كان اليوم الذي تلا نهاية المرحلة الثانية يشبه يومًا بلا ظلّ.

لا صراخ في البعيد، لا هدير وحوش، لا ارتطام سلاح بحجر… فقط صمتٌ ثقيل، كأن الجزيرة نفسها توقفت لتلتقط أنفاسها بعد ثلاثة أشهر من الذبح.

استيقظتُ وأنا أشعر أن الهواء لا يدخل صدري بسهولة. الرائحة ما زالت في المكان—رائحة الحديد والرماد—لكنها لم تعد رائحة “معركة جارية”، بل رائحة شيءٍ انتهى وترك بصمته على الحجارة. تمددتُ قليلًا داخل الشق الصخري الذي اتخذناه مأوى، ثم نهضت دون أن أُحدث صوتًا، لأن الصمت هنا صار عادة؛ عادة لا تغادر حتى عندما يفترض أن الخطر ابتعد.

كان سليم جالسًا قبالتي، ظهره إلى الصخر، والعصا ملتصقة بصدره كأنها قفلٌ يغلق المانا في الداخل. لم يفتح لائحته. لم يحتج. عيناه وحدهما كانتا تكفيان ليقول: حتى بعد النهاية… ما زال شيءٌ ينتظر.

خرجنا من مخبئنا بعد ساعاتٍ قليلة. لم يكن هناك سبب عاجل؛ لا مطاردة تُغلق علينا الممرات، ولا فرق تراقب من الحواف. ومع ذلك تحركنا، لأن الوقوف في مكان واحد كان دائمًا يعني أن العالم سيأتي إليك بدل أن تذهب إليه.

كانت منطقتنا التي كانت يومًا “ساحة” قد تحولت إلى فراغ.

بحر الدم الذي خلّفته المرحلة الثانية ما زال يشق الأرض في خطوطٍ يابسة، والرماد الأسود يغطي بعض الصخور كوشمٍ لا يُمحى. لم أرَ قدمًا بشرية جديدة فوق ذلك كله. لا أثر لمقاتل تائه، ولا همس لمراقب، ولا حتى طائر يهبط. كأن المكان صار محرّمًا على الحياة.

في منتصف ذلك النهار، حدث الشيء الذي أعاد تعريف كل شيء.

تشقق الهواء فوقنا كما يتشقق قماشٌ مشدود، وظهر المشرف. لم يظهر كإنسانٍ يمشي، بل كحقيقةٍ تُفرض على المكان. صوته لم يكن صراخًا، لكنه وصل إلى العظام مباشرة:

“إعلان.”

وقفتُ دون أن أشعر. وسليم ثبت مكانه، والعصا ما زالت على صدره. حتى الريح بدت وكأنها توقفت لحظة لتسمع.

قال المشرف، ببرودٍ يشبه قراءة تقريرٍ إداري:

“العدد المتبقي… خمسون.”

خمسون.

كنت أسمع الرقم كما يُسمع سقوط بابٍ ضخم في آخر ممرّ. خمسون من مئة ألف… خمسون من بحر الدم… خمسون من صمت المناطق العشر. لم أشعر بالانتصار. شعرت بأن الجزيرة قامت بضغط العالم حتى تركت منه خمسين نفسًا فقط، ثم قالت: والآن نتكلم.

تابع المشرف، وكأنه يضع حجرًا ثانيًا فوق صدري:

“الحواجز بين المناطق… تم حلها.”

ثم جاءت الجملة التي قلبت توقعاتي كلها:

“يرجى التوجه إلى وسط الجزيرة.”

سكت لحظة قصيرة، ثم ختم كلماته بما يشبه السكين البارد:

“القتال… ممنوع.”

اختفى كما ظهر. تشقق الهواء وانغلق، وعاد الصمت… لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمت نهاية، بل صمت أمرٍ جديد.

ظللت واقفًا لحظة أستوعب. خمسون… الحواجز زالت… الذهاب إلى الوسط… والقتال ممنوع. هذه ليست قاعدة صغيرة، هذه تغيير طبيعة المرحلة بالكامل. ثلاثة أشهر ونحن نعيش على الضربة قبل الضربة، على ثواني الكتم والكلمة والسيف… ثم فجأة يُقال لنا: لا تقاتلوا.

التفتُّ إلى سليم. كان ينظر إلى الفراغ أمامه كما لو أنه يرى خريطة لا يراها غيره. ثم حرّك شفتيه بكلمة واحدة خرجت بصوتٍ منخفض:

“ممنوع…”

لم تكن الكلمة سؤالًا، كانت دهشة حذرة. في الجزيرة، كل ممنوع يعني أن وراءه عقوبة أو معنى أكبر، حتى لو لم يُذكر.

شدد سليم قبضته على العصا، ثم وضعها أكثر على صدره، كأنه يُقفل الباب من الداخل. لم يتكلم كثيرًا. لم يحتج. الحركة وحدها قالت: الانضباط أولًا… ثم نفهم.

تحركنا نحو حدود منطقتنا، الحدود التي كانت يومًا خطًا غير مرئي لا يجرؤ أحد على تجاوزه. كنت أتذكرها جيدًا: شعور خفي يضغط على الجلد عندما تقترب، كأن الهواء يرفضك. الآن… لم يكن هناك شيء.

وصلنا إلى المكان الذي كنت أشعر فيه سابقًا بذلك الضغط، فتقدمت خطوة واحدة. لم يحدث شيء. لا مقاومة، لا ارتداد، لا “حائط” خفي. فقط امتدّت الأرض كما هي، صخرٌ يتلو صخرًا، وشجرٌ متفرق، وأثر قديم لمعركة لم تقع هنا.

كانت هذه أول مرة أرى الجزيرة كجزيرة كاملة، لا كعشر أقفاص متجاورة.

تقدّم سليم خلفي. لم ينظر إلى الخلف. لم يتردد. وكأن الحاجز كان في ذهننا أكثر مما كان في الأرض.

واصلنا السير، لا ركضًا، لأن القتال ممنوع، ولأن أي حركة عنيفة قد تُقرأ كنية. لا أعرف كيف تُراقب الجزيرة النية، لكنني تعلمت أن القواعد هنا لا تُكسر بالعضلات فقط، تُكسر بالغرور أيضًا.

كان الطريق نحو الوسط طويلًا بما يكفي ليجعل النفس يفكر رغماً عنه. كنا نمر بمناطق لم نرها من قبل: ممرات صخرية أكثر اتساعًا، جيوب غابة لم تحترق كلها، سهلٌ رملي صغير ظهرت فيه آثار أقدام قديمة ثم انقطعت… آثار كثيرة، لكن لا بشر.

خمسون فقط. معنى ذلك أن الجزيرة فرغت من الأصوات تقريبًا.

بعد ساعة أو أكثر، رأينا أول بشر.

كانوا ثلاثة، يقفون عند حافة مرتفعٍ صغير، يرتدون أقنعة مختلفة، وأسلحتهم ظاهرة… لكنها غير مرفوعة. مجرد وجود السلاح صار جزءًا من الجسد، لكن رفعه الآن ممنوع. كانوا يراقبوننا كما نراقبهم. ليست نظرة صياد يرى فريسة، ولا نظرة فريسة ترى صيادًا… كانت نظرة حذر متبادل بين ناجين من مجزرة كبرى.

اقتربنا ببطء. لم أضع السيف في غمده تمامًا—لأن الغمد نفسه لا يعني الأمان—لكنني أنزلته بوضوح، علامة على أنني لن أبدأ شيئًا. سليم فعل مثل ذلك بطريقته: ضغط العصا إلى صدره أكثر، وكتم المانا حتى صار حضوره بلا رائحة تقريبًا.

واحد من الثلاثة حرّك يده نحو سلاحه ثم توقف فجأة. رأيت على وجهه تحت القناع ارتعاشًا بسيطًا، كأن واجهته أرسلت له تذكيرًا أحمر لا أراه. لم يقل شيئًا. فقط أنزل يده ببطء.

مررنا بهم، وهم مرّوا بنا. لا سلام، لا تهديد، لا كلمات. الكلمات الآن قد تتحول إلى شرارة، والقتال ممنوع، لكن الشرارة قد تجعل أحدًا ينسى “ممنوع” للحظة… ثم يدفع الثمن.

بعد مسافة، فتح سليم فمه أخيرًا وقال بجملة قصيرة:

“حتى هم… خائفون.”

لم يكن يقصد الخوف منّا فقط، بل الخوف من القاعدة الجديدة. القتال ممنوع يعني أن أقسى سلاح في الجزيرة الآن ليس المانا ولا السيف… بل ضبط النفس.

كلما اقتربنا من الوسط، بدأت نرى المزيد: أفراد متباعدين، أزواج، مجموعات صغيرة من خمسة بالكاد، يتحركون في صمت. بعضهم ينظر إلينا ثم يشيح بوجهه. بعضهم يتجمد ثم يتراجع خطوة، كما لو أن مجرد الاقتراب من “أعلى متصدر سابق” .

لم يكن هذا احترامًا. كان ذاكرة رعب.

لكن الغريب… أن تلك الذاكرة لم تعد تتحول إلى هجوم. القتال ممنوع. الرغبة وحدها لا تكفي.

عند ممرٍ صخري واسع يقود إلى منطقة أكثر استواءً، رأينا تجمعًا أكبر لأول مرة: قرابة عشرة أشخاص، يقفون على مسافة متباعدة، لا يشكلون دائرة واحدة، بل نقاطًا حول ممر، كأنهم يحرسون أنفسهم من أنفسهم. كانوا ينظرون إلى نقطة واحدة في الأمام: طريق يتجه إلى الوسط. كلهم ينتظرون، لا لأنهم يحبون الانتظار، بل لأنهم لا يريدون أن يقتربوا من بعضهم كثيرًا.

اقتربنا، وأخذنا مكاننا بينهم دون كلمة. كنت أشعر بثقل الأنفاس حولي. ليس ثقل مانا، بل ثقل نجاة. كل واحد هنا حمل ثلاثة أشهر في عينيه، وربما حمل نهايات لم يعد يستطيع أن يبررها لنفسه.

في لحظة ما، مرّت على وجوههم نفس التعبير حين نظروا إلى سليم: ترددٌ خفيف. سليم لم ينظر إليهم مباشرة. أبقى رأسه منخفضًا، كأن الرقم 99 الذي صار قريبًا منه في النهاية صار شيئًا لا يريد أن يُظهره حتى لو لم يعد في لائحة مناطق.

لم يهم. في الجزيرة، حتى القناع له سمعة.

واصلنا السير من جديد، وتحوّل الطريق تدريجيًا إلى ما يشبه “ممرًا جامعًا”: طرق صغيرة تأتي من جهات متعددة، تلتقي كلها نحو الداخل. كأن الجزيرة تريدنا أن ننساب إلى قلبها كما ينساب الدم إلى جرح.

وبعد وقتٍ لا أعرفه—لأن الزمن هنا فقد معناه—وصلنا إلى أول مشهد جعلني أفهم معنى “وسط الجزيرة”.

كانت هناك ساحة واسعة، مستوية بشكلٍ غير طبيعي، كأنها قُطعت من جبل ثم سويت بيدٍ لا تعرف العشوائية. الصخور حولها تشكل حلقةً ضخمة، وفي مركز الساحة كانت هناك دائرة حجرية أغمق لونًا من الأرض، كأنها منصة أو ختم. لا رايات، لا أبراج، لا زينة… فقط هندسة صامتة تقول: هنا ستحدث الخطوة التالية.

وعلى حواف الساحة… كان هناك بشر.

ليس كثيرًا. لكنهم كانوا كفاية ليجعل القلب يتذكر الرقم: خمسون.

وقفوا متباعدين، كل واحد يترك حوله مسافة أمان. البعض جلس على صخرة صغيرة، البعض وقف وظهره إلى الحجر، والبعض اكتفى بأن يبقى في الظل، كأنه يرفض أن يكون في مركز نظر الآخرين. الأسلحة مرئية، لكنها ليست مرفوعة. الوجوه مقنعة، لكن العيون تفضح: تعب، قسوة، خوف، وانضباط لا يملك رفاهية الخطأ.

دخلنا الساحة ببطء. شعرت كأن الهواء هنا أهدأ، كأن المركز نفسه يفرض على الناس أن لا يرفعوا أصواتهم.

وفجأة… لمع شيء أمام أعين الجميع.

لم يكن المشرف هذه المرة. بل رسالة واحدة ظهرت على واجهات كثيرة في نفس اللحظة—لم أرَ نصها عند غيري بوضوح، لكنني رأيت انعكاس الضوء على الأقنعة، ورأيت الأيدي تتوقف عن الحركة، ورأيت رؤوسًا تنخفض بلا إرادة تقريبًا.

القتال ممنوع… لم تكن جملة في الهواء فقط. كانت أمرًا يعيش فوق الأعصاب.

مرّت ثوانٍ، ثم تشقق الهواء فوق الدائرة الحجرية في المركز، وظهر المشرف من جديد. صوته وصل إلى الجميع بلا استثناء:

“تم التحقق من العدد.”

رفع نظره كما لو أنه ينظر إلى شيءٍ أعلى منّا جميعًا:

“خمسون.”

ثم أضاف، بصوتٍ واحد لا يحمل عاطفة:

“هذه لحظة انتقال.”

لم يقل “مرحلة ثالثة” صراحة، لكنه لم يحتج. الأرض نفسها كانت تقول: المرحلة التي قبلها كانت خارج هذه الدائرة. المرحلة القادمة… تبدأ هنا.

تابع:

“الحواجز زالت لأن الجزيرة لم تعد تحتاج أقفاصًا.”

ثم قال الجملة التي شدّت على أعصاب كل من في الساحة:

“القانون الوحيد الآن: لا قتال.”

وقف لحظة قصيرة، كأنه يترك الكلمات تختبرنا. رأيت واحدًا من المشاركين يرفع ذقنه قليلًا كأنه يريد الاعتراض، ثم يخفضها. الاعتراض هنا لا يغيّر شيئًا.

ثم قال المشرف:

“من يخرق هذا القانون… لن يكمل.”

لم يشرح “كيف”. لم يقل “العقوبة”. لم يفتح باب أسئلة. مجرد الجملة وحدها كانت كافية لتجعل الأيدي تبقى بعيدة عن المقابض.

بعدها أشار بيده إلى الدائرة الحجرية:

“اقتربوا.”

لم يتحرك أحد فورًا. خمسون ناجيًا… ومع ذلك ترددوا كالأطفال أمام بابٍ لا يعرفون ما خلفه. ليس لأنهم جبناء، بل لأن كل ما عاشوه علّمهم أن الاقتراب يعني نهاية شيء وبداية شيء أخطر.

بدأت الحركة ببطء. شخصٌ أول، ثم اثنان، ثم صفوف غير مرتبة تتقدم إلى قرب الدائرة. كنت أسمع صوت خطواتهم على الحجر كأنها مطر خفيف، وكل خطوة تحمل خلفها ثلاثة أشهر من الدم.

اقتربتُ أنا وسليم أيضًا. كنت أشعر بعينين أو ثلاث تتابعانه من مسافة. ليس عداءً صريحًا، بل فضولًا ممزوجًا برهبة: كيف وصل إلى هذا؟ كيف بقي؟ كيف صار منطقة كاملة تختفي؟

سليم لم يلتفت. لم يرفع رأسه كثيرًا. كتم المانا كما يفعل دائمًا. حتى الآن… في قلب الجزيرة… القاعدة الأولى عنده هي: لا تُعلن نفسك أكثر مما أعلنته الأرقام.

وقفنا عند حافة الدائرة. كانت الأرض تحتها أغمق، كأنها امتصت أشياء كثيرة عبر الزمن. نظرتُ إلى سطحها ورأيت خطوطًا دقيقة محفورة، ليست كتابة واضحة، بل مسارات تشبه خرائط صغيرة، تتقاطع ثم تلتقي في المركز.

قال المشرف:

“انتظروا.”

ثم اختفى مرة أخرى. تشقق الهواء وانغلق. تركنا في دائرة، خمسون شخصًا، بلا قتال، بلا كلام، وبلا قدرة على قراءة نوايا الآخر بالسيف.

كان ذلك أصعب من القتال نفسه.

مرّت لحظات ثقيلة. أحد المشاركين تنحنح ثم تراجع عن التنحنح كأنه يخاف أن يكون الصوت مخالفة. آخر تحرك قدمه خطوة ثم توقف. كلنا كنا ننتظر… ولا أحد يعرف ماذا يعني هذا الانتظار.

في صمت الانتظار، سمعت سليم يهمس بجملة قصيرة جدًا، كأنها لا تريد أن تخرج إلى العالم:

“خمسون… يعني أن الجزيرة اختارت.”

لم تكن معلومة مؤكدة. كانت إحساسًا. لكن الإحساس كان منطقيًا: لا يمكن أن ينخفض العدد إلى خمسين ثم يُمنع القتال إلا إذا كانت الجزيرة تريد شيئًا غير الذبح الآن.

نظرتُ إلى الدائرة الحجرية تحت أقدامنا، وشعرت لأول مرة منذ زمن طويل أن الخطر القادم ليس في نصلٍ يلمع، ولا في مانا تتجمع… بل في ما سيُطلب منّا ونحن بلا قتال.

وفي تلك اللحظة، لمع سطح الدائرة من تحتنا لمعانًا خافتًا، مثل نبضٍ أول. لم يكن انفجارًا. كان إشارة بداية.

وانحبست أنفاس الخمسين في آنٍ واحد.

2026/03/14 · 13 مشاهدة · 1822 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026