قالها سليم وهو يحاول أن يستعيد أنفاسه من دون أن يفضحها:

“وصلت… ثلاثة وسبعين.”

لم يكن في صوته فرح. كان في نبرته ذلك النوع من الواقعية الباردة التي تُولد عندما ترى مئتي شخص يطاردونك ثم يصبحون رمادًا في دقائق. جلس عند حافة صخرة سوداء، والعصا لا تزال ملتصقة بصدره كأنها جزء من أضلعه. عيناه كانتا ثابتتين، لكنهما مُتعبتان… مُتعبتان على نحوٍ لا يخص الجسد فقط.

لم أسأله “كيف”، لأننا كنا نعرف. الإعصار لم يبتلع الصيادين الذين كانوا يضغطون علينا فقط… بل ابتلع شيئًا آخر كان مختبئًا في الظلال القريبة. عرفنا ذلك من العلامات التي بقيت بعد انقشاع الدخان: آثار مخالب أعمق من آثار البشر، خدوش على الصخر لا تصنعها سكاكين، وبقع احتراق كانت تأخذ شكل أجساد أكبر من أن تكون أجسادًا بشرية. ثم تلك اللحظات الغريبة، حين كان الهواء يتشقق فوق أماكن في الساحة لا يقف فيها إنسان… وكأن شيئًا غير مرئي كان ينهار هناك أيضًا، ويختفي بعد أن يذوق نهايته.

تحركنا مباشرة بعد انطفاء الإعصار. لم نملك رفاهية الوقوف وسط رائحة لحمٍ محترق وغبارٍ أسود يصرخ للوحوش والعيون: “هنا حدث شيء.” السيف في يدي كان ساخنًا، يلسع الكف عند المقابض المعدنية، وكتفي المصاب كان يشتعل كلما رفعت ذراعي. سليم كان يمشي ببطء محسوب، يضغط المانا للداخل حتى لا تخرج منه رائحة، ومع ذلك كانت في خطواته خفة جديدة، خفة رجل صعد فجأة فوق مستوى كان يستنزفه ببطء قبل يومين.

بعد مسافة من الصخور المكسورة، توقفنا في شقٍّ ضيق لا يراه من ينظر من الأعلى بسهولة. جلستُ أسند ظهري للحجر وأغمضت عيني لحظة، ليس راحةً، بل لأمنع الدوار من أن يسرق قراري. سليم بقي واقفًا، يراقب مدخل الشق كما يراقب طالب قانون باب قاعة الامتحان وهو يعرف أن الوقت لم يبدأ… لكنه سيبدأ بأي لحظة.

قال بصوت خافت، وكأنه يضع قيدًا على نفسه قبل أن يضعه على العالم:

“الإعصار… يستنزف نصف مخزوني.”

ثم بعد صمت قصير:

“ولا أقدر أستخدمه إلا مرة كل ست ساعات.”

كنت أسمع الجملة وأشعر أن الجزيرة نفسها وضعت يدها على كتفه. قوة بهذا الحجم لو كانت تُستخدم بلا حد، لصارت نهاية المرحلة في يومين. لكن الكلفة هنا ليست فقط “مانا”، الكلفة هي أن كل مرة تستعمل فيها شيئًا كهذا تُعلن عن نفسك، وتترك أثرًا، وتُغير شكل الخوف في الجزيرة. ست ساعات… تعني أن الإعصار ليس سلاحًا تُقاتل به… بل حكمًا تُصدره عندما تنغلق الأبواب.

أومأت دون أن أزيد كلمة. في هذا المكان، حتى الكلمات الزائدة تُصبح عدوًا.

كنا نظن أن الليل سيمنحنا ساعة واحدة من صمتٍ نعيد فيها ترتيب التنفس… لكن الجزيرة لا تمنح هدايا مجانية. الهواء تشقق فوقنا فجأة، وكأن صفحة السماء انفتحت في موضعٍ واحد، وظهر المشرف.

ظهوره كان دائمًا يقتل الإيقاع. لا لأن الوقت يتوقف فعليًا، بل لأن العقل يتوقف لحظة ليُعيد تعريف العالم وفق ما سيقال.

قال بصوته البارد:

“إعلان.”

لم أتحرك. سليم لم يتحرك. حتى العصا في يده بدت كأنها تتجمد. كان علينا أن نسمع… لأن كل إعلان هنا يُغير قواعد البقاء.

تابع المشرف، وكأنه يقرأ تقريرًا إداريًا لا علاقة له بالدم:

“عدد المناطق داخل الجزيرة: عشر مناطق.”

ثم أضاف بدون مقدمات:

“منطقتكم… تمتلك أعلى متصدر حتى الآن.”

شعرت بشيءٍ بارد يهبط في معدتي. أعلى متصدر… يعني أن اسم سليم الرمزي صار ليس فقط “الأول”، بل “الأول بين عشرة مناطق”. هذا لا يرفع قدره فقط… هذا يرفع سعر رأسه في عقل كل جائع للنسبة.

رفع المشرف يده قليلًا، وأكمل:

“المتبقي من المشاركين: خمسة آلاف.”

خمسة آلاف من مئة ألف. الرقم كان كافيًا ليرسم مقبرة في عقلي. خمس وتسعون ألف نهاية… في شهرٍ واحد تقريبًا. الغابة تأكل بسرعة، والإنسان يأكل أسرع منها عندما يُغرى.

ثم قال المشرف الجملة التي جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل:

“سيتم تعديل القواعد قليلًا.”

سكت لحظة… تلك اللحظة التي يحبها المشرف، لحظة ترك الرقم يتخمر في العقول.

ثم:

“الصيادون… إذا قتلوا المتصدر… سيحصلون على ستون مستوى من مستواه.”

لم أسمعها كقاعدة. سمعتها كفتيل. ستون مستوى… ليست “زيادة”، بل ولادة متصدر جديد فورًا. مهما كان مستواك الآن، إذا قتلت المتصدر ستقفز قفزة تجعل كل ما قبلها يبدو لعب أطفال. سيصير كل واحد في الجزيرة يرى سليم كاختصار حياة.

وأكمل المشرف، كأنه يوازن الميزان حتى لا ينهار بسرعة:

“أما المتصدر… فسيحصل على تسعين بالمئة من خبرة كل من يقتله.”

تسعون بالمئة. هذا يعني أن من يهاجم سليم ويخسر، لا يخسر فقط حياته… بل يرفع المتصدر بسرعة جنونية. كأن الجزيرة تريد أن تصنع أسطورة أو قبرًا، بلا خيار ثالث.

اختفى المشرف كما ظهر. تشقق الهواء وانغلق، وبقيت الكلمات في الداخل كمسامير.

لم أحتج أن أنظر إلى سليم لأعرف ما يفكر فيه. لكنني فعلت. كان ينظر إلى الفراغ أمامه، كأنه يرى شكل المطاردة القادمة قبل أن تبدأ. ثم فتح واجهته لثانية واحدة، وأغلقها فورًا، ونطق بكلمة واحدة فقط:

“الشريط…”

قالها كمن يبتلع مرارة. الشريط الذي يمتلئ داخل المستوى… كان قد صار أطول، أثقل. حتى مع التسعين بالمئة، الصعود في القمة لا يصبح “مجانيًا”. القمة ليست سلمًا؛ القمة جدار يجب أن تحفره بمسمار.

ومع ذلك… ستون مستوى لمن يقتل المتصدر تجعل الناس لا يهتمون إن كان الشريط طويلًا. سيبحثون عن الضربة الأخيرة. سيبحثون عن “لحظة سقوط”. سيبحثون عن ثانية واحدة فقط، حتى لو ماتوا بعدها.

خرجنا من الشق قبل أن تبدأ العيون في التحرك نحونا. لم يكن هذا خوفًا من “فريق”، بل من “الخبر”. إعلان المشرف ليس مجرد نص… هو إشعال. كل من سمعه سيعيد ترتيب مساراته فورًا. ومنطقتنا—بوصفها صاحبة أعلى متصدر—ستصبح مثل بقعة حمراء على خريطة صيد غير مرئية.

تحركنا نحو الصخور القوسيّة التي عرفناها كممرات تكسر العدد. كنا نختار المسارات التي تُجبر المطارد أن يدخل واحدًا واحدًا، لا عشرة دفعة واحدة. لكني كنت أشعر، خطوة بعد خطوة، أن المساحة تضيق لا لأن الجزيرة تغيّرت، بل لأن البشر صاروا شبكة.

رأينا أول علامة بعد ساعة فقط: فريق من خمسة عند مرتفع بعيد. كانوا يقفون بلا حركة. ليسوا صيادين يبحثون عن قتال، بل عيون تبحث عن اتجاه. أحدهم ينظر إلى واجهته ثم يشير. لا يحتاج أن يرى وجوهنا كي يعرف أننا “هنا”. يكفي أن يعرف أن المتصدر في هذه المنطقة، وأنه الأعلى.

انسحبنا بزاوية حادة. لم نُقاتل. ليس لأننا لا نستطيع، بل لأن كل قتال—حتى لو ربحناه—سيترك أثرًا يجلب عشرة فرق إضافية. ستون مستوى تجعل أي خبر “رائحة”.

لكننا لم ننجُ من قتال ذلك اليوم. القتال جاء إلينا كما تأتي الضرائب: بلا استئذان.

في ممر صخري ضيق، ظهر فريق من خمسة فجأة من خلف نتوء، لا يصرخون ولا يضيئون. أرادوا قتلًا نظيفًا. واحد منهم اندفع مباشرة نحو سليم، ليس لأنه شجاع، بل لأنه يريد أن يكون “الأخير”.

تقدمتُ خطوة، والسيف قطع الطريق. ضربة على المعصم أولًا، سلاح يسقط. ضربة ثانية على الفخذ، خطوة تنهار. الرجل صرخ صرخة قصيرة ثم تحولت إلى أنين وهو يضغط على الجرح، عينيه تتسعان كما لو أنه تذكر فجأة أن النهاية هنا تُذاق.

الثاني حاول أن يلتف خلفي. سليم همس بكلمة واحدة:

“توقف.”

تردد الرجل لحظة… لحظة واحدة تكفي. السيف دخل في كتفه ثم في جانبه. الدم اندفع، والرجل سقط على ركبته وهو يختنق. لم يختفِ فورًا. بقي يتلوى، يتنفس بصعوبة، ثم تشقق الهواء فوقه واختفى بعد أن خفتت مقاومته تمامًا.

الثالث والرابع والخامس تراجعوا نصف خطوة عندما رأوا كيف سقط اثنان بسرعة. هذا التراجع لم يكن خوفًا من موتهم… بل خوفًا من أن يموتوا قبل أن يصلوا إلى “الضربة الأخيرة” على المتصدر. الطمع يجعلهم يفضلون الحياة ثانيتين إضافيتين إذا كانت الثانيتان قد تمنحانهم الستين.

هنا تغيّرت حركة سليم. لم تكن حركة استعراض، بل حركة قاسية: ضغط المانا داخليًا في ساقيه، فتقدم خطوة جانبية بلا وميض، ثم قال كلمة واحدة بحدة:

“ثِقل.”

اثنان من الثلاثة تباطآ لحظة، وكأن الأرض صارت لزجة. السيف أخذ تلك اللحظة: ضربة على الصدر، ثم على الذراع. سقطا، صراخ قصير، ثم اختناق، ثم صمت. الثالث هرب فورًا. لم أطارده. الهارب يحمل عينًا، والعين تقود شبكة.

حين ابتعدنا دقائق، سمعنا هديرًا بعيدًا. ليس هدير بشر. الوحوش شمّت الدم والمانا المكبوتة. الإعصار لن يُستخدم؛ ست ساعات لم تمرّ، ونصف مخزون المانا ليس شيئًا يُنفق على معركة صغيرة. صرنا نتحرك بسرعة صامتة، نترك خلفنا ما يمكن أن يلتهمه المفترس بدل أن يلتهمنا.

مع حلول المساء، كان واضحًا أن إعلان المشرف أحدث شيئًا لم يكن موجودًا بالأمس: “المنطقة” صارت وحدة حرب. عشرة مناطق… تعني عشرة أسواق صيد، وكل سوق يحاول أن يخرج منه متصدر واحد، أو أن يُسقط متصدرًا ليصنع متصدرًا جديدًا.

لمحت ذلك في طريقة البشر: فرق لا تتقاتل فيما بينها الآن إلا قليلًا. يتركون خلافاتهم، يتركون صراعاتهم الصغيرة، لأن الجائزة الكبرى الآن ليست 10% ولا حتى نصف مستوى… بل ستون مستوى كاملة. ستون مستوى تجعل حتى المتشددين ينسون كراهيتهم لبعضهم للحظات.

في أحد الممرات، سمعنا همسًا بين فريقين متقابلين على مسافة، ليس همس تهديد بل همس تفاهم:

“نترك بعض الآن… الهدف أعلى.”

ثم انسحبوا من بعضهم كمن يؤجل جريمة أكبر.

كانت الجزيرة تبتسم بلا صوت.

في الليل، جلسنا في تجويف صخري مرتفع، نراقب مسارين. سليم فتح واجهته لثانية واحدة ثم أغلقها، وكنت أرى في حدقة عينه انعكاسًا لشيء ثقيل: ليس رقم 73 فقط… بل ثقل كونه الأعلى في المنطقة الأعلى.

قال بصوتٍ منخفض:

“تسعون بالمئة… تجعلني إذا قتلت… أصعد بسرعة.”

ثم سكت لحظة، وأضاف:

“لكن… الإعصار… نصف مخزون… وست ساعات.”

لم يكن يشكو. كان يحسب. سليم صار يحسب كمن يقيس قانونًا جديدًا: القوة الكبيرة لها تكلفة كبيرة، والقواعد الجديدة تجعل كل خطأ يساوي كارثة.

خارج التجويف، كانت الريح تحمل أصواتًا بعيدة. ليس صراخًا، بل إشارات. صفير قصير من جهة، ثم صفير يرد من جهة أخرى. لم تكن وحوشًا. كانت بشرًا يتواصلون… كشبكة.

خمسة آلاف متبقون… يعني أن من بقي حيًا صار أذكى أو أقسى أو أكثر حظًا. ومع القواعد الجديدة، الذكاء سيتحول إلى هندسة فخاخ، والأقسى سيتحول إلى “محاولة واحدة”: إسقاط المتصدر بأي ثمن، لأن الثمن يعود عليهم بستين مستوى.

لم أنم تلك الليلة إلا نصف نوم. لم لأن الخوف كان يصرخ، بل لأن عقلي كان يكتب احتمالات:

إذا هاجمونا جماعة… سيتحول العدد إلى سلاح، لكن الممرات قد تكسره.

إذا استنزفونا… الماء والنوم سيصبحان فخًا.

إذا حاولوا عزل سليم… هذا أخطر سيناريو، لأن كل خطوة منفردة تساوي ستين مستوى لشخص آخر.

ومع طلوع ضوء رمادي خفيف، جاء الدليل الأول أن القواعد الجديدة بدأت تعمل فورًا.

سمعنا من بعيد صرخة واحدة طويلة، ثم صمت. ثم صرخة ثانية من جهة أخرى. ثم هدير وحش. ثم صمت. لم نرَ شيئًا، لكننا فهمنا: الناس بدأت تقتل أكثر، بسرعة أكبر، لأن التسعين بالمئة للمتصدر تجعل كل قتل يغير موقعك، وستون مستوى تجعل كل طعنة تجاه المتصدر حلمًا.

أمسك سليم العصا إلى صدره، وكتم المانا حتى صار الهواء حوله ميتًا. نظر إليّ نظرة واحدة فقط. لم تقل “سننجو” ولا “سنموت”. قالت شيئًا أبرد:

الجزيرة رفعت الرهان… والآن ستأتي الطلقات من كل اتجاه.

نهضنا وتحركنا قبل أن يكتمل الضوء، لأن الضوء يفضح الممرات، ولأن المنطقة التي تحمل أعلى متصدر صارت الآن—بحكم الإعلان—مسرحًا مفتوحًا لخمسة آلاف عقل يجرون خلف نفس الجائزة.

2026/03/13 · 9 مشاهدة · 1686 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026