لمعَت الدائرة الحجرية تحت أقدامنا لمعانًا خافتًا، كنبضٍ أول لقلبٍ لا نراه… ثم خمدت.
وبين اللمعة والخمود، انحبست أنفاس الخمسين كأن الهواء صار ملكًا للجزيرة لا لنا.
لم يكن هذا صمتًا عاديًا؛ كان صمتَ ما قبل كشفٍ يبدّل معنى كل شيء.
وقفتُ عند حافة الدائرة، ويدي على مقبض السيف من غير أن أرفعه. السيف لم يعد “سلاحًا” فقط؛ صار عادةً في الكف، مثل إصبع زائد… لكن القتال ممنوع، والمنع هنا ليس قانونًا أخلاقيًا، بل جدارًا غير مرئي يضغط على النية قبل الحركة.
سليم كان إلى جانبي، ملتصقًا بالعصا كما لو أنها آخر ضلعٍ في صدره. لم ينظر إلى أحد طويلًا. لم يعد فينا طاقة للمقارنة أو التحديق. كل واحد من الخمسين كان يحمل على كتفيه ثلاثة أشهر من الدم، حتى لو لم يكن الدم على جلده الآن.
مرّت لحظات، ثم تشقق الهواء فوق مركز الدائرة مرة أخرى.
لكن الذي ظهر لم يكن المشرف الذي اعتدناه.
كان حضوره أثقل، وكأنه لا يهبط من نفس الطبقة التي هبط منها السابق. لم يكن أكبر جسدًا بالضرورة، لكن المكان نفسه بدا أنه ينحني قليلًا أمامه. حتى الأضواء الخافتة على الواجهات انطفأت لحظة، كما لو أن الأنظمة قررت أن تصمت حتى ينطق.
وقف فوق الدائرة دون أن تطأ قدماه الحجر، كأن وجوده لا يحتاج أرضًا. ثم قال بصوتٍ صافٍ لا يعلو ولا يهبط، ومع ذلك وصل إلى عظامنا:
“مرحبًا بالناجين.”
كلمة “الناجين” وحدها كانت كافية لتجعل صدري يضيق. ثلاثة أشهر من الركض والقتل والتجويع… ثم تُختصر بكلمة واحدة.
أكمل بنفس النبرة التي لا تُجامل:
“لدي بشارة لكم.”
تحركت بعض الرؤوس بلا إرادة. كلمة “بشارة” هنا بدت غريبة، كأنها قادمة من عالمٍ آخر لا يعرف الرائحة التي تسكن دماغك بعد أن ترى شخصًا يتلوى.
قال:
“كل من قتلتموهم… لم يُقتلوا.”
لم أستوعبها في اللحظة الأولى.
كأن الجملة مرّت فوق رأسي ولم تجد مكانًا تهبط فيه.
ثم تكرر معناها، كصفعةٍ بطيئة: لم يُقتلوا.
سمعتُ شهيقًا مكتومًا من جهةٍ بعيدة، ثم صوتًا يشبه ابتلاع البكاء من تحت قناع. رأيت أحد الناجين يضع يده على رأسه كما لو أن الجملة سحبته من حافة.
أما أنا… فشعرتُ بأن كل صورةٍ مرّت في رأسي خلال الأشهر الثلاثة—وجوه تتسع، أنفاس تختنق، صرخات تنقطع—تحاول أن تجد بابًا للهروب.
لكن الرجل—المشرف الأعلى—لم يترك لنا فرصةً للهروب من المعنى. تابع فورًا:
“كان يتم نقلهم إلى الأرض… في نفس المكان الذي أتوا منه إلى الجزيرة.”
ثم أضاف ببرودٍ يقتل أي وهم:
“وتُطبَّق عليهم القاعدة الرابعة.”
كأنها جملة تقنية في تقرير، لا مصير إنسان.
توقف لحظة قصيرة، ثم قالها بوضوحٍ يجعلها أثقل:
“مسح الذاكرة حول ما حدث في الجزيرة… مع إبقاء خبرتهم ومستواهم.”
ارتفعت همهمة ضعيفة بين الخمسين، همهمة تُشبه موجة صغيرة على سطح بحرٍ ميت.
بعضهم بدا وكأنه يريد أن يصرخ: “إذن ماذا فعلنا؟”
لكن أحدًا لم يصرخ. القتال ممنوع، والصوت أيضًا بدا ممنوعًا بالحدس.
أنا لم أعد أعرف ماذا أشعر.
لو كانوا ماتوا فعلًا، لكان هناك شيءٌ نهائي، شيءٌ يثبت أنني صرت قاتلًا بلا رجعة.
ولو كانوا لم يتألموا، لكان الدم أقل ثقلًا.
لكن البشارة لم تقل إن الألم كان وهمًا. قالت فقط إن النهاية لم تكن نهائية.
والألم… نحن عرفناه.
المشرف الأعلى أكمل، وكأنه يضع الحسابات فوق جرحٍ مفتوح:
“أما الخبرة والمستوى… فقد تم احتسابهما وفق نسب القتل وتعديلاتها.”
ثم بدأ يذكر الأرقام كما لو أنه يقرأ سلسلة قوانين متراكبة:
“العادي… تُؤخذ منه عشرة بالمئة لصالح القاتل.”
“وإذا قتله المتصدر… تُؤخذ ثلاثون بالمئة.”
“وإذا كان القتيل هو المتصدر… أُخذ نصف مستواه.”
ثم تابع دون أن يغير نبرته:
“ثم أصبح للمتصدر تسعون بالمئة من خبرة من يقتله.”
“وإذا كان القتيل هو المتصدر… أُعطي القاتل ستون مستوى من مستواه.”
كان يذكرها كلها، لا ليشرح لنا تاريخ المرحلة، بل ليقفل الملف أمامنا: كل ذلك حدث، وكل ذلك سُجِّل، وكل ذلك انتقل إلى الأرض على هيئة “خبرة” و”مستوى”… بينما الذاكرة مُسحت.
وقتها فقط فهمت شيئًا مرعبًا من زاوية أخرى:
العالم على الأرض… سيستيقظ فيه عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، وقد تغيّروا. لا يتذكرون لماذا، ولا كيف، ولا من قتل من… لكن أجسادهم تحمل خبرة قتال، ونظامهم يحمل مستوى.
والخوف الأكبر أن الذاكرة التي مُسحت لم تكن فقط ذاكرة “الجزيرة”… كانت أيضًا ذاكرة الألم الذي صنعهم.
سمعتُ سليم يهمس بجانب كتفه، همسًا خرج كأنه يختبر فمه:
“إذن… نحن… لم نقتلهم.”
لم يكن يطلب تبرئة. كان يحاول أن يثبت معنىً جديدًا للدم.
لم أجبه. لأنني كنت أعرف أن الجملة ناقصة: لم نقتلهم نهائيًا… لكننا جعلناهم يموتون داخل اللحظة.
وهذا وحده يكفي ليترك أثرًا فينا نحن، حتى لو مُسح فيهم.
المشرف الأعلى نظر إلى الخمسين نظرة واحدة، ثم قال:
“ما انتهى… انتهى.”
ثم أضاف، وكأنه يفتح صفحة جديدة بيدٍ لا ترتجف:
“في هذه المرحلة… لن يكون هناك قتل.”
ساد صمتٌ أثقل من السابق.
“لن يكون هناك قتل” بدت كأنها نكتة قاسية بعد ثلاثة أشهر من الاقتصاد الدموي.
لكنها كانت أيضًا خيط نجاة: لن يضطر أحد أن يضع سكينًا في صدر الآخر كي يبقى.
تابع المشرف:
“ستكون هناك إقصائيات.”
كلمة “إقصائيات” حملت معنى مختلفًا الآن. ليست موتًا… بل خروجًا من السباق. خروجٌ بلا دم… أو هكذا وعد.
ثم رفع يده، فظهر في الهواء أمام أعين كثيرين لمعان خافت على الواجهات—ليس إعلانًا شخصيًا، بل إطارًا عامًّا كأنه شاشات تتزامن.
قال:
“سيتم تقسيمكم إلى فئات.”
لم يقل: حسب المستوى. لم يقل: حسب المنطقة. قال فئات.
وهذا وحده كان يعني أن المرحلة القادمة ليست سباق دم… بل سباق “دور”.
بدأت الكلمات تنهمر منه مثل أسماء وحدات عسكرية:
“محارب.”
“ساحر.”
“رامي السهام.”
“مدافع.”
“دبابة…”
كانت الكلمات تبدو بسيطة، لكنها تحمل ضمنًا شيئًا جديدًا: القتال لن يكون عشوائيًا كما كان، بل سيتم تأطيره في أدوار، وستُقاس كفاءتك ضمن الدور، لا ضمن الفوضى.
ثم توقف لحظة، وأكمل بنبرةٍ جعلت الهواء يلتصق بالحلق:
“وهناك فئة استثنائية…”
سكت ثانية، كأنه يتعمّد أن يجعلنا نتذوق الترقب.
“تُسمّى… المجهول.”
لم أشعر بالآخرين، لكنني شعرت بقلبي نفسه يتغير إيقاعه.
“المجهول” كلمة لا تأتي في لعبة متوازنة بلا سبب.
ثم قال بوضوح:
“وفيها… شخص واحد.”
خمسون رأسًا تحركت في لحظة واحدة تقريبًا، ليس لأنهم التفتوا إلى نفس الشخص، بل لأن كل واحد منهم سأل نفسه السؤال ذاته:
من هو؟
كان يمكن أن يكون سليم، لأنه الأعلى… لكن الفئات ليست “الأعلى”.
وكان يمكن أن يكون أحد الناجين الآخرين… لكن لماذا؟
وكان يمكن… أن أكون أنا.
الجملة الأخيرة لم تأتِ كفكرة رومانسية في رأسي. جاءت كظل واقعي يزحف من خلف أشهرٍ طويلة: أنا لم أكن مثلهم. نظامي لم يكن مثلهم. كثير من القواعد لم تمسني بنفس الطريقة. حتى في ذروة الدم، كنت خارج كثير من الحسابات.
لكنني لم أنطق شيئًا. لم أرد أن أكون أنا من يضع الضوء على نفسه.
المشرف الأعلى أكمل وكأنه لا يهتم بما يحدث داخل صدورنا:
“الآن، سترون تصنيفاتكم.”
وفي لحظة واحدة، لمعَت واجهتي.
لم تكن واجهة المانا—تلك التي عرفها العالم—بل واجهة نظامي الخاصة، الباردة، التي لا تزيّن نفسها. ومع ذلك… ظهر فيها إطار جديد لم أره من قبل، كما لو أن النظام نفسه استجاب لإعلان المشرف الأعلى.
قرأت السطر الأول بعينين ثابتتين:
“الفئة: …”
تأخر ظهور الكلمة لجزء من ثانية. جزء من ثانية كان كافيًا ليجفّ حلقي.
ثم ظهرت الكلمة.
“المجهول.”
لم أشعر أن الأرض تهتز… لكن شعرت أن كل شيءٍ داخلي توقف لحظة.
ليس لأنني خفت من كلمة. بل لأن الكلمة وضعت إصبعًا على أصل المشكلة: أنا خارج التصنيفات.
رفعت رأسي ببطء، دون أن ألتفت بعصبية. لم أرد أن أبدو كمن كُشف.
لكنني رأيت على أطراف الساحة وجوهًا تقرأ واجهاتها، ثم ترفع نظرها نحو الآخرين بحذرٍ جديد. بعضهم بدا عليه أنه “محارب”، آخرون “سحرة”، بعضهم “مدافعون”… وكانت هناك نظرات متقطعة نحو سليم، كأنه طبيعي أن يكون “ساحر الكلمات” أو “ساحر” بشكل ما.
أما نظراتهم نحوي… لم تكن مركزة بعد. لأنهم لا يعرفون أن “المجهول” يعني شخصًا واحدًا… إلا إذا ظهر ذلك على واجهاتهم أيضًا.
وصوت المشرف الأعلى قطع تلك الدوامة قبل أن تشتعل:
“لن يُعلن اسم المجهول هنا.”
ثم أضاف:
“ستُعلن الفئات دون أسماء.”
كان يتكلم كما لو أنه يحقن النظام بحقنة “توازن”. لا يريد أن يُقتل أحد، والقتال ممنوع، لكنه أيضًا لا يريد أن يتحول المجهول إلى محور توتر قد يُفجر الحظر.
ومع ذلك… كلمة “مجهول” لا تعيش بلا توتر. هي توترٌ في حد ذاتها.
تابع المشرف الأعلى، بنبرة لا تُغري ولا تُهدد:
“الإقصائيات ستُدار وفق فئاتكم. لن تكون مواجهة عشوائية. لن تُكافأ الفوضى. ولن يُسمح بالقتل.”
ثم قال الجملة التي جعلتني أرى المرحلة القادمة كفخ مختلف:
“ستقاتلون… لكن لا تقتلوا.”
كان معنى ذلك واضحًا: سيكون هناك نظام يلتقط لحظة “الانهيار” ويقصيك قبل النهاية.
وهذا يعيد تعريف القوة: ليس من يستطيع أن يسحق، بل من يستطيع أن يُسقط دون أن يتجاوز الحد.
القوة الآن ليست فقط ضربًا… هي دقة وحدود.
ثم أشار إلى الدائرة الحجرية تحت أقدامنا:
“هذه الدائرة… هي بوابة التنظيم.”
ولأول مرة منذ وصلنا إلى الوسط، شعرت أن الحجر تحت قدمي ليس حجرًا عاديًا. الخطوط الدقيقة التي رأيتها سابقًا بدت كمسارات تصنيف، مسارات توزيع، لا مسارات دم.
نظر المشرف الأعلى إلى الخمسين، ثم قال:
“استعدوا.”
لم يقل: الآن. لم يفتح باب المرحلة فورًا. كأنه يمنحنا دقيقة واحدة لنهضم حقيقة أننا لم نقتل، وأن كل الدم كان “نقلًا”، وأن الإقصائيات القادمة ستخرجنا من “حيوان المطاردة” إلى “منطق الاختبار”.
وقبل أن يختفي، قال جملة أخيرة، بنبرةٍ أوقر قليلاً من السابق:
“لقد اجتزتم مرحلة الوحش.”
ثم انغلق الهواء، وغاب.
وبقينا نحن الخمسين، واقفين فوق دائرة حجرية، في قلب جزيرة ابتلعت مئة ألف ثم أخرجت خمسين.
القتال ممنوع… لكن المعركة لم تنتهِ.
فقط تغيّر شكلها.
نظرتُ إلى سليم من طرف عيني. كان يقرأ شيئًا على واجهته ثم يغلقه بسرعة، كعادته. لم أسأله ما فئته. لم يكن وقت الأسئلة. الأهم كان أنني رأيت في كتفيه شيئًا لا أعرف إن كان ارتياحًا أم ثقلًا:
القتل لم يكن نهائيًا… لكن الدم كان حقيقيًا.
والآن… ستكون هناك مواجهة بلا قتل، وهذا ربما أصعب من القتل نفسه.
ثم نظرتُ إلى سطري مرة أخرى: “المجهول”.
ابتلعتُ الكلمة داخل صدري، وأعدت قفل وجهي.
لأن المرحلة القادمة—إن كانت بلا قتل—ستُظهر كل شيءٍ بطريقة أخرى.