تبدّل المشهد من حولي ببطءٍ موحش، كأن الكلمات الثقيلة التي ألقاها المشرف الأعلى لم تغادر الساحة… بل ظلّت معلّقة في الهواء، تضغط علينا بعد أن انطفأ صداها.

وقفتُ على الدائرة الحجرية، والوجوه من حولي بدت كتابًا مفتوحًا على صفحات متعارضة. بعضهم اسودّ وجهه، لا لأن “البشارة” كانت سيئة، بل لأن صدره لم يحتمل أن يُقال له فجأة إن النهاية لم تكن نهائية، بعد أن عاش لحظات كاملة وهو يغرس السكين في جسد يصرخ ويتلوّى. وبعضهم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ابتسامة نجاة لا تليق بهذا الموضع، كأنها محاولة يائسة لالتقاط الهواء بعد شهور من الاختناق. وآخرون بكوا بصمتٍ لا يشبه بكاء الأطفال، بل بكاء من عجز أن يفسّر نفسه لنفسه. وجوه شاحبة كأن الدم قد انحسر عنها، ووجوه جامدة لم ترتعش فيها ملامح واحدة… وهذا الصنف الأخير أخافني أكثر من الباكين، لأن الجمود هنا ليس قوة؛ بل بابٌ موصد على شيء لا يريد صاحبه أن يراه.

ثم جاء الإشعار.

لمع الضوء على واجهات الجميع في اللحظة نفسها، كأن النظام يأنف أن يتركنا طويلًا في منطقة الشعور. ظهر أمامي إطار واضح، هذه المرة أكثر انتظامًا وأبرد نبرة:

إشعار تنظيمي عام تم تنظيف المناطق العشر وإعادة ضبط الساحات. الإقصائيات تُدار حسب الفئات. كل فئة لها منطقة مخصصة داخل الجزيرة. يرجى التوجه فورًا إلى منطقة الفئة المعيّنة في ملفك. تنبيه: الإقصاء في هذه المرحلة لا يعني العودة إلى الأرض. المُقصى يُنقل إلى مقاعد المتفرجين داخل مناطق الإقصائيات.

قرأتُ السطر الأخير مرتين من غير قصد. “مقاعد المتفرجين”… أي إنك لن تغادر. لن تُطبق جفنيك فتجد نفسك بعيدًا. ستبقى هنا، داخل الجزيرة، لكن بلا حقّ في الفعل—مجرد شاهد على من يواصل. وهذا وحده لونٌ آخر من العذاب: أن ترى النهاية التي لم تبلغها، وأنت أعجز من أن تمسّها.

رفعتُ رأسي. كانت الساحة تتفكك، لا في فوضى، بل تحت توجيهٍ خفي. كل واحد يطالع واجهته، ثم يمضي إلى ممر غير ممر الآخر. لم يعد هناك “خمسون” كتلة واحدة. صاروا خطوطًا تتشعّب كما تتشعّب الأنهار حين تدنو من البحر.

ظهر عند أسفل إشعاري سهم خاص:

وجهتك: منطقة فئة (المجهول) المسار: بوابة منفردة – ممر شمالي ممنوع القتال أثناء الانتقال. أي خرق يُعالَج فورًا.

توقفتُ لحظة عند كلمة “منفردة”. لم تكن مجرد وصف للممر، بل كأنها الاسم الرسمي لحالتي كلها: فئة واحدة، شخص واحد، طريق واحد. كأن الجزيرة قررت أن تضعني في خانة لا تشبه خانات الآخرين، ثم تقول لي ببرود: امضِ وحدك.

التفتُّ إلى سليم. كان واقفًا إلى جانبي، عصاه ملتصقة بصدره كعادته، وصمته كامل حتى وهو في قلب الساحة. رأيت على وجهه، حتى خلف القناع، أثر التحول: مزيجًا من الإنهاك وصرامة مستجدّة، وبقايا صدمة من “البشارة”. لمعت واجهته لثانية، ثم انطفأت حين أغلقها بسرعة. لم أسأله ماذا ظهر له. لم يكن هذا وقت الأسئلة، ولا كانت الأسئلة مأمونة في مكان يوزّعنا كما تُوزَّع الملفات على مناطق مغلقة.

تحركتُ خطوة نحو الممر الذي يشير إليه سهمي. وتحرك سليم خطوة في اتجاه آخر. التقينا بنظرة قصيرة؛ لم تكن نظرة وداع كبير، بل نظرة عهدٍ صامت: لا قتال، لا استفزاز، لا حماقة. كل واحدٍ منا يحمل الآن شكلًا من القوة، لكن القوة هنا لم تعد سيفًا ولا مانا، بل قدرة على احتمال القيد من غير أن ينكسر الداخل.

قلتُ له بصوت خافت جدًا، يكاد لا يبين: “انتبه.”

لم يحتج إلى كلام. أومأ مرة واحدة، ثم مضى في مساره، يتلاشى بين الممرات كما يتلاشى الضوء في شق صخرة.

وبقيتُ وحدي.

الطريق إلى “المجهول” لم يكن طريقًا بطوليًا. كان طريقًا عمليًا، نظيفًا على نحوٍ يثير الريبة، كأن الجزيرة غسلت نفسها من الدم لتستقبل لونًا آخر من الاختبار. مررتُ بممرات صخرية طويلة، وعلى جانبيها أقواس حجرية تعلوها رموز مضيئة؛ كل رمز يدل على فئة. رأيت مجموعات صغيرة تتجه إلى بوابات مختلفة: من يحمل قوسًا يمضي نحو رمز يشبه سهمًا، ومن يحمل درعًا ثقيلًا يتجه إلى رمز أثقل، ومن يحمل عصًا أو يحيط به إحساس المانا أكثر يسلك مسارًا آخر. لم يكن بينهم صراخ ولا تهديدات. القتال ممنوع، لكن الأهم أن التعب كان قد وأد معظم النزوات. كل واحدٍ منهم يعرف أنه إن خسر هنا فلن يعود إلى الأرض. سيجلس على حجر بارد ويراقب.

كنتُ أسمع همسات قليلة من بعيد، لا تتجاوز كلمات مكسورة:

“فئتي… هنا.” “مشاهد… إذا خسرت.” “لا قتال… يعني شنو؟”

ثم يعود الصمت.

كلما ابتعدتُ عن مركز الجزيرة ازداد الطريق خلوًا. الممر الشمالي الذي خُصص لي لم يكن مزدحمًا. لم أرَ أحدًا يسلكه. لا جماعة، لا فرد. مجرد علامات على الصخور تقودني، كأنني أمشي في ممر صُمم لشخص واحد منذ البدء.

كان في صدري ثقل خاص: ليس خوفًا من “خصم”، بل خوفًا من معنى أن تُفصل وحدك. الإنسان، حين يُترك وحده في عالم كهذا، يبدأ بسماع أفكاره بصوت أعلى مما ينبغي.

بلغتُ بوابة حجرية تختلف عن سائر البوابات. لم يكن فوقها رمز سهم ولا درع ولا عصا. كان فوقها شكل بالغ البساطة: دائرة سوداء في جوفها خط عمودي، كأنها علامة على “غير مُصنَّف”. وكان الضوء المحيط بها أبرد من بقية الأضواء.

عند عتبة البوابة شعرتُ بضغط خفيف على الجلد—ليس ضغطًا يصدّني، بل ضغطًا يذكّرني بأنني ما أزال داخل نظام أكبر من رغبتي. ثم لمع إشعار جديد:

بوابة فئة (المجهول) الدخول فردي فقط. سيتم قفل القتال داخل مسار الانتقال. الإقصاء ينقل المُقصى إلى مدرج المتفرجين داخل نفس المنطقة.

خطوتُ.

وللحظة قصيرة جدًا تبدّل الهواء، كأن العالم أعاد ترتيب نفسه من غير ضجيج. ثم خرجتُ إلى منطقة أخرى.

كانت منطقة “المجهول” أهدأ من أي موضع دخلته في الجزيرة. لم تكن ساحة غابة ولا ممرات قتال، بل فسحة واسعة مستوية، كأنها أُعدّت لتكون منصّة اختبار لا ساحة ذبح. الأرض نظيفة تمامًا: لا دم، لا رماد، لا أثر. وعلى الأطراف مدرجات حجرية مرتفعة، مقاعد متفرجين واضحة، صفوف تتدرج نحو الأعلى كأنها مسرح. وكان وجود المقاعد وحده كافيًا لأن يقبض بطني: هنا الخسارة ليست موتًا ولا عودة، بل جلوسًا طويلًا تحت الضوء؛ تشاهد ولا تستطيع أن تمسّ شيئًا.

في مركز المنطقة كانت دائرة حجرية شبيهة بدائرة الوسط، لكنها أصغر وأكثر انتظامًا. حولها خطوط محفورة بدقة، لا تشبه آثار المعارك، بل تشبه مسارات قياس. وعلى جانب الدائرة منصة انتظار صغيرة، فوقها لوح حجري أسود أملس، كأنه شاشة صامتة.

لم يكن هناك أحد غيري.

لا خصم ينتظر، لا مجموعة تراقب، لا عيون. فقط الريح تمرّ بخفة بين الحجر، وصمتٌ يجعلني أسمع ضربات قلبي بوضوح أشد مما ينبغي.

وقفتُ عند منصة الانتظار. ظهر إشعار على واجهتي، قصيرًا وحاسمًا:

تم تسجيل دخولك إلى منطقة فئة (المجهول). المواجهات ستُعلن عند اكتمال توزيع الفئات الأخرى. القتال ممنوع خارج إطار الإقصائيات.

لم يقل شيئًا عن “من سأواجه”، ولا عن “كيف”. فقط: انتظر.

جلستُ على حافة حجر منخفض قرب الدائرة. لم تكن استراحة حقيقية، بل هيئة انتظار. نظرتُ إلى المدرجات الفارغة… وتخيلتُها ممتلئةً بالذين سيُقصون من فئاتهم، يجلسون هنا أو في مناطقهم، يراقبون ويقارنون ويتذكرون—ليس ذاكرة الجزيرة التي مُسحت عنهم، بل ذاكرة الشعور الذي لا يمحوه نظام.

أغمضتُ عيني لحظة، ثم فتحتهما على النظافة الباردة نفسها.

في الخارج، في مناطق أخرى، ستبدأ الإقصائيات حسب الفئة، وجماعات تتواجه ضمن “محارب” و“ساحر” و“رامي” و“مدافع” و“دبابة”… أما هنا، فكل شيء بدا كأنه ينتظر سؤالًا واحدًا: ماذا يفعلون بفئة اسمها “المجهول” وهي لشخص واحد؟

ظلّت الفكرة قائمة أمامي كالباب المغلق.

وفي الصمت، لمعت الدائرة الحجرية في المركز لمعانًا خافتًا… نبضًا صغيرًا… كأن المنطقة تتهيأ لاستقبال شيء لا يحتاج إلى جمهور كي يكون ثقيلًا.

2026/03/17 · 9 مشاهدة · 1136 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026