في اليوم الموالي… لم يكن الصباح صافيًا، بل كان مشدودًا كوترٍ ينتظر أن يُضرَب.

لم أستيقظ على صرخةٍ أو هدير، بل على هدوءٍ مُفخخ. الهدوء الذي يحدث عندما يعرف الجميع أن القواعد تغيّرت، وأن الجزيرة صارت تُعطي “سُلّمًا” جاهزًا لمن يقتل المتصدّر. نصف مستوى… كلمة واحدة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل.

كنتُ في تجويفٍ صخري ضيّق، ظهري على الحجر، والسيف على فخذي. كتفي ما زال يذكرني بضربةٍ قديمة، وأصابعي تذكرني بعدد المرات التي قبضت فيها على المعدن وهي ترتجف من التعب. سليم كان قبالتي، العصا ملتصقة بصدره، كأنها ختمٌ يُغلق فوضى المانا قبل أن تخرج وتُعلننا.

لم يتكلم كثيرًا. لم يحتج. كان يكفي أن أرى كيف يتنفس: نفس قصير، ثابت، بلا تسرّب. هذه ليست “شجاعة”… هذا انضباط.

خرجنا قبل أن يكتمل الضوء، لأن الضوء يفضح الظلال. تحركنا على الحواف الصخرية، لا داخل الغابة. في الغابة يمكنك أن تختفي… لكنك أيضًا تُحاصر بسهولة. أما الصخور فتجبر العدد على أن يتكسر إلى وحدات.

وبينما كنا نتحرك، بدأت أرى أثر الإعلان على الأرض قبل أن أسمعه في الأصوات:

حبال دقيقة مشدودة بين حجرين في مكان لا يشد فيها أحد حبلًا بلا قصد.

حجرٌ موضوع فوق حجر بطريقة تضمن سقوطه إذا لُمِس المسار.

علامات صغيرة على الجذوع—ليست كتابات، بل خرائط سريعة: سهم، دائرة، ثم سهم آخر.

كأن الجزيرة تحولت إلى مدينةٍ سرية، أهلها صيادون لا يكتبون أسماءهم، بل يكتبون الاتجاهات.

كنتُ أعرف هذا النوع من التنظيم: التنظيم الذي يولد من طمعٍ كبير. عندما تصبح الجائزة نصف مستوى، لا يعود الناس يهاجمون بعشوائية. يهاجمون بخطة. والخطة تقتل أكثر من السكين.

تحركنا حتى وصلنا إلى ممرٍ صخري يشبه فمًا مفتوحًا: مدخل واسع قليلًا، ثم يضيق تدريجيًا حتى يصير كل شيء فيه قرارًا. توقفت عند المدخل دون أن أدخل. شيء في الأرض كان خاطئًا. الحصى كان “مرتبًا” أكثر مما ينبغي. الريح كانت مقطوعة من جهة دون أخرى، كأن شيئًا يسدها.

رفعت كفي. توقف سليم فورًا. ضغط العصا إلى صدره، وكتم المانا حتى صار الهواء حوله بلا رائحة.

تقدمت خطوة واحدة فقط، ثم رأيت الخيط: خيط رفيع مقوّى بالمانا، مموّه، ممتد بين صخرتين عند مستوى الركبة تقريبًا. إذا دخلنا… سنفعل ما يريدون: نُعلن مكاننا بارتطام الحجر، أو نسقط شبكة، أو نُغلق علينا الممر.

لم نعد نستطيع أن نعيش في “منطقة الأخطاء”. الآن الأخطاء تعني نصف مستوى لشخص آخر.

تراجعنا بزاوية حادة، واخترنا مسارًا جانبيًا يصعد أكثر. كان المسار صعبًا، صخره زلق، لكن الصعوبة هنا صديق: الصعب يقلل من عدد من يطاردك.

لم نقطع مسافة طويلة حتى جاء أول اختبار حقيقي لليوم.

لم يظهروا من الأمام فقط. ظهروا من الأعلى، ثم من الجانب. عشرون… ربما أكثر بقليل. لكنهم لم يندفعوا كلهم. كانوا موزعين كأنهم يديرون مسرحًا: بعضهم يُظهر نفسه ليدفعنا إلى زاوية، والبعض يختبئ ليقطع الهرب عندما نتحرك كما يتوقعون.

سمعت همسًا من فوق، واضحًا كفاية ليصل:

“لا نريد العشرينات… نريد المتصدّر. نصف.”

لم يقولوا نصف مستوى “لأنه جميل”، قالوه كأنه كلمة سرّ تشعل الدم.

وقفتُ أمام سليم نصف خطوة، لا استعراضًا، بل لأن أول هدف لهم هو فصلنا. إذا فصلونا، صار سليم مكافأة سهلة. وإذا صار مكافأة سهلة… انتهينا.

اندفع أول اثنين من اليمين بسكاكين قصيرة وتعزيز داخلي سريع. السيف قطع الهجمة الأولى بضربة على الرسغ، الدم خرج وسقط السكين. الثاني حاول أن يمر من جانبي… فدخلت ضربة على الفخذ، عميقة، قصّت خطوته وأسقطته على ركبته. صرخ صرخة مكتومة ثم تحول صوته إلى أنين، يضغط على الجرح كأنه يحاول أن يمنع الحياة من الهرب.

الثالث حاول أن يلف من الخلف. سليم لم يفتح ضوءًا. لم يطلق كرة مانا. فقط خرجت منه كلمة واحدة، همسًا، كأنها تُقال للقدم لا للوجه:

“تعثّر.”

اختلت خطوة الرجل لحظة. لحظة واحدة. السيف دخل في كتفه ثم خرج إلى جانبه. الدم اندفع. الرجل شهق وسقط.

الباقون لم يتراجعوا. كانوا يعرفون أنهم كثيرون، وأن الوقت يعمل لهم. حاولوا أن يضغطوا علينا من جهتين، وأن يدفعونا نحو منطقة مفتوحة حيث يمكن لخمسة فرق أن تقفز علينا من الأعلى.

لم أسمح بذلك. تحركتُ إلى الداخل، نحو صخرة بارزة تجعل القتال خطيًا. خطيًّا يعني: يدخل اثنان بدل عشرة.

لكنهم لم يكونوا هواة. أحدهم ألقى شبكة مقوّاة بالمانا من الأعلى. الشبكة لم تتوهج ضوءًا فاضحًا، لكنها كانت كافية لتلتف حول الحركة إن لم انتبه. قفزت إلى الجانب، وقطعت طرف الشبكة بنصل السيف قبل أن تُغلق. طرف الشبكة سقط وارتطم بالحجر كصفعة، لكن لم يهم. الضجيج الآن لم يعد ما يرعبنا… الرعب الحقيقي هو الانحشار.

سليم ضغط العصا إلى صدره أكثر، ثم همس:

“ثِقل.”

لم يتجمدوا، لكن اندفاع اثنين منهم تباطأ لحظة. هذا سمح لي أن أضرب الأول ضربة في الصدر تُسقط النفس، والثاني ضربة في الذراع تُسقط السلاح. سقطا، يتلوّيان، ينزفان، يصرخان، ثم صمتا تدريجيًا. وبعد ثوانٍ تشقق الهواء فوقهما واختفيا، تاركين بقع الدم ورائحة الحديد التي لا تُنسى.

بدأت الحلقة تتراجع خطوة… لا لأنها رحيمة، بل لأنها فهمت أن الاقتراب المباشر الآن مكلف. هم لا يريدون أن يخسروا عشرين ليمسكوا بخمسين. يريدون “ضربة نظيفة”. لذلك غيروا الأسلوب.

انسحبوا إلى الأعلى، ثم بدأوا يرمون رماح مانا صغيرة، قصيرة، لا تضرب لتقتل فورًا، بل لتجبرنا على التحرك في الاتجاه الذي يريدونه.

رمح مرّ قرب رأسي وخدش الصخر. رمح آخر ضرب الأرض أمام قدم سليم. رماح مثل وخز الإبر، لكنها تصنع خط سير.

عرفت الاتجاه الذي يريدونه: نحو شق صخري هابط ينتهي بمنطقة أوسع… حيث يمكن أن ينتظر أكثر.

لم أتبع الخط. لم أركض عكسه أيضًا، لأن العكس يكون متوقعًا. اخترت الحل الذي لا يحبونه: صعود قصير فوق صخرة قاسية، ثم قفزة إلى مسار جانبي ضيق. المسار لا يمر فيه إلا واحد أو اثنان. لا يمر فيه عشرون.

قفزت أولًا. سليم تبعني بخفة داخلية، بلا وميض، كأن المانا في ساقيه تعمل كعضلة إضافية.

من خلفنا، سمعت صراخًا غاضبًا:

“لا تتركوه يصعد!”

ثم صمت. ثم حركة. بدأوا يتبعون.

دخل أول صياد المسار خلفنا. كان سريعًا. هذا النوع يظن أن السرعة تعني السيطرة. عندما اقترب، ضربته بالسيف ضربة على الكتف، ففتح الدم. صرخ، وتراجع خطوة، ثم حاول أن يندفع مرة أخرى بعناد. سليم همس:

“توقف.”

تردد الرجل لحظة، لحظة واحدة. السيف استغلها بضربة ثانية على الجانب تحت الأضلاع. شهق الرجل وسقط على ركبته وهو يضغط على الجرح. لم يختفِ فورًا. بقي يتلوى، يختنق، يذوق النهاية كما هي. ثم اختفى عندما صار آخر نفس على وشك أن يهرب.

الثاني والثالث لم يدخلا المسار. توقفا عند المدخل. هذا ذكاء: لا تدخل حيث تفقد العدد. بدأا يبحثان عن فتحة جانبية يلتفان منها.

وهنا ظهر الوجه الحقيقي للقاعدة الجديدة: الناس لم تعد تريد معركة “شريفة”. تريد أن تحاصر وتستنزف وتنتظر لحظة.

تركنا المسار الضيق قبل أن يلتفوا. خرجنا إلى منطقة أقواس صخرية عريضة نسبياً، لكنها مليئة بممرات فرعية. هذا المكان يسمح بخدعة واحدة: أن تُغلق على خصمك، لا أن تُغلق عليك.

اخترنا قوسًا طويلًا، ودخلنا تحته، ثم انعطفنا إلى مسار فرعي يقود إلى “جيب” خلفي. هناك وقفنا دقيقة واحدة فقط.

كانت دقيقة تتنفس فيها الخطة.

سمعت خطواتهم تقترب، ثم ترددهم عند المفترق. كانوا لا يروننا. لكنهم يعرفون أننا قريبون. هذه اللحظة هي التي تجعل صيادًا يخطئ.

تحرك أول فريق من خمسة إلى المسار الخطأ… المسار الذي تركت فيه أثرًا مقصودًا بحجر صغير في البداية. دخلوا بثقة.

ثم سمعنا هديرًا بعيدًا. وحش صاعد شمّ المانا المكبوتة والدم القديم. جاء نحو المسار الخطأ.

لم نطلقه نحن. لم نستدعه. هم استدعوه برائحتهم.

لم ننتظر النهاية. تحركنا فورًا بعيدًا عن أي نقطة قد تجذب الوحش إلينا. لأن الوحش إذا وصل، لن يفرق بين صياد وصيد.

---

في منتصف النهار، وبعد عدة التفافات، شعرنا بشيءٍ جديد: ليس مطاردةً مباشرة فقط، بل حائطًا.

كأن الطرق حولنا بدأت تُغلق بفخاخ صغيرة متتالية: خيط هنا، شبكة هناك، صخرة معلقة في مكان ثالث. لم تكن فخاخًا لصيد وحيد، بل فخاخًا لصنع “ممر إجباري”. يريدوننا أن نتحرك في اتجاه واحد: اتجاه يُحضّرونه لمشهد أكبر.

المشهد الأكبر لا يكون إلا لسبب واحد: نصف مستوى المتصدّر.

لم أحب فكرة أن نقاد. قررت كسر الحائط بدل أن أتجاوزه.

اخترت ممرًا صخريًا يبدو “مظلمًا” وغير جذاب، لا يختاره من يبحث عن صيد سهل. دخلناه ببطء. كل خطوة محسوبة. لا حصى يطقطق. لا غصن ينكسر.

في منتصف الممر، خرج علينا فريق واحد فقط. خمسة. وقفوا بثقة. هذه ليست مواجهة عشوائية. هذه “بوابة”: فريق صغير يمنع المرور حتى تصل الفرق الأخرى من الخلف.

القائد بينهم قال بصوت خافت:

“لا نريد قتالك… فقط نريد الأبيض.”

لم يُكمل. لأنه كان يظن أن الكلام سيفتح تفاوضًا. لكن التفاوض هنا هو تأخير حتى تُطبق الشبكة.

اندفع أول اثنين نحو سليم مباشرة. هذه المرة لم أسمح لهم حتى أن يقتربوا من نصف خطوة. دخل السيف بينهما كخط أحمر. ضربة على معصم الأول، سقط سلاحه. ضربة على صدر الثاني، شهق وسقط.

الثالث حاول أن يدخل على جانبي. سليم همس:

“سقوط.”

سقط الرجل على ركبته قبل أن يثبت قدمه، وارتطم وجهه بالحجر. الدم خرج من فمه. صرخ صرخة قصيرة ثم انقطع إلى أنين. الرابع تراجع خطوة خوفًا من أن يصير التالي. والخامس—القائد—حاول أن يفتح مانا ليدفعنا خارج الممر.

هنا كان يجب أن نُنهي بسرعة، لأن المعركة الطويلة تجلب موجة أخرى.

اندفعت نحو القائد. تلقيت جزءًا من موجته على كتفي، الألم اشتعل كأن النار صعدت إلى العظم. لكنني وصلت. السيف ضرب معصمه، انطفأت المانا. ضربة ثانية في الجانب فتحت الدم. سقط يلهث، يضغط على جرحه، عيناه تتسعان.

واحدًا بعد واحد… بدأوا يختفون بعد أن تذوقوا النهاية. بقيت بقع الدم في الممر، وهذا يعني أن الوحوش ستأتي لاحقًا. لكننا لم نكن هناك لننتظر.

خرجنا من الممر إلى مرتفع صغير، وهناك فقط تنفّس سليم بعمقٍ خافت. ثم فتح واجهته لثانية واحدة… وأغلقها بسرعة.

رأيت في عينيه شيئًا مختلفًا: ليس فرحًا بالزيادة، بل استغراب.

تحرك شفاهه بكلمة واحدة:

“الشريط…”

ثم سكت لحظة، كأنه لا يريد أن يقولها بصوت.

لكنني فهمت ما يقصده قبل أن يشرح. الشريط—ذلك التقدم داخل المستوى—لم يعد يقفز كما كان. صار يتحرك ببطء، حتى مع المكاسب الكبيرة.

قال بصوتٍ منخفض جدًا، كأنه يشرح لنفسه:

“المستوى… صار أثقل. كأن الصعود… يطلب أكثر.”

لم تكن جملة تبرير. كانت ملاحظة عملية. وهذا ما نحتاجه: في القمة، لا تصعد لأنك قتلت كثيرًا فقط… تصعد لأنك تحملت تكلفة أكبر.

هذا جعل الرقم أقل جنونًا، لكنه جعل شيئًا آخر أكثر رعبًا: إذا صار الصعود أصعب، فإن نصف مستوى المتصدّر صار أكثر قيمة أيضًا، لأن الوصول إلى الخمسين والستين من الطريق العادي صار أبطأ. القفزة أصبحت تُختصر بقتل واحد.

وهذا بالضبط ما أراده المشرف.

---

مع غروب اليوم، أدركنا أن الهجوم لن يتوقف. الإعلان صنع موجة جديدة، حتى من الذين كانوا يخافون الأسبوع الماضي. الخوف لم يمت، لكن “نصف المستوى” صار دواءً يقتل الخوف مؤقتًا.

بدأت تظهر محاولات مختلفة: ليس قتالًا مباشرًا، بل استنزاف.

في إحدى المرات، وجدنا نقطة ماء صغيرة كانت دائمًا هادئة… لكنها اليوم كانت خالية بطريقة غير طبيعية. لا وحوش، لا بشر، لا أثر. مجرد ماء.

هذا وحده كان فخًا.

لم نقترب. التففنا. وبعد دقائق سمعنا صراخًا بعيدًا من نفس الجهة. فريق آخر وقع في فخٍ كان معدًا لمن يشرب. هذا أكد أن الصيادين صاروا يزرعون “مصائد عامة”، لا يهم من يقع فيها… المهم أن تقلّ الأعداد، وأن يظل المتصدّر بلا موارد.

لكنهم لم يفهموا شيئًا واحدًا: المتصدّر لا يعيش فقط على الماء… يعيش على القرار.

وفي نهاية اليوم، عند حافة شق صخري، سمعنا حركة كبيرة. عشرات تتحرك في صمت. كان واضحًا أن موجة أكبر تُحضّر.

وقفنا خلف صخرة، ننظر إلى المسار الوحيد المتاح أمامنا. سليم ضغط العصا إلى صدره، والكتم كامل. لم ينظر إلى اللائحة. لم يحتج. ما نراه أمامنا يكفي.

من بعيد، وصلتنا جملة واحدة، همسها أحدهم كأنه يتلو صلاة:

“نصف… نصف… نصف…”

ثم سكت. وكأن الجملة وحدها تكفي لتجعل الناس تقتل.

شدّدت قبضتي على السيف. الألم في كتفي صار نبضًا ساخنًا، لكنني لم أسمح له أن يبطئني. أمام هذا العدد المتزايد، لم يكن هناك خيار أن نعيش على “تجنب”. اليوم الموالي سيحمل شيئًا أكبر، لأن الإعلان لا يهدأ بعد يوم واحد.

تحركنا في العتمة نحو مخبأ جديد، وأنا أعرف—بوضوح بارد—أن القاعدة الجديدة لم تكن مكافأة لأحد، بل كانت إعلانًا بأن الجزيرة تريد أن ترى المتصدّر يُطارد حتى آخر نفس… سواء صعد أكثر بالـ30%، أو سقط ليمنح نصفه لغيره.

وكان علينا أن نُفشل هذا المخطط… مرة أخرى.

2026/03/11 · 10 مشاهدة · 1884 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026