مرّ الوقت ببطءٍ غريب… ليس ببطء الانتظار العادي، بل ببطء من يعرف أن دوره قادم، وأن لا أحد سيشاركه حمله هذه المرّة.
كنتُ وحدي في منطقة “المجهول”، وكل شيء فيها نظيفٌ أكثر مما ينبغي: أرضٌ مصقولة بلا أثر، مدرجات حجرية فارغة، دائرة مركزية كأنها ختمٌ على واقعٍ لا يسمح لك بأن تفكر بصوتٍ عالٍ. شاشة البث أمامي لم تُغلق منذ البداية، كأنها عينٌ واحدة تُجبرني على أن أرى وأن أتعلّم.
رأيتُ الإقصائيات تتقدم في المناطق الأخرى، فئةً بعد فئة، حتى صاروا في نصف النهائي. السحرة، رماة السهام، المبارزون، المدرعات، والمعالجة… وكل واحد منهم كان يتقدّم داخل إطاره كما لو أن الجزيرة انتزعت منهم فوضى المرحلة الثانية وأعادتهم إلى شيءٍ أقسى: مهارة عارية بلا غطاء “القتل”.
سليم كان يسير بثبات داخل فئة السحرة. ساحر الكلمات… لقبه صار الآن مناسبًا على نحوٍ مخيف. لا يحتاج ضوءًا ولا انفجارًا ليُسقط خصمه. كلمة واحدة تُربك، كلمة ثانية تُثقل، كلمة ثالثة تُسقط، ثم إقصاء نظيف إلى المدرجات. كان يربح ببرودٍ لا يشبه الاستعراض، بل يشبه من تعوّد أن لا يهدر طاقة ولا زمنًا.
ومع ذلك… لم يهدأ السؤال الذي بدأ يعضّ رأسي منذ شاهدت “المعالجة” تتصدر منطقتها ثم تتقدم الآن كأنها لا تُهزم. في المرحلة الثانية… كان النجاة تحتاج سرعة قاسية، وخيارات باردة، وتوقيتات لا ترحم. كيف خرجت معالجة من ذلك وهي في الصدارة؟ لم يكن الأمر “معجزة”. كان يعني شيئًا واحدًا: هناك طرق للسيطرة لا تشبه السيف ولا الإعصار… طرق تجعل غيرك يموت أو يُقصى بينما أنت تظل واقفًا.
كنت أراقب وأصمت. لأن الصمت هنا ليس ضعفًا؛ الصمت هنا هو الطريقة الوحيدة التي لا تكشفك.
ثم… في لحظةٍ واحدة، انطفأ البث.
لم ينطفئ كأنه عطل. انطفأ كأنه قرار.
ظهر أمامي سطرٌ كبير على شاشتي وحدي:
استعد… حان دورك.
تجمّد الهواء في صدري لحظة. لم أشعر بخوفٍ بسيط، بل بشيءٍ أعمق: غضبٌ قديم كان ينام تحت الجلد منذ بدأت هذه الجزيرة تتعامل معي كاستثناء. “المجهول”… متسابق واحد… انتظارٌ طويل… ثم الآن: “دورك”.
وقفتُ دون أن أشعر. السيف كان معلقًا في ذاكرتي أكثر مما هو معلقٌ في يدي. خطواتي تحركت نحو الدائرة المركزية في منطقتي كأن قدميّ تحفظان الطريق من دون أمر.
لمعت الدائرة الحجرية تحت قدميّ، واشتد ذلك الضغط الخفيف على الجلد الذي يمنعك من فعل أي شيءٍ متهور. لكن هذه المرّة لم يكن القتال ممنوعًا داخل المنطقة—كنتُ أشعر بذلك في الهواء؛ كأن النظام رفع جزءًا من القيد، لا رحمةً، بل لأن “المواجهة” ستبدأ.
هبطتُ إلى الحلبة عبر ممرٍ حجري قصير لم أره من قبل. كان الممر ينزل تحت مستوى الأرض ثم يخرج إلى ساحة دائرية واسعة، مدرجاتها فارغة. لا متفرجين هنا… بعد. فقط أنا والدائرة ورائحة نظافةٍ باردة.
وقفتُ في منتصف الحلبة.
وعند طرفها… تحرّك الظل.
لم يخرج من باب. لم يظهر من ضوء. بدا كأنه انفصل عن ظل صخرة ثم اكتسب هيئة إنسان. كتفان، رأس، قدمان… لكن الملامح لم تكن ملامح. كانت فراغًا يرتدي شكلًا. لا عينان واضحتان ولا فم، فقط حضور يضغط على المكان كما يضغط الصمت على الأذن.
وفي اللحظة التالية، ظهرت أمامي رسالة… ليست مثل إشعارات المانا التي اعتادها العالم. كانت أقرب إلى تلك الرسائل التفسيرية التي تكره الغموض، وتحب الاستفزاز:
استعد. ستقاتل ظِلّك.
الختم مفتوح لديه: الشرذمة فقط.
أمّا أنت: سيتم فتح قوتك تدريجيًا.
الآن: استعد ولا تمت… لأنك هنا إن متَّ ستموت بالفعل.
قرأت السطر الأخير مرتين، وكأن الحروف تغير معناها إن نظرت إليها أكثر.
“ستموت بالفعل.”
في تلك اللحظة… لم أشعر بالخوف. شعرت بإهانة.
كل هذا الوقت كان “القتل” ليس نهائيًا للآخرين. قاعدة رابعة، مسح ذاكرة، عودة للأرض. ثم يُقال لي الآن ببرود: أنت وحدك، إن متَّ تموت فعلًا. ليس إقصاء، ليس نقل إلى مقاعد، بل موت.
اشتعل شيءٌ في صدري. غضبٌ حاد لدرجة أنني كدت أضحك. ضحكة قصيرة، جافة، خرجت ثم انقطعت قبل أن تكمل.
لم أتحرك نحو الظل. لم أرفع السيف. رفعت رأسي فقط، كأنني أنظر إلى شيءٍ فوق الحلبة لا يُرى، وقلت بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
“إذن أنا الاستثناء… مرة أخرى.”
لم يجب أحد.
لكن غضبي لم يذهب بلا فائدة. في ثانية واحدة بدأتُ أربط الخيوط التي تجاهلتها طويلًا لأن النجاة لا تمنحك رفاهية الفلسفة.
هذه الجزيرة… نظام المانا… المشرفون… القواعد التي تتبدل لتصنع اقتصاد دم… ثم فجأة تُكشف الحقيقة ويُقال “لم يمت أحد”… ثم يُعاد تقسيمنا إلى فئات… ثم فئة استثنائية لشخص واحد… ثم قتال ضد “الظل” مع قاعدة موت حقيقي… كل هذا لا يشبه لعبة صُممت لتعليم الناس المانا فقط.
كل هذا يشبه شيئًا آخر: اختبارًا موجّهًا.
واختبارًا موجّهًا بهذا الشكل… لا يمكن أن يكون عشوائيًا.
منذ البداية كان هناك فرقٌ بيني وبينهم: أنا لم أملك “نظام المانا” مثلهم. أنا كنتُ أُعامل كمن لديه نظام آخر، كمن يُسمح له بأشياء ويُمنع عنه أشياء، كمن تُفتح له القيود ثم تُغلق، كمن يُختم حتى لا يكسر العالم، ثم يُدفع إلى مواقف تُجبره على كشف ما خُتم.
وها هي الجملة الآن تقولها بوضوح: إن متَّ… تموت بالفعل.
كأن أحدًا يريد أن يجعل هذه المواجهة حقيقية عليّ وحدي.
في اللحظة التي اكتمل فيها هذا الربط في رأسي، شعرت بأن غضبي صار أبرد. صار غضبًا مفيدًا. لا صراخ، لا اندفاع… بل قرار.
لكن القرار لم يمنحني ثانية إضافية.
بدأ القتال.
لم يتحرك الظل خطوة واحدة. لم يرفع يده كمن يستعد لضربة. فقط… أطلق وجوده.
ضغطٌ ساحق هبط عليّ من فوق، كأن السماء كلها تحولت إلى حجر. لم يكن ضغط مانا عاديًا أشعر به في الهواء. كان شيئًا أثقل… شيء يجعل العظام تتذكر معنى “السحق” قبل أن تُسحق.
في لحظة واحدة انحنت ركبتيّ، ثم سقطتُ على الأرض كأنها سحبتني إليها. صدري التصق بالحجر. أنفاسي انقطعت نصف انقطاع. السيف—إن كان في يدي—صار عبئًا. أصابعي حاولت أن تتحرك فلم تتحرك كما يجب. شعرت بوجهي يضغط على أرضٍ باردة حتى كاد جلدي يلتصق بها.
سمعت قلبي يدقّ تحت الضغط كأنه يريد أن يهرب من جسدي.
والظل… لم يقترب.
بقي واقفًا في مكانه، كأنه لا يحتاج أن يقتلني بسلاح، لأنه يستطيع أن يجعلني أختنق على الأرض وأنا حي. كان ذلك نوعًا من السخرية الصامتة: انهض إن استطعت.
ضغطتُ أسناني. لم أصرخ. الصراخ يضيع الهواء الذي لا تملكه.
حاولت أن أرفع رأسي. لم ينجح. حاولت أن أحرّك ذراعي. الذراع تحركت مليمترات ثم عادت. كأن العالم نفسه صار يقول: “لا.”
في تلك الثواني، تذكرت شيئًا مرّ في حياتي كإشارة بعيدة: خبرة قتالية داخل جسدي لا أعرف كيف وصلت. تلك الخبرة التي فُتحت لي سابقًا دون ذاكرة… الخبرة التي تجعل العضلة تعرف قبل العقل. الآن، تحت الضغط، ظهرت تلك الخبرة كغريزة: لا تحارب الضغط بقوة مفاجئة، بل قاومه ببطء، وزّع النفس، ابْنِ العمود الفقري من الداخل.
بدأت أتنفس بطريقة قصيرة، دقيقة، كأنني أتعلم التنفس لأول مرة. ضغطت كفي على الأرض، لا لأدفع جسدي كله، بل لأرفع جزءًا واحدًا: كتفًا، ثم آخر. ثم ركبة واحدة. ثم الأخرى.
كانت الدقيقة التي تلت أطول من يومين من المطاردة.
الضغط لا يضعف. أنا الذي تغيّرت. لم أعد أقاومه بعنف، بل بعناد صامت. كل ثانية كنتُ أشعر أن عظامي ستنكسر، ثم لا تنكسر. كل ثانية كنتُ أشعر أن صدري سيسحق رئتيّ، ثم يبقى الهواء.
حتى… بعد دقيقة كاملة تقريبًا… نجحت.
رفعت جسدي نصف رفعة، ثم وقفت على ركبة واحدة، ثم—ببطءٍ يليق بمن يخرج من تحت جبل—وقفت.
ترنحتُ أول لحظة. كدت أسقط. لكنني ثبتُّ قدميّ على الحجر، ورفعت رأسي أخيرًا.
الظل كان في مكانه.
لم يصفق. لم يقترب. لم يتحرك خطوة.
كأنه يقول: حسنًا… الآن تبدأ الإهانة الثانية.
رفعت يدي ببطء، وتحسست مقبض السيف. شعرت ببرودة المعدن كأنها تذكّرني أنني ما زلت أنا. لم أندفع. لم أركض. لأن الاندفاع ضد خصمٍ يملك ضغطًا كهذا قد يكون طريقًا سريعًا إلى الموت الحقيقي الذي هددوني به.
وقفتُ فقط، وأعدت ترتيب تنفسي. ثم رفعت عيني إلى الظل.
في تلك اللحظة… تحرك لأول مرة.
ليس خطوة. ليس ضربة بسيف. بل رفعُ يدٍ واحدة، كأنها تُشير إلى الهواء أمامي.
ثم أطلق شيئًا لم أرَه من قبل.
لم تكن كرة مانا، ولا رمحًا صغيرًا، ولا موجة ضغط فقط. كانت طاقة ذات لونٍ لا أستطيع أن أسميه لونًا. شيءٌ يلمع ثم يبتلع اللمعان. شيءٌ كأنه خط مستقيم من الفناء.
اندفعت نحوي بسرعة جعلت الهواء يصرخ. ومع اقترابها شعرت أن الأرض أمامي ستنشق، وأن الحجر نفسه سيُمحى لا يُكسر. لم تكن “قوة كبيرة”… كانت قوة من النوع الذي لا يترك شيئًا ليُرمم.
وفي عقلي ظهر تقدير واحد دون إرادة: هذه كافية لنسف جبل.
لم أملك وقتًا للفكر الطويل. جسدي تحرك بخبرة لا أعرف مصدرها: قدمي انزلقت خطوة جانبية، لكنني أدركت فورًا أن الخط لا يتبع مسارًا سهلًا. هو لا يطير فوق الحجر فقط… هو يُنكر الحجر.
الهواء حولي صار ساخنًا ثم باردًا في نفس اللحظة. شعرت أن شعيرات ذراعي ترتفع من الرهبة، وأن قلبي يضرب قفصي كما لو أنه يريد أن يخرج قبل أن يصل الخط.
في تلك الثانية بالذات… ظهرت رسالة قصيرة على هامش رؤيتي، كأن النظام يسخر مني وهو يختبرني:
فتح تدريجي: 0.000…001%
تحذير: لا يُسمح بالانهيار.
لم يكن “فتحًا” يمنحني رفاهية القوة. كان فقط شقًا صغيرًا في سدّ، كافٍ لشيء واحد: أن لا أموت فورًا.
رفعت السيف بكل ما تبقى في كتفي من قرار، لا لأهاجم الظل… بل لأقطع المسار.
عندما لمس النصل ذلك الخط… لم أشعر باصطدامٍ عادي. شعرت أن السيف يريد أن يُمحى من الوجود. المعدن صرخ في يدي دون صوت. ذراعي احترقت من الداخل. ركبتي كادت تنكسر من ردّ الفعل. لكن النصل لم يختفِ.
انقسم الخط لحظة. ليس انقسامًا نظيفًا، بل انحرافًا قاسيًا، كأنني دفعت الفناء بدرجة واحدة فقط عن صدري… والدرجة الواحدة هنا هي الفرق بين الحياة والموت الحقيقي.
الجزء المنحرف ضرب جانب الحلبة.
لا أصف ما حدث بانفجار فقط. الحجارة لم تتشقق… الحجارة اختفت من موضعها كأنها لم تكن. الهواء انفتح على فراغٍ أسود للحظة، ثم عاد يُغلق نفسه بعنف. صعد غبار كثيف، ليس غبار تراب، بل غبار حجرٍ تلاشى ثم عاد جزءٌ منه على شكل مسحوق.
تراجعتُ خطوة لا إرادية، والسيف ما زال في يدي لكنه صار أثقل بعشر مرات. يدي كانت ترتجف. كتفي يصرخ. أنفاسي تقطّعت.
رفعت رأسي نحو الظل.
ظل واقفًا… كما كان.
لم يتحرك نحوي بعد. لم يستغل ضعفي ليقتلني. كأنه يريد أن يجعلني أفهم الفارق: هو يستطيع أن يقتلني من مكانه، وأنا… أحارب فقط لأبقى واقفًا.
وفي داخلي—تحت الغضب—ثبتت الشكوك أكثر: هذه ليست مواجهة عشوائية. هذا اختبار مصمم ليكسرني، أو ليجبرني على فتح ما خُتم. وموتي هنا حقيقي… لأنهم لا يريدون “إقصاء” المجهول إلى مقعد متفرج. يريدون نهاية حقيقية إن فشل.
شدّدت قبضتي على السيف حتى تألمت أصابعي.
ثم خفضتُ النصل قليلًا، وغيّرت وقفة قدميّ إلى وضعٍ أكثر ثباتًا.
إذا كان هذا ظلّي… فهذا يعني أن ما يملكه ليس غريبًا بالكامل. يعني أنه يستعمل شيئًا في داخلي… أو شيئًا كُتب لي يومًا ولا أتذكره.
لكنني لم أكن بحاجة لأن أتذكر الآن. كنت بحاجة لأن أعيش.
والظل… رفع يده مرة أخرى و….