لم أعرف متى صار الزمن “ثلاثة أشهر”.
في الجزيرة، الشهور لا تُقاس بالشمس، بل بعدد المرات التي تخرج فيها من معركة وأنت ناقصٌ شيئًا: نفسًا، أو شعورًا، أو جزءًا من جسدك لا يعود كما كان.
كان كل شيءٍ حولنا قد تحوّل إلى لونٍ واحد: لون الحديد حين يختلط بالماء والتراب.
أرضٌ مشبعة بالدم، صخورٌ سوداء من أثر الحريق، هواءٌ ثقيل كأنه يتردد قبل أن يدخل صدرك. المكان الذي اخترناه يومًا كمعبرٍ صخري صار الآن بحر دم؛ ليس مجازًا كاملًا، بل حقيقة تُرى: بقعٌ متصلة، سيلانٌ قديم صار خطوطًا، ورائحةٌ لا تفارق الأنف مهما ابتعدت.
وقف سليم إلى جانبي، العصا ملتصقة بصدره كأنها جزءٌ من القفص الصدري. كان وجهه تحت القناع شاحبًا، لكن عينيه… عينيه لم تعودا عيني طالبٍ يتعلم. صارتا عينين تعرفان كيف تُغلقان على الندم قبل أن يخرج.
فتح واجهته لثانية واحدة، ثم أغلقها كما يفعل دائمًا، كأن النظر الطويل إلى الأرقام يفتح بابًا لنوعٍ آخر من الجنون. لكن هذه المرة لم يحتج أن يطيل. قال الرقم فقط، بصوتٍ منخفض كأنه يخشى أن يسمعه الهواء:
“تسعة وتسعون.”
لم يقلها بفخر. قالها كمن يقرأ آخر بندٍ في لائحة طويلة من الرعب. تسعة وتسعون… رقمٌ قريبٌ من حافةٍ لا أعرف ما بعدها، لكنه كان كافيًا ليجعل كل من بقي حيًا في الجزيرة—في أي مكان—يفكر أن الاقتراب منه يساوي حياةً كاملة… أو نهايةً كاملة.
ومع ذلك… كان أكثر ما يخنقني ليس الرقم. كان الصمت.
في الإعلان الأخير الذي لا يزال صداه يرنّ في رأسي، كانت منطقتنا تضم ألف مشارك. ألف.
أما الآن… فحين أستدير وأتأمل المساحة التي كان يمكن أن تختبئ فيها عشرات الفرق، لا أرى أحدًا. لا حركة. لا همس. لا عيون على الحواف. لا أثر “توازن” بشري.
لا يوجد في منطقتنا إلا نحن.
---
لم يكن الوصول إلى هذه النقطة حدثًا واحدًا، بل سلسلة من الأيام التي تكررت حتى فقدت شكلها، ثم تحولت إلى شيءٍ أقسى من التكرار: عادة.
منذ اللحظة التي تحولت فيها مكافأة قتل المتصدّر إلى قفزة جنونية، صار كل من في منطقتنا—وهم ألفٌ يومها—يتحرك كأن الجزيرة ضاقت عليهم فجأة. بعضهم حاول أن يختبئ ويصبر، لكن الصبر في القمة يتحول إلى استنزاف. وبعضهم قرر أن يسبق الآخرين إلى “الضربة الأخيرة”، فصارت فرقٌ تقتل فرقًا قبل أن تصل إلينا، فقط كي تُنقص المنافسين على الستين مستوى.
كانت المنطقة تُؤكل من الداخل، ونحن في قلبها كقلبٍ لا يمكن أن يتوقف. كل خطوةٍ لنا كانت تُنتج مطاردة. وكل مطاردة كانت تُنتج قتالًا. وكل قتال كان يرفع سليم، ثم يرفع الطمع، ثم يعيد الحلقة من جديد.
تعلمنا بسرعة أن القتال لم يعد يُدار كمعركة واحدة.
صار يُدار كجدول: ست ساعات… ثم ست ساعات… ثم ست ساعات.
لأن “إعصار النار” لم يكن نعمةً تُستعمل متى شئنا. كان سكينًا ذا حدّين: يفتح الساحة، لكنّه يأخذ نصف مخزون المانا، ويترك سليم لفترةٍ طويلة وهو يعرف أنه لا يملك حق استعماله ثانية قبل أن يمر الوقت.
في البداية كنت أعدّ الست ساعات مثل حارسٍ يعدّ نوبات الليل، ثم صرتُ أعدّها في جسدي: من موضع الألم في ظهر اليد، إلى ثقل التنفس، إلى الطريقة التي يرتخي بها الكتف لحظة يعود المخزون ببطء.
وكان سليم—كلما استخدم الإعصار—يخرج منه أقل كلامًا. لا لأن الكلام مُنع، بل لأن كل استعمال كان يأخذ شيئًا من الداخل ويترك مكانه فراغًا باردًا.
---
في الأسبوع الأول بعد القواعد الجديدة، كان الصيادون يأتون كالموج.
خمساتٌ تتقدم بذكاء، ثم خمساتٌ أخرى تغلق المخارج، ثم فرقٌ تراقب من بعيد لتدخل عند سقوطنا.
في تلك الأيام كنت أحس أن السيف صار امتدادًا لكتفي لا ليدي. لا وقت لأفكار طويلة. الضربة الأولى تمنع الوصول، الثانية تكسر التوازن، والثالثة تنهي المقاومة. كل شيءٍ يجب أن يكون سريعًا، لأن أي بطء يساوي طعنة في ظهر سليم… وطعنة واحدة تساوي قفزة ستين مستوى لمن يضعها.
كنت أسحب القتال دائمًا نحو الصخور الضيقة، نحو الممرات التي تُجبر العدد أن يصير عبئًا.
أجعلهم يدخلون واحدًا واحدًا، ثم اثنين، ثم يتكدسون فوق دمائهم.
وكان سليم—من خلف ساترٍ أو عمودٍ حجري—يكسر إيقاعهم بكلمات قصيرة: “توقف”، “سقوط”، “ثقل”، “انحراف”.
لم تكن كلماته تقتل وحدها. كانت تشتري ثانية. والثانية هنا أغلى من كل شيء.
لكن كلما ارتفع سليم، صار الصعود نفسه أبطأ في تفاصيله.
كان الشريط داخل المستوى يطول.
ما كان يمتلئ بقتلٍ واحد في البداية، صار لا يتحرك إلا قليلًا.
حتى عندما يأخذ معظم خبرة من يقتلهم، كان الشريط يزحف بدل أن يقفز. كأن المستوى العالي يبتلع المكاسب ويطلب المزيد.
كنت أرى ذلك دون أن يشرحه لي أحد: سليم يفتح الواجهة لحظة، يراها لا تتحرك كما يتوقع، ثم يغلقها بلا كلمة.
مرة واحدة فقط قالها بصوتٍ منخفض، كأنه لا يريد أن يعترف أن القمة لها قانون مختلف:
“المستوى… صار أثقل.”
ثم عاد إلى الصمت.
---
بعد ذلك… بدأنا نفعل شيئًا لم نكن نفعله كثيرًا: لم نعد ننتظرهم حيث يريدون، صرنا نجعل المنطقة نفسها تتغير لصالحنا.
اخترنا “أرضًا” واحدة ضمن منطقتنا، أرضًا تقطع عنها المياه من جهتين، وتحيط بها صخور قوسيّة عالية، ولها ثلاثة ممرات إجبارية.
كنا نتحرك فيها كأنها مسرحنا، لا لأننا نملكها، بل لأننا حفظنا زواياها حتى صرنا نعرف أي حجرٍ يطقطق وأي ظلٍ يكذب.
هناك… صارت معاركنا تتحول إلى شيءٍ واحد متواصل.
كل فريقٍ يدخل يترك خلفه أثرًا يجلب فريقًا آخر.
كل قطرة دم تجعل الوحوش الصاعدة تشمّ، فتقترب من الأطراف وتلتهم من يحاول الالتفاف بعيدًا.
وكان الصيادون—رغم ذكائهم—يفشلون أمام شيءٍ لا يسيطرون عليه: فوضى العدد عندما ينضغط في مكان ضيق.
كانوا يظنون أنهم يحاصروننا.
لكن الحقيقة أن الأرض كانت تحاصرهم.
أذكر يومًا بعينه—لا أعرف رقمه من الشهر—حين دخلت علينا ثلاثون فرقة متتابعة على امتداد ساعات.
لم يكن دخولًا دفعة واحدة. كان دخولًا منظمًا: خمسة هنا، ثم خمسة، ثم خمسة، وبين كل موجة وموجة خمس دقائق من التردد. كانوا يراقبون ويتعلمون، ويحاولون أن يعرفوا أين يتغير ميزاننا.
وفي وسط ذلك الضغط، تأخر سيفي نصف ثانية بسبب ألمٍ قديم في الكتف.
نصف ثانية فقط.
كادت تكون كافية لسكينٍ أن يصل إلى ضلع سليم. لكن سليم تحرك خطوة جانبية بلا ضوء، وضغط العصا إلى صدره، ثم قال كلمة واحدة لا تحمل زخرفة:
“سقوط.”
سقط المهاجم على وجهه، ارتطم الحجر بأسنانه، وخرج الدم من فمه كأنه اعتراف.
لم أتركه ينهض. ضربة واحدة أنهت حركته.
بعدها… لم يعد سليم مجرد “متصدّر”. صار في عيونهم شيئًا آخر: شخصًا لا تسقطه المفاجأة بسهولة. وهذا وحده قتل جزءًا من شجاعتهم.
لكن الشجاعة في الجزيرة لا تُقتل. تتحول فقط إلى أسلوب جديد.
---
مرّت الأسابيع، وصار “إعصار النار” علامة زمنية داخل حياتنا.
في كل مرة يضيق القفص تمامًا، وفي كل مرة يتأكد سليم أن الممرات كلها مغلقة وأن العدد سيبتلعنا، كان يرفع العصا—لا استعراضًا—ثم يقول العبارة التي صار جسدي يرتجف قبل أن يسمعها:
“إعصار… إعصار النار.”
كانت الحرارة تولد أولًا كفكرة، ثم تتحول إلى شرر، ثم إلى دوامة تلتف على نفسها، ثم إلى عاصفة تبتلع الهواء وتجعله وقودًا.
الصيادون يصرخون، يركضون، يتدافعون، يفتحون مانا عبثًا، فتزداد الفوضى.
ثم تبدأ الأجساد تتساقط: ينهارون، يحترقون، يختنقون، تتسع أعينهم، ثم يختفون بعد أن يذوقوا النهاية حتى آخر ثانية.
لم يكن الإعصار يُنقذنا بلا ثمن.
بعده مباشرة كان سليم يصير أثقل، أبطأ في الحركة لوقتٍ قصير، كأن نصف مخزونه صار حفرة في صدره.
وكان علينا أن نعيش الست ساعات التالية بحذرٍ أشد، لأننا نعلم أن باب الإعصار مغلق… وأن أي حصارٍ جديد لن يملك نفس المخرج.
لكن الشهرين التاليين علّمنا قسوة أخرى: القتال بلا إعصار أحيانًا يكون أسوأ، لكنه يعلّمك كيف تقف على قدميك دون أن تحرق الأرض كلها.
وهكذا… استخدم سليم الإعصار أكثر من عشر مرات.
ليس لأنه يريد، بل لأن الجزيرة كانت تدفعنا إليه كمن يدفع فريسة نحو الهاوية ثم يقول لها: “اقفز.”
---
وعند نهاية الشهر الثالث، لم يعد في منطقتنا “آخرون” لنطاردهم أو يطاردونا.
هم فقط كانوا يأتون… ثم ينتهون.
تدريجيًا صاروا أقل.
أولًا فرق صغيرة تتلاشى.
ثم فرق متوسطة تنقطع أخبارها.
ثم مجموعات كبيرة تختفي في معارك قصيرة وحاسمة.
حتى الوحوش في أطراف المنطقة صارت أقل، لا لأننا طاردناها عمدًا، بل لأن القتال المستمر كان يجذبها، ثم يسحقها في لحظات، فتختفي كما يختفي غيرها.
ومع الوقت—دون أن نعلن ذلك بصوت—صار واضحًا أننا نفعل شيئًا واحدًا: نفرغ المنطقة.
لم يكن ذلك “خطة إبادة” مكتوبة. كان نتيجة منطقية لقواعد المرحلة: كل من يقترب يريد مكافأة كبرى، وكل من يقترب يدخل منطقة قتاله قصيرة ودامية، ثم يختفي.
المنطقة أصبحت مقصلة.
والمقصلة لا تميز.
وفي الأيام الأخيرة من الشهر الثالث، كان الصمت أكثر حضورًا من القتال.
صمتٌ لا يشبه الهدنة، بل يشبه ما قبل سقوط ستارة المسرح.
في صباح اليوم الذي اكتملت فيه الأشهر الثلاثة، وقفنا على أعلى نتوء صخري في منطقتنا.
لا حركة في الأسفل.
لا عيون على الحواف.
لا همس.
الريح وحدها تمر فوق بحر الدم الذي صنعته أقدامنا وأقدامهم.
فتح سليم واجهته ثانية واحدة، ثم أغلقها، وقال الرقم الذي صار خاتمة المرحلة:
“تسعة وتسعون.”
كان الرقم قريبًا من مئة، لكنه لم يكن “نهاية” في عينيه. كان مجرد علامة أن الشريط—رغم طوله وثقله—وصل إلى حافة جديدة.
ثم قال شيئًا أغرب، بصوت لا يحمل دهشة بقدر ما يحمل استيعابًا متأخرًا:
“لا أحد… غيرنا.”
نظرت حولي.
رأيت ما رآه: منطقة كاملة كانت تضم ألفًا… صارت الآن صامتة.
ليس لأنهم هربوا إلى مناطق أخرى—فالحدود والمسارات كانت ستترك أثرًا—بل لأنهم دخلوا… ولم يخرجوا.
ثم تشقق الهواء مرة أخرى.
ظهر المشرف.
صوته كان بنفس البرود، لكنه هذه المرة كان يحمل نبرة “إغلاق ملف”:
“انتهت المرحلة الثانية.”
لم يصفق أحد. لم يهلل أحد. حتى الريح لم تتغير.
تابع:
“تم تثبيت النتائج.”
ثم صمت لحظة، كأنه يترك الأرقام تتسرب إلى عقول من تبقى من خمسة آلاف—أو أقل الآن—في بقية المناطق.
لم يقل القواعد القادمة. لم يفتح باب المرحلة التالية بعد. اكتفى بأن وجوده وحده كافٍ ليجعل القلب يتذكر أنه ما زال داخل نظامٍ أكبر من الدم.
اختفى المشرف.
وبقيت أنا وسليم في منطقة خالية، فوق بحر دمٍ لا يجف، أمام صمتٍ لا يرحم.
كان ينبغي أن أشعر بانتصار.
لكن ما شعرت به كان أقرب إلى شيءٍ آخر:
فراغٌ بارد، وخوفٌ من أن المرحلة القادمة لن تُكافئ القوة وحدها… بل ستختبر ما تبقى من الإنسان بعد ثلاثة أشهر من القتل.
سليم شد العصا إلى صدره، وكتم المانا كما يفعل دائمًا، ثم استدار ببطء نحو الأفق الذي لا نراه: أفق المناطق التسع الأخرى، حيث ما زال هناك بشر، وما زال هناك متصدرون، وما زال هناك طمع.
لم يقل كلمة.
لكن وقفته قالت كل شيء:
المرحلة الثانية انتهت… والجزيرة لم تشبع بعد.