كانت منطقة “المجهول” صامتةً على نحوٍ يجرح الأذن، كأنها لا تريد أن تعترف أن دماء الأمس كانت هنا في الجزيرة نفسها. جلستُ وحدي قرب الدائرة الحجرية، أراقب المدرجات الفارغة التي وُضعت للمتفرجين، وأشعر للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل أن السيف في يدي لا معنى له… لا لأنني لا أستطيع القتال، بل لأن القتال صار ممنوعًا حتى إشعار آخر، وكأن الجزيرة قررت فجأة أن تختبر شيئًا غير الدم.

انتهى توزيع الفئات دون أن أسمع صراخًا أو احتجاجًا. لم نعد خمسين متسابقًا في ساحة واحدة؛ صرنا خرائط متفرقة، كل واحد يُسحب إلى منطقته كملفٍّ يوضع في درج. في منطقتي لم يظهر أحد. بقيتُ أنا وحدي… ومع الوحدة، جاء الشيء الأكثر غرابة: شاشة.

لم تكن مثل واجهات المانا المعتادة. كانت شاشة أكبر، أكثر “رسميّة”، لا تشبه إشعارًا عابرًا. ظهرت أمامي وحدي، كأن النظام قرر أن يمنحني مقعدًا في غرفة مراقبة.

تم اكتمال توزيع الفئات.

سليم: فئة السحرة (ساحر الكلمات).

المجهول: فئة استثنائية — متسابق واحد.

ثم سطرٌ آخر، ببرودٍ يكاد يكون مهينًا:

يرجى الانتظار.

ستحتاج طاقتك لاحقًا.

لم أضحك، لكنني شعرت بابتسامة قصيرة تريد أن تخرج ثم تختنق. كأن الجزيرة تقول لي: استرح يا بطل… سنستعملك في النهاية.

رفعتُ بصري إلى المدرجات الفارغة، ثم عدتُ إلى الشاشة. لم تُغلق. بل بدأت تبث.

انتقل المشهد أمامي إلى منطقة أخرى: ساحة واسعة في منطقة السحرة. أرضها مستوية، محاطة بحلقات حجرية، والمدرجات حولها مليئة بالمقصيين أو بالمنتظرين. هنا لم يكن القتال “ممنوعًا” بالطريقة نفسها؛ كان مسموحًا داخل إطار الإقصائيات، لكن دون قتل. كانت هناك دائرة قتال في الوسط، وفوقها كتابة ضوئية واضحة:

PvP — ممنوع القتل — الإقصاء بالنقل.

ظهر جدول المجموعات كأنه لوحة ترتيب:

فئة السحرة — المجموعات

المجموعة 1 …

المجموعة 2 …

المجموعة 3 …

المجموعة 4 …

المجموعة 5: سليم

رأيت سليم واقفًا عند طرف الساحة، بملابسه التي لم تعد بيضاء صريحة كما كانت. الطين والرماد جعلا أي لونٍ محضٍ خيانة. كان هادئًا بشكلٍ يثير الريبة، والعصا على صدره كعادتها، وكأنها تُذكّره أن السيطرة ليست في القوة… بل في الكبح.

تقدّم مشرفٌ محلي بصوتٍ أقل وزنًا من مشرف الوسط، وأعلن بداية المجموعة الخامسة. نودي اسم سليم الرمزي، وتقدّم إلى الدائرة. خصمه لم يُذكر باسمه الحقيقي أيضًا؛ ظهر على اللوحة “ساحر” فقط، ومعه مستوى لا يهمني الآن بقدر ما يهمني ما سيحدث: كيف يقاتل شخصٌ مثل سليم حين يُمنع عليه أن ينهي خصمه؟

بدأ القتال بلا مقدمة. لم تكن هناك صرخات جمهور كما في مباريات الأرض؛ كان هناك صمت متوتر، صمت من يعرف أن الخطأ هنا لا ينقلك للأرض… بل يضعك على مقعد متفرج، مجبرًا على مشاهدة من يكمل.

خصم سليم حاول أن يفتح مسافة ويجمع ماناه. رأيت الوهج الخفيف على يده، ثم حركة سريعة كأنه يريد إطلاق شيء يشبه “رمح طاقة”. سليم لم يرد بالضوء. رد بالكلمة.

سمعته بوضوح، كلمة واحدة فقط، لا صراخ فيها:

“توقف.”

لم يتجمد الخصم كتمثال، لكنه تردد. ترددٌ حقيقي، لحظة خلل في القرار، كما لو أن عقله فقد ترتيب الخطوات. سليم استغل التردد بطريقة لا تقتل: تقدّم خطوة واحدة، ثم قال:

“ثِقل.”

هبطت حركة الخصم كأن قدميه صارتا تحملان وزنًا مضاعفًا. حاول أن يتراجع، لكن المسافة لم تُسعفه. سليم لم يطعنه، لم يضربه ضربات تنهي حياته، بل دفعه إلى حافة الدائرة بحركة محسوبة، ثم قال بهدوءٍ قاسٍ:

“سقوط.”

انزلقت قدم الخصم، لا كصدفة، بل كقرار فرضته الكلمة. سقط داخل الدائرة، وارتطم بالحجر، ورفع رأسه بعينين مشتعلتين بالغضب والذعر. حاول أن ينهض، لكن سليم لم يمنحه وقتًا. كلمة أخرى:

“صمت.”

لا أعرف إن كانت الكلمة تُخنق المانا أو تُربك التشكيل، لكنني رأيت أثرها: الوهج الذي كان يتجمع في يد الخصم انطفأ كشمعة خُنقت. بقي الخصم إنسانًا بلحمٍ وعظمٍ أمام ساحر كلماتٍ لا يحتاج أن يطلق شعلة ليحطمك.

رفع المشرف المحلي يده، وظهرت على اللوحة عبارة واضحة:

إقصاء.

ثم… اختفى الخصم من الدائرة، لا موتًا ولا دمًا ولا تشققًا مفزعًا كما في المرحلة السابقة، بل نقلًا نظيفًا؛ ظهر في المدرجات بعد لحظة وهو يلهث، مصعوقًا من الإذلال أكثر من الألم. الجمهور لم يصرخ. فقط انتشرت همهمة قصيرة: سليم فاز، وبلا قتل، وبلا استنزاف كبير.

شعرتُ براحةٍ صغيرة لم أتوقعها: سليم يستطيع أن يقاتل ضمن “قواعد عدم القتل” دون أن يتخلى عن قوته… وهذا يعني أن المرحلة الجديدة لن تكسره نفسيًا كما كسرت المرحلة السابقة كثيرين.

لكن الشاشة لم تتركني أستقر على هذا الشعور. انتقلت فجأة إلى مشهد آخر، ثم آخر، كأنها تقول لي: راقب. تعلّم. خزّن كل شيء. ستحتاجه.

ظهرت ساحة رماة السهام. كانت مختلفة تمامًا: منطقة مفتوحة نسبيًا، فيها منصات مرتفعة، وأعمدة حجرية تصلح كستار، وخطوط تُحدد مسافات. على اللوحة ظهر اسم فئة: رامي السهام، وتحتها لقبٌ متداول بين المتفرجين: “الرامية” التي أخذت صدارة منطقتها في المرحلة الثانية.

لم أرَ اسمًا شخصيًا. رأيت فقط أسلوبًا. رميٌ لا يضيّع سهمًا واحدًا. كل سهم كان يخرج كقرار قضائي: لا ارتباك، لا استعراض، فقط إصابة حيث يجب. خصومها كانوا يتحركون، يختبئون خلف الأعمدة، يحاولون الاقتراب… لكنها كانت تقطع مسارهم من بعيد، لا لتقتل، بل لتسقط السلاح أو تشلّ الحركة لحظة كافية ليعلن النظام الإقصاء. كانت تستخدم المسافة كسلاح نفسي: تُفهمك أنك مكشوف حتى وأنت تظن أنك في ظل.

ثم انتقلت الشاشة إلى ساحة مبارزة السيف. هنا كان كل شيء “نظيفًا” بشكل ساخر: دائرة قتالية، أرض ثابتة، وسيفان فقط، كأن الجزيرة تريد أن تقول: بعد كل الفوضى… هيا نرى من يعرف معنى الضربة الواحدة.

المبارز—الذي تصدّر منطقته سابقًا—لم يكن يهاجم بعنف. كان يتحرك كمن يكتب على الورق: خطوة، زاوية، إزاحة، ثم ضربة قصيرة في موضع يحطم القدرة على الوقوف دون أن يقتل. كان يربح لأن خصمه يخطئ في قراءة المسافة، لا لأن طاقته أعلى. هنا فهمت معنى جديدًا: القتل كان يجعل كل شيء سريعًا ونهائيًا؛ عدم القتل يجعل المهارة تظهر عارية، بلا غطاء.

ثم ظهرت “المدرعة”، أو “الدبابة” في تصنيف آخر. ساحة مختلفة: فيها حواجز متقاربة، كأنها صنعت لتُجبرك أن تصطدم بمن لا يتحرك. المدرعة كانت تمشي ببطء، لكنها كانت تُحوّل كل هجومٍ عليها إلى خسارة للمهاجم: الضربة ترتد، الجسد يصطدم بدرع المانا، ثم يفقد الخصم توازنه ويُقصى. كانت تنتصر لأن الآخرين يستهلكون أنفسهم عليها. من يملك صبرًا في هذا النوع من القتال يصبح وحشًا بلا ضوء.

والساحة الرابعة… هي التي جعلتني أضيق عينيّ دون أن أشعر.

المعالجة.

ظهرت في ساحة مختلفة، فيها مناطق مضيئة صغيرة على الأرض كأنها نقاط “أمان” أو “دعم”. كانت تقف في الوسط تقريبًا، لا تهرب كثيرًا، ولا تهاجم كثيرًا، ومع ذلك… كانت تنتصر.

لم يكن هذا منطقيًا في ذهني. كيف تتصدر معالجة منطقتها في المرحلة الثانية؟ المرحلة الثانية كانت مطاردة وقتلًا ومناطق تُبتلع. المعالجة—في التصور البسيط—تسند غيرها، لا تتصدر.

راقبتُ قتالها بدقة، وأنا لا أملك إلا الشاشة والوقت.

خصمها اندفع بقوة، يريد إسقاطها بسرعة قبل أن تُطيل المباراة. المعالجة لم تُخرج سيفًا ولا رمحًا. رفعت يدها فقط، وظهر وميض خافت حول جسدها، ليس انفجارًا، بل طبقة شفافة كأنها “تغلق” جرحًا قبل أن يحدث. الضربة الأولى التي كان يجب أن تُسقطها لم تُسقطها. الضربة الثانية لم تُسقطها. الخصم بدأ يستهلك نفسه. كلما أصابها، رأيت الوميض يعود لحظة، ثم يخفت. ثم… فجأة… تباطأت حركة الخصم.

لم أفهم في البداية. ثم رأيت ما هو أخطر من الشفاء نفسه: الإدارة.

المعالجة لم تكن تنتصر لأنها “تشفي”. كانت تنتصر لأنها تُجبر خصمها على أن يستهلك ماناه وزمنه وذهنه. تتركه يضرب، ثم تمنع الضربة من أن تكون نهائية. ثم تجعله يركض خلف نهاية لا تأتي. ومع مرور الوقت، يصبح هو الأضعف. في لحظة محددة، حين فقد خصمها الإيقاع وبدأت أنفاسه تتغير، تقدمت خطوة واحدة فقط—خطوة لا تستعرض—ثم رفعت كفها نحو الأرض.

ظهر وميض تحت قدم الخصم. تعثر. سقط. لم يكن سقوطًا مسرحيًا؛ كان سقوطًا من فراغ التركيز. أُعلن الإقصاء، ونُقل إلى المدرجات وهو يحدق فيها بعينين تقولان: كيف خسرت وأنا كنت أقوى هجوميًا؟

وهنا… جاء السؤال الذي رفض أن يختفي من رأسي:

كيف تتصدر معالجة منطقتها في المرحلة الثانية أصلًا؟

في الإقصائيات الحالية يمكنني أن أفهم: عدم القتل يجعل الاستنزاف والشفاء سلاحًا. لكن في المرحلة الثانية… تلك المرحلة التي كانت تُكافئ الضربة الأخيرة، والمطاردة، والكمائن، والوحوش… كيف خرجت معالجة من ذلك وهي “الأولى” في منطقتها؟

لم أجد جوابًا جاهزًا، لكنني وجدت احتمالات ثقيلة، واحتمال واحد كان أخطر من غيره: المعالجة التي تنجو في عالم دموي ليست بالضرورة “طيبة” أو “ضعيفة”… قد تكون الأذكى في تحويل الدعم إلى سلاح.

ربما لم تتصدر بالقتل المباشر، بل بـالتحالفات ثم النجاة ثم اختيار اللحظات. ربما كانت ترفع غيرها وتبقى هي آخر من يسقط. ربما كانت تقاتل بطريقة لا تترك لك فرصة أن تُنهيها. وربما—وهذا الاحتمال الأكثر إزعاجًا—أنها فهمت قوانين الاقتصاد الدموي قبل الجميع: من يطيل المعارك ويُنهك خصومه يجعلهم يسقطون على أيدي الآخرين، ثم يلتقط الفوائد من النجاة والتوقيت.

كنت أراقب الشاشة، وفجأة أحسست أنني لم أعد أراقب “مباراة”، بل أراقب عقلًا. وهذا ما جعل المعالجة تقلقني.

محارب يمكنك أن تقرأه: قوة وزاوية.

رامية السهام يمكنك أن تتوقعها: مسافة وإصابة.

مدرعة تعرف كيف تتعامل معها: لا تستهلك نفسك عليها.

لكن معالجة تتصدر؟ هذا يعني أن هناك شيئًا مكسورًا في الصورة البسيطة… أو شيئًا متطورًا في طريقة اللعب.

في تلك اللحظة، ظهرت على شاشتي رسالة قصيرة، كأنها تذكيرٌ بوقاحته المعتادة لكن بطريقة أنظف:

المجهول: وضع الانتظار مستمر.

البث التفاعلي مُفعل.

استفد من المشاهدة.

كأنهم بالفعل يقولون لي: انتظر واسترح. ستحتاج كل ما ترى عندما يحين دورك.

رفعتُ بصري عن الشاشة، ونظرتُ إلى مدرجات منطقتي الفارغة. لا جمهور. لا خصم. لا ضجيج. فقط حجرٌ نظيف ودوائر محفورة بدقة. الفئة المجهولة كانت كغرفة امتحان لا يدخلها أحد سوى طالب واحد، ولا يُكتب على ورقة أسئلتها عنوان.

ثم عاد البث إلى ساحة السحرة. كانت المجموعة الخامسة تتابع، وسليم لم يخرج بعد من جدول اليوم. ظهرت له مواجهة ثانية. خصم جديد، أسلوب مختلف. حاول أن يفتح ماناه كستارة ضوء تُربك الخصم. سليم لم يرد بالضوء. رد بالكلمة… لكن هذه المرة كانت كلماته أثقل من السابق. لم يكن ذلك “ترقية رقمية” واضحة، بل إحساس أن نبرة الأمر صارت أقرب إلى قانونٍ لا إلى حيلة.

“انحراف.”

انحرف هجوم خصمه في آخر لحظة، وارتطم بالحجر بدل أن يلمس جسد سليم. ثم “ثِقل”، ثم “سقوط”. ثلاث كلمات، ثلاث ثوانٍ، وإقصاء جديد. سليم كان يتقدم داخل الإقصائيات كما تقدم داخل الجزيرة سابقًا: بهدوءٍ مخيف، وبلا حاجة إلى استعراض.

أغلقتُ عيني لحظة. ليس نومًا. فقط لإيقاف زحام الصور.

ثم فتحتها على سؤال واحد ظل يضغط من الداخل:

إذا كانت المعالجة قد تصدرت منطقتها… فهذا يعني أن المرحلة القادمة قد تُكافئ شيئًا لا أراه بعد.

وفي اللحظة التي استقرت فيها الفكرة، وميض خافت ظهر على الدائرة الحجرية في منطقتي، كنبضٍ جديد. لم تكن رسالة تحدد “دوري” بعد، لكنها كانت كافية لتقول إن الانتظار لن يطول إلى الأبد.

جلستُ مستقيمًا، وثبّتُّ تنفّسي كما كنت أفعل قبل القتال، رغم أن القتال هنا لم يبدأ بعد.

الجزيرة كانت قد أنهت مرحلة الوحش، نعم… لكنها بدأت مرحلة أخرى: مرحلة تُقاس فيها القوة بالحدود، والذكاء بالصبر، والخطر بالشيء الذي لا تراه حتى يقع.

2026/04/23 · 10 مشاهدة · 1689 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026