه: “هما الاثنان… اللذان ابتلعا مئتين في حفرة.”

لا أحد يعرف التفاصيل بدقة، لأن كل فريق يُضيف على القصة ما يجعله يخاف أكثر. واحد يقول إن الصخور سقطت كأن الأرض نفسها أطاعت أمراً. آخر يقول إن السيف قطع الصخرة كما يقطع الورق. ثالث يقول إن البياض لا يموت، وإن الأسود يقف أمامه كحارسٍ لا ينام.

الحقيقة لا تهم هنا. ما يهم هو: الخوف صار يتناسل.

وأمام الخوف، الطمع يتردد.

لم يكن هذا يعني أننا أصبحنا آمنين. بل يعني أن الخطر صار يُغيّر شكله: بدل أن يهاجمونا مباشرة، سيحاولون أن يقتلونا بطرقٍ أبعد… أو ينتظرون لحظة ضعف… أو يُرسلون غيرهم أولاً ليختبر.

لكن خلال هذا الأسبوع تحديدًا، كان التغير واضحًا: الاقتراب صار مكلفًا نفسيًا.

---

في الليلة الثالثة من الأسبوع، جلس سليم في تجويفٍ صخري صغير بعد أن تحركنا لساعات بلا قتال، ثم فتح لائحته لثانية واحدة… ثم أغلقها كما يفعل دائمًا. لكنه هذه المرة لم يحتج أن يقول شيئًا طويلًا. فقط قال الرقم بصوتٍ منخفض:

“سبعة وستون.”

قالها كما يُقال رقمٌ في تقريرٍ عسكري. لا فخر. لا دهشة. فقط تثبيت واقع.

لم يكن الرقم مفاجئًا بالنظر إلى ما حدث في الحفرة، وإلى ما حدث بعدها من اشتباكات قصيرة اضطررنا إليها أثناء الانسحاب. لكن ما كان أغرب من الرقم هو ما قاله بعده مباشرة، وهو يحدق للحظة في الفراغ:

“الثاني… تسعة وأربعون.”

توقف الزمن في رأسي ثانية واحدة.

الثاني في اللائحة… كان قد اقترب. لا لأن “الجزيرة عادلة” أو لأن “الناس اجتهدوا”. بل لأن الطمع حين يرى المتصدر بعيدًا جدًا يبدأ يبحث عن أقرب سلم: يرفع نفسه بقتال الآخرين، ويجمع النسب من الضعفاء، ويصنع مسارًا سريعًا دون أن يقترب من الجائزة الكبرى التي تخيفه.

وهكذا صعد الثاني.

تسعة وأربعون… يعني أن المسافة بينه وبين سليم ليست صغيرة، لكنها ليست مستحيلة. وهذا وحده يخلق ظاهرة جديدة: في عالمٍ تحكمه 10% من المستوى، وجود متصدرٍ مرعب يجعل الآخرين يتركونه مؤقتًا، ثم يبدأون يطاردون “الثاني” لأن قتل الثاني أسهل وأقل رعبًا… ويمنحك قفزة أكبر من قتل العشرينات والثلاثينات.

وهذا يجعل الثاني كائنًا بين نارين: يتجنب المتصدر، ويطارده الصغار ليأخذوا منه النسبة.

كنتُ أرى هذا من آثار الحركة لا من اللائحة. أصبحنا نرى مناطق كاملة “فارغة” من البشر. ثم نرى فجأة اشتباكًا بعيدًا بين فرقٍ لا علاقة لها بنا، كأنهم يفرغون عنفهم في غيرنا لأن الاقتراب منا صار انتحارًا نفسيًا.

كانت الجزيرة تتحول إلى طبقات من الرهبة.

---

لكن الهدوء لا يعني رحمة. الهدوء يعني أن شيئًا يتشكل.

في اليوم الرابع، مررنا قرب ممر مائي ضحل، ليس لأننا أردنا الماء، بل لأن الممر كان جزءًا من مسارٍ صخري نستخدمه كحزامٍ حول منطقةٍ أعرفها جيدًا. رأينا فريقًا من ثلاثة عند حافة الماء. كانوا يشربون بحذر. عندما لمحونا، تجمدوا لحظة… ثم تراجعوا خطوة واحدة فقط، كأنهم يوازنوا بين الجوع والخوف.

واحدٌ منهم همس للآخرين، ولم أسمع الكلمة… لكني رأيت ما فعلته الكلمة:

الاثنان الآخران رفعا أيديهما ببطءٍ كإشارة “لا نريد مشكلة”، ثم ابتعدوا دون أن يركضوا، كأنهم يخشون أن يظهر الركض كفرصة صيد. كانوا ينسحبون كمن ينسحب من وحشٍ كبير.

لم يكن ذلك احترامًا. كان رعبًا.

وفي المساء نفسه، رأينا فريقًا من خمسة في مرتفعٍ بعيد. كانوا يراقبوننا من الأعلى. لم يهاجموا. فقط راقبوا. وعندما تحركنا، تحركوا هم أيضًا… لكن ليس نحونا، بل بعيدًا، كأنهم يريدون فقط أن يعرفوا أين لا يجب أن يذهبوا.

حتى الوحوش… بدت وكأنها تغير سلوكها.

في الأسبوع الأول من المرحلة الثانية، كانت الوحوش تندفع إلى أي رائحة دم أو مانا. الآن، في هذا الأسبوع، بدأت ألاحظ أن بعض الوحوش—خصوصًا التي يبدو أنها صعدت—لا تندفع مباشرة إذا شمت شيئًا. تتوقف أولًا. تشم. تقيس. ثم تختار. كأنها تعلمت أن هناك بشرًا لا يستحقون الصيد إن كان الصيد سيجلب عليها حربًا.

مرة رأينا وحشًا يشبه ذئبًا مدرعًا، يقترب من أثر دمٍ حديث قرب صخرة. شمّ الدم، ثم رفع رأسه نحونا من بعيد… ثم تراجع خطوة، واختفى بين الأشجار.

لم يكن ذلك خوفًا طبيعيًا من وحشٍ تجاه إنسان. كان ذلك “تعلمًا”. والجزيرة تُكافئ التعلم.

---

كانت الأيام تمرّ، ومع كل يوم، تقل الاشتباكات المباشرة. لكن بدلها، زادت المؤشرات الصغيرة التي تقول إن الصيادين لا ينامون. هم فقط يغيّرون شكل الصيد.

أثر قدمٍ مقصود يظهر ثم يختفي.

علامة قماش على غصن، لكن الغصن في مكان لا معنى له.

حجر موضوع على حجر بطريقةٍ لا يفعلها الهواء.

نقطة ماء تُترك خالية كأنها فخ لم يعد يحتاج أن يُغلق… يكفي أن يُغري.

كنت أقرأ ذلك كله وأشعر أن الشهر الثاني لن يكون شهر مطاردة صاخبة… بل شهر مطاردة “بلا صوت”.

سليم كان صامتًا أغلب الوقت. ليس لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه يتعلم أن الصمت جزء من القوة. عندما كان يتكلم، كان يتكلم بكلمات قصيرة جدًا: تحديد اتجاه، تحديد خطر، أو كلمة واحدة تُستخدم في اللحظة الصحيحة.

في اليوم السادس من الأسبوع، حدثت مواجهة صغيرة أثبتت كيف أصبح الخوف يعمل لصالحنا.

كنا نعبر ممرًا صخريًا ضيقًا، وبينما نحن في منتصفه، خرج علينا رجلٌ وحيد من الجانب. كان يبدو متعبًا، قناعه مكسور، وذراعه ملفوفة بقماش. رفع سلاحه بيد مرتجفة، ثم تردد.

تردد طويل.

ثم أنزل سلاحه ببطء، وقال بصوت خافت:

“لا أريد… أنا فقط… أريد المرور.”

لم يكن يطلب رحمة. كان يطلب ألا يُقتل.

حصل على ما يريد. لأننا مررنا بجانبه دون أن نلمسه. لم نكن بحاجة لقتله. قتله لن يعطينا إلا الدم والرائحة والكارثة. والآن، الدم صار تكلفة أكثر من كونه مكسبًا.

الرجل عندما مرّ بجانب سليم، نظر إليه نظرة خاطفة، ثم أسرع في الابتعاد. لم يكن يريد أن يرى الوجه الأبيض طويلًا، حتى لو كان الوجه مغطى بالطين.

---

في نهاية الأسبوع، وقفنا على مرتفعٍ صخري يطل على مساحة واسعة من الغابة. لم يكن المكان مكشوفًا تمامًا؛ كان لدينا ساتر حجري، وممر هروب خلفي. جلس سليم لحظة، وفتح اللائحة لثانية أخيرة، ثم أغلقها. هذه المرة، قال الرقم الآخر أيضًا، ببطء:

“أنا… سبعة وستون.”

ثم: “الثاني… تسعة وأربعون.”

سكت بعدها. لم يضف شيئًا. لكن الصمت كان مليئًا بمعنى واحد: هذا الفارق جعلنا “خارج السوق” مؤقتًا. المتصدر صار مرعبًا جدًا ليُقترب منه. والثاني صار مغريًا جدًا ليُصطاد بدله. وهكذا، أصبحنا كالسيف المعلّق الذي لا يجرؤ أحد على لمسه… لكنه لا ينام.

الظاهرة كانت واضحة:

كلما ارتفع سليم أكثر، صار هجومهم المباشر أقل.

لكن كلما ارتفع سليم أكثر، صار تنظيمهم أعمق.

الخوف لا يقتل الطمع… الخوف فقط يجعله أكثر دهاءً.

وفي تلك الليلة، بينما كنا نتحرك نحو مخبأ جديد، رأينا شيئًا أكد هذا.

على صخرةٍ بعيدة، كان هناك رسمٌ بدائي محفور بخطوط رديئة: دائرة… وفي داخلها نقطة. وحولها أسهم صغيرة تُشير إلى الداخل. وتحت الرسم كلمة واحدة:

“انتظر.”

لم تكن كلمة صادرة عن نظام. كانت كلمة بشر. كلمة صيادين.

توقفتُ لحظة أقرأها بعيني، ثم أكملت السير دون أن أبطئ. لم أحتج شرحًا طويلًا كي أفهم:

المرحلة القادمة لن تكون “اصطيادًا مباشرًا”.

ستكون “انتظارًا” لموضع خطأ.

انتظارًا لجرحٍ لا يُثبت.

انتظارًا للحظة ينسى فيها المتصدر أنه بشر.

سليم كتم المانا أكثر. العصا على صدره. خطواته صارت أخف، لكن حضوره صار أثقل.

ومع ذلك، كان واضحًا أن الخوف—لأسبوع كامل—عمل لنا درعًا غير مرئي. ليس لأنه سيبقى، بل لأنه يمنحنا شيئًا نادرًا في الجزيرة: أيامًا قليلة بدون طعنٍ في الظهر.

أيامًا قليلة… قبل أن يعود الطمع بأداة جديدة.

2026/03/10 · 11 مشاهدة · 1278 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026