بعد تلك الضربة… لم يعد للحلبة “شكل” واضح في عيني.
لم يكن لأن الغبار غطّى الرؤية فقط، بل لأنني رأيت شيئًا يرفض أن يكون جزءًا من المنطق الذي أعرفه: طاقةٌ لا تكسر الحجر… تمحو موضعه. كأنها تقول: “أنا لا ألعب بقوانين المادة، أنا أكتب عليها خطًا ثم أُسقط الصفحة.”
وقفتُ وأنا أرتجف، والسيف في يدي أثقل مما ينبغي. الذراع التي صدّت ذلك الخط كانت تحترق من الداخل، كأن العظم نفسه اكتسب حرارة الحديد. نظرتُ إلى موضع الاصطدام على جانب الحلبة… فراغٌ مقضوم من الجدار، لا شقوق حوله ولا حطام كافٍ يبرره، فقط مساحة ناقصة، كأن أحدهم محاها بممحاةٍ قاسية.
رفعتُ عيني إلى الظل.
كان هناك… كما كان.
لا خطوة نحوي. لا استعجال. لا محاولة لإنهائي فورًا. مجرد وقفة ثابتة، كأن وجوده وحده كافٍ ليُذكّرني بمن يملك زمام هذه الساحة.
لم أستطع أن أمنع جملة واحدة من الصعود إلى رأسي: هو لا يقاتلني ليقتلني… هو يقاتلني ليُثبت شيئًا.
لكن هذا الاستنتاج لم يمنحني وقتًا، ولا رحمة.
رفعتُ السيف وأخذت نفسًا قصيرًا، ثم حاولت أن أتحرك… فتذكرت الضغط الأول: ذلك السقف الذي هبط عليّ فجأة وجعلني ألتصق بالأرض. الآن، وأنا أحاول الاقتراب، عاد الضغط، لكنه لم يهبط كجبلٍ مباشر. هبط كشيء أكثر خبثًا: ضغطٌ موزّع، يجعل الهواء نفسه سميكًا حولي، ويجعل كل خطوة تشبه السير في طينٍ لا يُرى.
ركبتي انحنتا رغماً عني. لم أسقط هذه المرة، لكن جسدي تذكّر الألم الذي يُجبرك أن تكون صادقًا مع حدودك.
الظل رفع يده ببطء.
كنت أعرف ما سيأتي. كنت أعرفه قبل أن يولد، لأن روحي تذكرت خوفًا جديدًا: ذلك الخط الذي يكفي لنسف جبل.
لم أنتظر.
اندفعتُ خطوة جانبية، ثم خطوة ثانية، أبحث عن زاوية، عن مسار لا يمر فيه الخط عبر صدري. وعندما خرجت الطاقة… لم تخرج كخط واحد فقط. خرجت كـ“صفعة” من الاتجاه، كأن الفناء تعلم كيف يلتف.
قطعَت الهواء أمامي، ومرّت على بعد شبرٍ من كتفي. شعرت بحرارةٍ باردة تلامس جلدي، كأن شعرة واحدة من جسدي تُمحى ثم تعود. ارتطم الخط بالحجر خلفي، فاختفى جزء آخر من الجدار، وابتلع الغبار المشهد.
لم أقترب منه. بل ابتعدت خطوة دون إرادة. ليس خوفًا… بل لأن جسدي فهم أن الاقتراب بدون فهمٍ جديد يعني أنني أوقع اسمي على موتي الحقيقي.
ثم ظهرت الرسالة على هامش رؤيتي، كأنها تُصفّق سخريةً من ارتباكي:
فتح تدريجي: 0.000…002%
توجيه: لا تعتمد على كمية القوة. اعتمد على زاوية القوة.
تجمّدتُ لحظة.
“توجيه”…؟
لم تكن الرسالة تهديدًا فقط. كانت تعليمًا.
رفعت عيني إلى الظل، وداخل رأسي بدأت تتشكل فكرةٌ لا أملك رفاهية تجاهلها: هذا ليس خصمًا يريد الفوز بأسرع وقت. هذا خصمٌ يريد أن يضعني في مكانٍ محدد… ثم يجبرني أن أخرج منه بالطريقة الصحيحة.
حاولت الهجوم للمرة الأولى بشكلٍ مباشر. رفعت السيف، وضغطت قدمي على الأرض، وشددت نفسي كأنني سأخترق الضغط بالقوة وحدها. تقدمت خطوة… ثم ثانية… ثم شعرت أن الأرض تكرهني. الضغط عاد فجأة أقسى، فالتصقت ركبتي بالحجر، واصطكت أسناني من شدته.
الظل… لم يقترب.
كأنه يقول: هذا خطأ. لا تهاجم قبل أن تعرف كيف تقف.
وقفتُ ببطءٍ شديد، أرتب أنفاسي كما لو أنني أتعلم التنفس من جديد. ثم جربت شيئًا مختلفًا: بدل أن أحارب الضغط بقوةٍ صاعدة، بدأت أُوزّعه داخل جسدي. شددت بطني، ثبتُّ الكعبين، جعلت ثقل جسدي ينزل أكثر في الأرض بدل أن يتحدى السقف. شعرت للحظة أن الضغط لا يختفي… لكنه يصبح أقل قدرة على كسري.
الظل رفع يده مرة أخرى.
هذه المرة لم يُطلق الخط فورًا. ترك ثانية واحدة تمر، ثانية تتسع فيها عيناي، كأنه يمنحني فرصة أن أضع جسدي حيث يجب قبل أن يختبرني.
ثم أطلق.
الخط جاء أسرع. أقرب. أدق.
رفعت السيف بزاوية مختلفة—لا كدرع أمام صدري، بل كصفحة مائلة، كمن يريد أن يجعل الضربة تنزلق بدل أن تصطدم. عندما لمس الخط النصل، صرخت ذراعي من الألم، لكن الضربة انحرفت فعلًا نصف درجة، ومرّت بجانب رأسي بدل أن تقطعني. ضربت الأرض خلفي، فمحا موضعًا منها، لكنني بقيت حيًا.
ارتعشتُ… ثم ابتلعت الرعشة.
ظهرت رسالة جديدة:
مقبول.
فتح تدريجي: 0.000…003%
لم أفهم من أين يأتي هذا “المقبول”، لكنني فهمت المعنى: كلما نفذت “الطريقة الصحيحة”، يفتحون لي شقًا صغيرًا إضافيًا. شقًا لا يجعلني قويًا… لكنه يمنعني من الموت الحقيقي.
وهكذا بدأت المحاولات تتكرر.
لا أتذكر عددها، ولا أريد أن أتذكر.
الزمن هنا صار كالماء؛ ينساب ولا يترك شكلًا واضحًا. أذكر فقط “الإيقاع”:
ضغطٌ يسحقني.
أعيد الوقفة.
خطٌّ يمحو الحجر.
أُميل السيف.
أفلت بشبر.
أتراجع.
أعيد التنفس.
ثم يعود كل شيء أسرع.
في كل مرة، كان الظل يرفع يده بالطريقة نفسها تقريبًا. لا مفاجآت عبثية. لا غضب. كأنه يُعلّمني أن الخطر الحقيقي ليس في العدو، بل في جهلي بقانون القوة التي أمسكها.
وبعد عدة محاولات—عشرات ربما—بدأت أرى نمطًا واضحًا يوقظ داخلي شيئًا يشبه الفهم:
هو لا يطاردني عندما أسقط.
هو لا يضربني وأنا عاجز تمامًا.
هو يضغط عليّ حتى أنحني… ثم ينتظر.
ينتظر حتى أقف.
ثم يطلق الضربة التي تقتلني لو أخطأت.
كأنه يقول: انهض. واجه. تعلّم. وإلا ستموت.
وهنا… لأول مرة، شعرتُ أنني لا أقاتل ظلًا فقط. كنت أقاتل غروري.
لأن غروري كان يصرخ: “أنا يجب أن أكون قادرًا على هذا!”
لكن الواقع كان أصدق: “أنت لا تعرف كيف.”
ومع كل ضربة، كنت أتعلم شيئًا صغيرًا، ليس عن القوة فقط… بل عن نفسي.
أدركت أن “الضغط” ليس مجرد ثقل. إنه مجال.
مجال يُحدد لك ما تستطيع فعله.
إذا حاولت أن تتحرك داخل المجال كأنه غير موجود، يسحقك.
وإذا حاولت أن تكسره بالصراخ، يبتلعك.
لكن إذا صنعت “نقطة ثبات” داخل المجال… إذا جعلت جسدك يخلق محورًا… تصبح قادرًا أن تفتح شقًا صغيرًا للحركة.
جرّبت ذلك بوضوح.
عندما جاء الضغط مرة أخرى، لم أقاومه بمرفقيّ. قاومته بقدميّ. غرزت كعبي في الحجر، جعلت ثقل جسدي ينزل، ثم شددت ظهري كما لو أنني أبني عمودًا داخل نفسي. كان الضغط ما يزال هناك، لكنه لم يجعلني ألتصق بالأرض كما في البداية.
الظل… تأخر نصف ثانية. كأنه يلاحظ.
ثم جاء الخط.
رفعت السيف. لكنني هذه المرة لم أكتفِ بالميل. حاولت أن “أحوّل” اتجاه الخط، لا أن أنجو منه فقط. عند الاصطدام، دفعت النصل دفعًا صغيرًا بيدي، كأنني أجرّ طرف الضربة بعيدًا، لا أن أصدها. الألم كان شديدًا، لكن النتيجة كانت أوضح: الخط انحرف أكثر، ومرّ بعيدًا عني، ومسح جزءًا من الجدار بدل أن يقتطعني.
ظهرت رسالة:
افهمتَ الفكرة.
فتح تدريجي: 0.000…005%
“افهمت الفكرة”…
لم تعد مجرد مباراة. كانت درسًا.
وبين درسٍ ودرس، كان شيءٌ يزداد في داخلي: تلك الشكوك التي بدأت قبل القتال.
لماذا أنا وحدي أموت فعلًا؟
لماذا أنا وحدي أقاتل “ظلّي”؟
لماذا يفتحون قوتي تدريجيًا وكأنهم يملكون مفتاح ختمٍ داخلي؟
في لحظة استراحة قصيرة—عندما جعلني الضغط أنحني، ثم سمح لي الظل أن أقف—لم أقاوم رغبتي في الربط أكثر.
هذا ليس نظام المانا.
نظام المانا كان يوزع مستويات، ألقاب، خبرة، قائمة ترتيب. كان لعبة عامة للبشر.
أما هذا… فهو شيء يعرفني. يكتب لي درسًا خاصًا. يهددني بالموت الحقيقي. ويضع أمامي نسخة مني… لتعلمني كيف لا أموت.
كان قلبي يريد أن يصرخ: هذه الجزيرة جزء من نظامي!
لكنني لم أملك دليلًا.
فقط كانت الفكرة تلتصق بكل ضربة، مثل شوكة لا تخرج.
ثم جاء التحول الأكبر: حاولت الاقتراب من الظل لأول مرة بقرارٍ صحيح، لا بحماقة.
كنت أعلم أن الوقوف بعيدًا يجعلني لعبة للخط الذي يمحو الجبال. إذا أردت أن أوقف هذا، يجب أن أُجبره على شيء آخر: قتال قريب، حيث السيف لا يكون مجرد درع… بل امتداد لقراري.
لكن الاقتراب يعني أن أتحمل الضغط دون أن أسقط.
انتظرتُ لحظة الضغط.
عندما جاء، بنيت عمودي الداخلي كما تعلمت، ثم تحركت خطوة صغيرة جدًا للأمام. خطوة واحدة فقط. شعرت أن الهواء نفسه يقاومني، لكنني لم أتراجع. كررت الخطوة. ثم ثالثة.
الظل رفع يده.
كنت أتوقع الخط… لكنه لم يطلقه فورًا.
بدلًا من ذلك، زاد الضغط. زاد فقط، كأنه يقول: لن تصل إليّ إن لم تفهم السيطرة على هذا أولًا.
ركبتي كادت تنحني. رأيت الأرض تقترب. لكنني تذكرت شيئًا بسيطًا: لا تحارب الضغط بالظهر… حاربه بالأنفاس.
جعلت النفس يدخل قصيرًا، ثم يخرج أقصر، كأنني أقطع الهواء إلى جرعات صغيرة حتى لا ينهار صدري. ثم دفعْت قدمي إلى الأمام مرة أخرى.
وصلتُ إلى مسافة أقرب.
الظل أخيرًا أطلق الخط.
لكن هذه المرة… كنت قريبًا بما يكفي لأرى أن الخط ليس “شيئًا ينفصل عنه” فقط. كان امتدادًا لاتجاه يده، لاتجاه نظرته، لاتجاه قصده.
الخط ليس قدرًا. الخط اتجاه.
وفي ثانية واحدة، فعلت شيئًا لم أكن أظن أنني قادر عليه:
لم أصد الخط… تجنبت مصدره.
انزلقتُ إلى الداخل، تحت اتجاه اليد قليلًا، كأنني أقطع زاوية إطلاقه قبل أن تكتمل. الخط مرّ بجانبي واصطدم بالحائط خلفي، ومحا جزءًا منه، لكنني لم أعد هدفه المباشر.
كانت هذه أول مرة أشعر أنني أفرض على المعركة شكلًا، بدل أن تفرضه عليّ.
الظل… تحرك خطوة.
خطوة واحدة فقط.
كنت أراقب تلك الخطوة كمن يرى جبلًا يمشي. ليس لأن الحركة قوية، بل لأنها أول مرة “يقترب”. كأن الدرس الأول انتهى: الوقوف تحت الضغط. والدروس التالية تبدأ الآن.
رفع ذراعه كما لو أنه سيضربني بيدٍ فارغة—لا سيف، لا عصا، فقط يد.
لكن اليد كانت كافية لتوليد ضغط جديد، ضغط موضعي، يجعل صدري ينكمش للحظة. ضربته لم تصل إليّ، لأنها لم تكن “لمسًا”. كانت موجة صغيرة.
رفعت السيف وقطعت الموجة بحد النصل كمن يقطع تيارًا.
لم تنقطع كاملة، لكنها انشطرت. شعرت بلسعة على خدي، خط رفيع من الدم خرج، ثم توقف.
الظل لم يستغل الدم. تراجع نصف خطوة. كأنه يقول: هذه هي. الآن تفهم القرب.
وبعد عدة محاولات أخرى—لا أذكر عددها—صار واضحًا لي تمامًا:
هو يقدّم لي القوة بطريقة تعليمية.
يضغط حتى يختبر ثباتي.
يطلق الخط حتى يختبر زاويتي.
يقترب حتى يختبر قراري.
ثم يتراجع… عندما أنجح.
كنت أراه يتصرف كمدرّس قاسٍ لا يملك رحمة، لكنه يملك هدفًا: أن أتعلّم كي لا أموت.
وفي كل مرة أنجح فيها، كانت الرسائل تزيد الفتح تدريجيًا، كأن الختم يُفتح “بالمعيار” لا بالرجاء:
فتح تدريجي: 0.000…008%
ثم: 0.000…010%
ثم: 0.000…015%
الأرقام كانت مضحكة لو لم تكن حياتي معلقة بها.
شظايا صغيرة… ومع ذلك كانت تصنع فرقًا بين أن يمحو الخط جسدي، وبين أن يمحو حجرًا خلفي.
ثم جاءت اللحظة التي كسرت شيئًا داخلي.
بعد ضغطٍ طويل، وبعد أن نجحت في الوقوف، وبعد أن اقتربت مسافة معقولة، أطلق الظل الخط الأقوى حتى تلك اللحظة.
لم يكن خطًا واحدًا. كان خطًا أعرض، كأنه نسخة “أدق” من السابق.
شعرت أن الهواء حوله يختفي لحظة، وأن كل شيء يريد أن يترك المكان قبل أن يصل.
رفعت السيف بزاوية الميل والتحويل معًا.
عندما لمس الخط النصل، شعرت أن ذراعي ستنكسر.
لكن بدل أن أحاول دفعه بالقوة، فعلت ما كنت أراه في داخلي ولم أجرؤ عليه سابقًا:
تركت جسدي يتحرك معه، لا ضده.
خطوت نصف خطوة في اتجاه سحبه، جعلت الضربة “تمر” بدل أن “تصطدم”، كأنني أمتص جزءًا من اتجاهها ثم أتركه ينزلق.
الخط انحرف بعيدًا… لكنه سحبني معه، كاد يقذفني إلى الأرض.
قبل أن أسقط، استعملت الضغط نفسه كحبل توازن. غرزت قدمي، وعدت إلى الوقفة.
كان جسدي يرتجف، لكنني بقيت واقفًا.
الظل… توقف.
ولأول مرة، شعرت أن صمته ليس سخرية… بل اعتراف.
ظهرت رسالة واحدة، قصيرة، بلا زينة:
لا تمت. تعلّم.
ثم: فتح تدريجي: 0.000…020%
لم أعرف هل الرسالة من النظام أم من شيء أعمق. لكن المعنى كان واضحًا: هذه المواجهة ليست لإقصائي إلى مقعد متفرج. هذه المواجهة… لصنع “نسخة قادرة على البقاء”.
رفعت عيني إلى الظل، وداخل رأسي ثبتت جملة واحدة ببرودة مقلقة:
إذا كانت هذه “شرذمة” فقط… فماذا كان مخزوني الحقيقي الذي خُتم؟
لم يأتِني جواب.
جاءت ضربة ضغط جديدة، تذكرني أن الأسئلة تُؤجل هنا حتى لا تموت.
لكنني هذه المرة… لم ألتصق بالأرض.
لم أرتبك.
ثبتُّ قدمي، وبنيت عمودي الداخلي، ورفعت السيف.
وتقدمت خطوة.
خطوة صغيرة… لكنها كانت أول خطوة لا تحمل رائحة الفوضى.
كانت خطوة تعلم.
والظل… تحرك خطوة مقابلة.