خطا الظل خطوةً واحدة.

لم تكن خطوةً عادية… كانت كأنها “انتقال” بلا مسافة. في لحظةٍ كان على طرف الحلبة، وفي اللحظة التالية صار أمامي مباشرةً، قريبًا لدرجة أن الهواء بيننا انقطع.

لم أملك وقتًا لرفع السيف إلى زاويةٍ صحيحة. لم أملك حتى وقتًا لأفهم كيف قطع تلك المسافة من دون أن أرى حركة قدمٍ أو ارتجاج ظلٍّ على الأرض.

رفع يده.

ثم ضربني ضربةً واحدة.

لم تكن الضربة سيفًا ولا قبضةً واضحة، لكنها كانت “أمرًا” يُنفَّذ على جسدي. شعرتُ بأن كل عظمٍ في صدري تلقّى نفس الصفعة في اللحظة نفسها. السمع اختفى، ثم عاد على شكل طنينٍ حاد، والهواء خرج من رئتي كأنه أُفرغ بالقوة. ارتفعت قدماي عن الأرض قبل أن أفكر في التوازن، وطرتُ… طيرانًا لا يشبه القفز، بل يشبه أن يُلقى بك من عالمٍ إلى عالم.

رأيت الحلبة في منطقتي تصغر تحتّي في طرف العين، ثم صارت بقعةً بعيدة. الريح صارت سكينًا على وجهي. الضوء تغيّر. الأرض تغيّرت. كأن الجزيرة كلها انقلبت تحت جسدي وأنا معلّق في الهواء بلا أي قدرة على تصحيح المسار.

ثم… رأيت منصةً واسعة تتسع تحتي بسرعة، دائرة قتالية محفورة، مدرجات حجرية، وجوه مقنعة، ضوء الواجهات، وصمتٌ متوتر.

منطقة إقصائيات السحرة.

لم أدرك ذلك إلا في اللحظة التي اصطدمت فيها.

سقطتُ على الحلبة كنيزكٍ صغير. الحجر لم يتشقق فقط… الحجر انهار. جسمُي دخل في الأرض لحظة، ثم ارتدّ الألم كالموجة، وانفجرت الحفرة تحتّي. تشققت الأرض حولي على شكل دوائر، وارتفعت شظايا حجرية، ثم سقطت مطرًا رماديًا على المدرجات القريبة.

تحولت الحلبة—حلبة السحرة—إلى حفرة كبيرة، فاغرة كفمٍ ابتلع الحجر.

كنتُ في قاعها، جسدي ملتفّ على نفسه، والهواء لا يدخل ولا يخرج بسهولة. الألم لم يكن “وجعًا”… كان حقيقةً صافية تلمع في كل عصب. شعرتُ كأن ظهري انقسم إلى نصفين، وكأن أضلعي تُعِيد ترتيب نفسها بالقوة. حاولت أن أصرخ، لكن الصوت خرج كهواءٍ مكسور، ثم انقطع.

الكل كان ينظر.

عيون لا تُعد. وجوه مقنّعة، بعضها كان يقف، وبعضها كان يجلس، وبعضها كان نصف واقف نصف جالس كأنه لا يعرف كيف يتصرف أمام مشهدٍ لم يُكتب في قواعد الإقصائيات.

رأيت سليم على طرف المدرجات—أو خُيِّل إليّ—وعصاه على صدره، وعينيه متسعتين لأول مرة منذ زمن. رأيت مشرفًا محليًا يجمد مكانه، ويده ترتفع ثم تنخفض، كأنه يريد أن يصيح “القتال ممنوع” لكنه لا يعرف لمن يقولها الآن.

كنتُ أتلوى… ليس استعراضًا، بل لأن جسدي لا يملك خيارًا آخر. كل نفسٍ كنتُ أحاول أخذه كان يجرّ الألم معه. وكل ثانية تمر كانت تُشعرني بثقل الجملة التي كُتبت لي في الحلبة السابقة: إذا مت… ستموت بالفعل.

لم يكن في هذه الحفرة نظامٌ ينقلني إلى الأرض، ولا مقعد متفرج ينقذني من النهاية. كنتُ أعرف ذلك الآن لا بعقلي، بل برعشةٍ باردة في العمود الفقري.

لمع إشعار أمام عيني.

هذه المرة لم يكن على شكل “معلومة” أو “تحذير” قصير. كان كمن يعلن قانونًا جديدًا في اللحظة التي ينكسر فيها كل شيء:

مكان قتالكم: الجزيرة بالكامل.

ثم سطرٌ ثانٍ، قصير لكنه أثقل من الحجر الذي فوق صدري:

انظر فوقك.

ابتلعتُ الألم كما يبتلع الغريق ماءً مالحًا ويعرف أنه لا يملك خيارًا. رفعتُ رأسي ببطءٍ شديد، كأن مجرد رفعه يحتاج إذنًا من العظم. نظرتُ إلى السماء فوق ساحة السحرة… ونظرتي كانت تحمل دهشةً وصدمةً في آنٍ واحد.

الظل كان هناك.

محلقًا فوقنا، فوق المدرجات وفوق الحفرة، ثابتًا كأنه لا يحتاج هواءً ولا قوانين. كان يطفو على ارتفاعٍ يجعل وجوده إعلانًا: أنا فوقكم جميعًا. أنا أكبر من هذه الحلبة. أكبر من قواعد “ممنوع القتل”.

وبينما كنتُ أحاول أن أميز ملامحه في الضوء، رأيت شيئًا لم أرَه منه من قبل بوضوح… انحناءة بسيطة في الفم، ابتسامة ساخرة، لا ضحك فيها ولا فرح، فقط سخرية من فكرة أنني احتجت كل تلك المحاولات لأقف… بينما هو يكفيه خطوة وضربة ليحولني إلى حفرة.

لم يتحرك نحوي.

لم ينهِ الأمر.

بقي ينتظر… ينتظر أن أقف، كما كان ينتظر في الحلبة الأولى. كأنه يعيد الدرس نفسه أمام جمهورٍ جديد: انهض. تعلّم. لا تمت.

تغير همس الجمهور إلى صمتٍ أثقل. لا أحد يتجرأ على الكلام. القتال ممنوع، نعم، لكن هذا ليس “قتالهم”. هذا قتالٌ فرضته الجزيرة على السماء والأرض معًا. والناس هنا لا يعرفون إن كانت القاعدة تمنعهم من التدخل… أم تمنعهم من مجرد التفكير في التدخل.

حاولتُ أن أضع كفي على الحجر لأرفع نفسي، فصرخ جسدي من الداخل. الألم كان سكينًا يدور في ظهري. لكنني أجبرتُ أصابعي على القبض. قبضتُ على حافة حجرٍ مكسور، وشددتُ نفسي خطوة خطوة، كما تعلمت تحت الضغط في المواجهة الأولى: نفسٌ قصير… تثبيت كعب… عمود داخلي… لا اندفاع.

كنتُ أسمع دقات قلبي كطبولٍ داخل رأسي.

كنتُ أسمع دماء وجهي تُكمل طريقها ببطء تحت الجلد.

كنتُ أسمع الحجر يئنّ تحت أصابعي.

نهضتُ على ركبة واحدة.

ثم ثانية.

ثم وقفت.

وقفتُ داخل الحفرة، جسدي يهتز، وسيفي… سيفي كان بعيدًا عن يدي. لم أعلم أين سقط أثناء الطيران. نظرتُ حولي بعيون حادة رغم الدوار، فرأيت النصل نصف مغروس في طرف الحلبة، بعيدًا قليلًا، كأنه رفض أن يضيع تمامًا.

مددتُ يدي نحوه غريزيًا، ثم أدركت أنني لا أملك رفاهية الركض إليه. الضلّ ينتظر في السماء. ضربة واحدة أخرى قد تنهي كل شيء—وتنهيه بالفعل هذه المرة.

كان عليّ أن أستعيد السيطرة قبل السلاح.

ظهرت رسالة صغيرة على هامش رؤيتي، كأن النظام يعلّق على قيامي كما يعلّق المدرّس على طالب:

فتح تدريجي: 0.000…030%

ملاحظة تنفيذية: الثبات أولًا.

لم أرَ كلمة “ملاحظة” بهذا الوضوح من قبل، لكنها خرجت ببرودٍ يثير الغضب. كأنهم يعطونني فتاتًا ثم يقولون: اشكر الفتات لأنك إن لم تشكره تموت.

رفعتُ رأسي إلى السماء مرة أخرى.

الظل لا يزال يبتسم.

ثم—بهدوءٍ مستفز—رفع يده.

لم يكن ذلك رفعًا سريعًا. كان رفعًا بطيئًا، كأنه يمنحني فرصة “حلوة” كي أستعد… ثم يختبر إن كنتُ سأفهم أو أموت.

تذكرت فجأة نظرات الناس حولي.

سليم هناك.

السحرة هنا.

نصف النهائي في أوجّه.

وهذا المشهد كله، الذي يجب أن يكون مباراة منظمة بلا قتل، صار الآن منصة إذلال علنية.

ولأنني لم أعد أملك القدرة على تحمّل المزيد من الإهانة، تولّد في صدري شيءٌ يشبه العناد الصافي. ليس اندفاعًا أعمى، بل قرارًا واحدًا: إن كنت سأتعلم… فسأتعلم واقفًا.

حين أطلق الظل الطاقة هذه المرة، لم تكن خطًا واحدًا نحو الحفرة. كانت موجة ضغطٍ فوقها، تجعل الهواء نفسه يهبط. شعرتُ بالحفرة تضيق، كأن الجدران تريد أن تلتصق بي. ركبتي كادت تنحني، لكنني ثبتُّ قدميّ. جعلت نفسي “ثقيلًا” لا “خفيفًا”. وزعت الضغط عبر العمود الداخلي. لم أسمح للحفرة أن تعيدني إلى الأرض.

ثم رأيت الخط—خط الفناء—يولد من فوقه، ويتجه نحوي من السماء كرمحٍ لا معنى للمراوغة معه.

هذه المرة لم أنتظر أن يصل ثم أبحث عن زاوية. بدأت الزاوية قبل أن يولد.

رفعت جسدي باتجاهٍ يجعل الخط يضرب حيث أريد.

قفزتُ خطوة جانبية قصيرة داخل الحفرة، ثم خطوة ثانية، كي لا أكون نقطة ثابتة.

عندما وصل الخط، مرّ قريبًا من كتفي، وشعرت بأن جزءًا من الهواء يُمحى بجانبي. لكنه لم يمسني. ضرب طرف الحفرة، ومحا جزءًا كبيرًا منها، فانهارت حافة جديدة وسقطت شظايا حجرية على أرض الحلبة.

سمعت شهقة جماعية من المدرجات.

مشرف السحرة تحرك أخيرًا خطوة إلى الأمام، ثم توقف مرة أخرى. كأنه يريد أن يصرخ: “حماية الحلبة!” لكنه لا يستطيع. القتال ممنوع… لكن هذا ليس قتالًا طبيعيًا. النظام نفسه قال: الجزيرة بالكامل.

أدركتُ فجأة معنى أخطر:

هذا القتال لا يلتزم حدود “المنطقة” ولا حدود “الفئة”.

وهذا يعني أن كل الجزيرة—بمناطقها التسع الأخرى، وبممراتها، وبمقاعد المتفرجين—قد تكون الآن ضمن ساحة الدرس القاسي الذي يفرضونه عليّ.

وهذا وحده جعل غضبي يصبح أبرد.

أبرد من الخوف.

بدأت أتحرك للخروج من الحفرة، لا هربًا من الظل—لا هرب ممكن—بل لأنني رفضت أن أبقى في موضعٍ يجبرني على القتال من الأسفل بينما هو فوقي.

قفزتُ إلى حافة الحفرة بصعوبة. صعدت خطوة ثم ثانية. الألم كان ينهش ظهري، لكنني صعدت. وصلت إلى سطح الحلبة المكسور، ووقفت وسط دوائر الشقوق.

كانت الأعين تحاصرني الآن، لا بالسكاكين، بل بالدهشة.

كنتُ أنا “المجهول”.

لا أحد يعرف ما يعنيه ذلك، لكنهم يرون النتيجة: رجل سقط من السماء، صنع حفرة، ثم وقف ليقاتل ظلًا يحلق فوقه.

رأيت سليم ينحني قليلًا إلى الأمام، كأنه يريد أن يقول شيئًا، ثم يتوقف. لا يستطيع التدخل. لا يريد أن يخرق قاعدة. وربما… ربما يشعر أن هذه الساحة ليست ساحته الآن.

الظل نزل قليلًا من ارتفاعه، ليس هبوطًا إلى الأرض، بل اقترابًا. اقترب حتى صار فوق الحلبة مباشرة. ثم أشار بإصبعه—كمن يرسم خطًا—وسقط ضغطٌ جديد على كتفيّ جعلني أشعر أن جسدي سيعود للحفرة.

لكنني لم أنحن هذه المرة.

جعلتُ نفسي أثقل، وثبتُّ قدمَيّ، ثم—أمام أعين الجميع—تحركتُ نحو سيفي.

كانت المسافة قصيرة، لكنها بدت كأنها مسافة عمر. لأن أي خطوة خاطئة تعني أن خطًا آخر سيولد ويقطع المسافة بيني وبين النهاية.

وصلتُ إلى السيف. قبضتُ عليه.

برودة المقبض كانت مثل حقنة عقل. شعرتُ أنني أعود إلى شيءٍ أعرفه. حتى لو كان ما أواجهه أكبر من السيف، السيف يثبتني في معادلة لا أقبل أن أخرج منها بلا قتال.

رفعت النصل بزاوية مائلة، كما تعلمت في الحلبة الأولى: لا تصدّ “الفناء” كجدار، بل اجعله ينزلق كحكمٍ يمر على صفحة بدل أن يمحو الصفحة كلها.

نظر الظل إليّ… ثم ابتسامته اتسعت قليلًا، كأنه يرى أنني أخيرًا أحضرت أدوات الدرس.

لمع إشعار جديد:

نطاق القتال: الجزيرة بالكامل — مُفعّل.

ثم سطرٌ يضغط على عصب الغضب:

النتيجة على عاتقك وحدك.

رفعت رأسي، والعرق يختلط بالغبار على وجهي، والألم يطن في ظهري. نظرت إلى السماء حيث يقف خصمي—ظلّي—أعلى من كل القوانين التي أُعلن عنها للآخرين.

وعندها فقط… فهمت السخرية الكاملة:

هم وضعوني أمام الجمهور ليس لأنهم يريدون أن يروني أفوز.

بل لأنهم يريدون أن يروا: هل سأتعلم قبل أن أموت؟

الظل رفع يده مرة أخرى… لكنه هذه المرة لم يطلق الخط مباشرة.

أطلق ضغطًا صغيرًا، موضعيًا، كأنه يدفعني لا ليقتلني، بل ليختبر وقفة قدميّ.

ثم توقف.

ينتظر.

ابتسامته تقول: هيا. أرني ما تعلمته.

شدّدت قبضتي على السيف، وثبّتُّ كعبيّ، وبنيت العمود الداخلي الذي تعلمته تحت السحق، ثم رفعت النصل… لا كمن يدافع فقط، بل كمن يستعد لقطع طريق السماء إلى الأرض.

وعلى أطراف الساحة، كان صمت السحرة ونصف النهائي والمدرجات كلها يتحول إلى شيءٍ واحد: انتظار لحظةٍ ستكشف إن كان “المجهول” مجرد عنوان… أم حقيقة تكتب قانونًا جديدًا.

2026/05/19 · 2 مشاهدة · 1566 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026