مرّ أسبوعٌ كامل… ثم عاد كل شيء إلى “طبيعته”.
لم يكن هذا الرجوع إلى الطبيعية رجوعًا كاملاً بالمعنى الحرفي؛ لأنني لم أعد الشخص نفسه الذي دخل الجزيرة وعاد منها. لكن العلامات الغريبة التي كانت تُربكني—هدوء الناس حين أتكلم، فتح الطريق أمامي دون وعي، ذلك الإحساس بأن حضوري يضغط على المكان—تلاشت تدريجيًا حتى اختفت، كما يختفي صداعٌ غامض بعد أيام دون أن تعرف سببه.
في البداية، لم أرتح.
العودة إلى الطبيعية كانت مريبة أكثر من الغرابة. الغرابة حين تظهر تفزعك، لكنها على الأقل تعترف بوجودها. أما أن تختفي الغرابة فجأة دون تفسير… فهذا يتركك مع سؤالٍ مفتوح: هل كانت حقيقية؟ هل كانت في عقلي؟ أم كانت شيئًا داخليًا أُطفئ كما يُطفأ جهاز دون أن يشرح لك أحد لماذا؟
حاولت أن لا أفكر كثيرًا. كنت أذهب إلى الجامعة، أجلس في المحاضرات، أشارك كما كنت أفعل سابقًا، وأعود إلى البيت. سليم كان يعود هو الآخر إلى نمطه المعتاد: هدوء مع انتباه، وحذر دون أن يتحول إلى هلع. رئيس الخدم لم يكثر الاتصالات كما وعد. كان يرسل رسائل قصيرة جدًا عند الضرورة، غالبها يتعلّق بالمراسم القادمة، أو بتثبيت قواعد السرية، أو بتنسيق توقيتات اتصال لا تفتح باب “القصة”.
أحيانًا، كنت أستيقظ في الليل وأشعر بأن صدري ثقيل قليلًا، كأن القلب يطرق بوضوح، ثم يهدأ. وأحيانًا كنت أشمّ رائحة جسدي فأجدها عادية، فأتنفّس. كنت أخاف من أن يعود ذلك الصباح الكريه الذي اندفعت فيه إلى الاستحمام دون فهم. لكن الأسبوع مرّ دون تكرار. كأن جسدي صمت… أو كأن شيئًا داخليًا أكمل عمله ثم اختفى.
وفي اليوم السابع، عندما بدأت أقنع نفسي بأنني ربما كنت أبالغ… حدث ما قطع كل محاولة لتفسير الأشياء نفسيًا.
كنت في غرفتي في الليل، أراجع شيئًا بسيطًا من دروسي، وأحاول أن أجعل الحياة تبدو منطقية. كان الهاتف بعيدًا، والنافذة مفتوحة قليلًا، والهواء يحمل برودة خفيفة. ثم—بلا أي إنذار—ظهر إشعار النظام.
ليس إشعارًا على الهاتف. لم يكن تطبيقًا ولا رسالة نصية. كانت الشاشة الشفافة نفسها التي تعرف طريقها إلى عيني دون أن تمرّ عبر أي جهاز. ظهرت أمامي في الهواء كما لو أنها جزء من الغرفة، ثم كتبت بنبرة تفسيرية ساخرة لا تُخفي متعتها بالاستفزاز:
«هناك تحديث قائم.
سيتم تحديثه وسيستغرق ساعتين.
خلال التحديث سيتم ختم كل قوتك ريثما ينتهي.
بعد انتهاء التحديث: سيتم فتح ختم الشرذمة. ههه.
وسيتم فك الختم على الرون لخمس رونات.»
تجمدت.
لم تكن المشكلة في “التحديث” وحده. المشكلة في طريقة الجملة: ساعتان… وختم كل قوتك… ثم فتح الشرذمة… ثم فك الختم على الرون. كأن النظام يتحدث عن تغيير نظام تشغيل على هاتف، لا عن تغيير حدود وجودي.
وقفت من مكاني بلا وعي، وقلت بصوت منخفض:
«الآن؟»
لم يجب النظام. لا أحد يجيب حين تسأل الهواء.
حاولت أن أستشعر شيئًا داخليًا، لا لأنني أريد أن أطلق قوة، بل لأنني أردت أن أفهم: هل بدأ الختم فورًا؟ هل سأشعر به؟ هل سيتحول جسدي إلى فراغ؟ هل سيصير وجودي أخف أم أثقل؟
في البداية لم يحدث شيء واضح. ثم—بعد ثوانٍ قليلة—شعرت بأن ما كان في صدري دائمًا، ذلك المدار الداخلي الثابت، صار كأن عليه غطاءً ثقيلاً. ليس ألمًا، بل سدًّا. كأن الهواء داخل الصدر صار أقل سعة، وكأن جوهري الذي كنت أثبته صار بعيدًا عن يدي، لا لأنني فقدته، بل لأن النظام وضع بيني وبينه جدارًا مؤقتًا.
الفرق كان مرعبًا بطريقة غريبة: كنت قد اعتدت على وجود القوة—حتى وهي مختومة—كأنها وزن ثابت في جسدي. والآن، فجأة، صارت بعيدة كأنها ليست لي.
جلست على السرير، ووضعت يدي على صدري، لا لأدفع شيئًا، بل لأطمئن أنني ما زلت هنا. كنت أكره أن أعترف لنفسي، لكن جزءًا مني كان خائفًا: إذا كان النظام قادرًا على ختم كل قوتي في لحظة، فهو قادر على فعل أشياء أكثر دون إذني.
ولأنني تعلمت من سليم أن لا أترك حدثًا كبيرًا يمرّ وحدي، اتصلت به فورًا.
رنّ الهاتف… وأجاب.
قلت بلا مقدمات: «وصلني إشعار. تحديث ساعتين. ختم كل قوتي خلال التحديث. ثم فتح الشرذمة… وفك ختم الرون.»
سليم سكت لحظة كأنه يجمع الكلمات في رأسه، ثم قال: «وصلني شيء؟»
قلت: «لا أدري. لكن هذا من نظامك؟»
قال بوضوح: «لا. لم تصلني واجهة الآن. وهذا يعني أنه تحديث خاص بك. أو أن نظامك منفصل.»
كنت أعرف ذلك، لكنه حين نطقها بدا الأمر أوضح وأكثر قسوة: أنا لست ضمن البشر، ولا ضمن المقاتلين، ولا حتى ضمن الحراس بطريقة بسيطة. أنا ضمن مسار آخر، والنظام يتعامل معي كملف مستقل.
قال سليم: «أين أنت؟ في البيت؟»
قلت: «نعم.»
قال: «ابقَ هناك. لا تخرج. ساعتان ليست وقتًا طويلًا، لكنها وقت كافٍ لحدوث شيء غير متوقع. وإن حدث شيء… اتصل فورًا. لا تحاول اختبار القوة.»
كنت سأضحك لو كانت الضحكة ممكنة: أي قوة؟ النظام قال إنه ختم كل قوتي. لكني لم أقلها. قلت فقط: «مفهوم.»
أغلقت المكالمة.
مرّت الدقائق الأولى ببطء شديد. كنت جالسًا على السرير أراقب الساعة على هاتفي كمن ينتظر عملية جراحية داخل جسده دون مخدر. كل دقيقة كانت تبدو أطول من السابقة. لم يكن لدي ما أفعله سوى التفكير… والتفكير كان العدو.
بعد عشر دقائق تقريبًا، بدأ جسدي يرسل إشارات غريبة. لم تكن ألمًا مثل ألم الأسبوع الماضي. كانت أقرب إلى فراغ في الأطراف، كأن العضلات صارت أخف. ثم جاءت موجة تعب مفاجئة في الرأس، كأن ضغطًا صغيرًا يضغط على الجبهة من الداخل. لم أتحرك كثيرًا. كنت أخشى أن أي حركة زائدة قد تفتح شيئًا لا يجب أن يُفتح أثناء “التحديث”.
مرّت نصف ساعة.
لم يظهر شيء جديد. لا شاشة، لا رسالة، لا صوت.
ثم مرّت ساعة.
وبينما كنت أحدق في الجدار، بدأ شيء آخر يتغير: إحساسي بالزمان نفسه. ليس توقفًا كاملاً كما حدث في الماضي، بل بطء نسبي، كأن الدقائق تتثاقل. كنت أشعر أن النظام لا يحدّث شيئًا بسيطًا، بل يبدّل طبقات متصلة بالأختام، بالرون، وبالشرذمة.
وصلت الساعة الثانية تقريبًا، وكانت الأعصاب قد صارت مشدودة كخيط.
وفجأة—بلا مقدمة—اختفت تلك السدّة الثقيلة في صدري للحظة قصيرة جدًا، ثم عادت بطريقة مختلفة. ليست عودة القوة الكاملة، بل عودة “مسار” جديد. كأن النظام أزال القفل القديم ووضع قفلًا جديدًا أدق، ثم أرسل بعدها مباشرة شاشة في الهواء.
ظهر نص واحد أولًا:
«انتهاء التحديث.»
ثم سطر آخر:
«تم فتح ختم الشرذمة.»
ضحكتُ في داخلي ضحكة قصيرة… لأن “ههه” لم تعد موجودة في الرسالة هذه المرة، وكأن النظام صار أكثر جدية بعد أن انتهى من العبث.
ثم ظهر سطر ثالث، هو الذي جعلني أرفع رأسي بسرعة:
«تم فك الختم على الرون.»
توقفت أنفاسي.
الرون… كان أكثر ما يخيفني في قدرتي، لأنني لا أفهم كيف أستعمله، ولا من أين جاءني. في ليلة الوحوش، خرج من لاوعيّ كأنه برنامج محفوظ. وأنا استعملته دون فهم، ثم قيل لي إن التعويذات ستُختم. الآن النظام يقول إنه فك الختم على الرون… أي أنه أعاد فتح باب “لغة الأمر” في الواقع.
جلست مستقيمًا. لم أمد يدي. لم أجرب شيئًا. لكنني شعرت بشيء واضح جدًا: العالم حولي صار يحمل “طبقة” جديدة من القراءة.
لم أرَ رموزًا مكتوبة على الجدران، ولم تلمع أحرف في الهواء. لكنني كنت أشعر—في العمق—أن الواقع صار أقرب إلى أن يُكتب، لا أن يُعاش فقط. كأن كل شيء له “قابلية تعديل” صارت أقرب إلى السطح.
والشرذمة… لم أعرف كيف أقيّم فتحها. هل زادت قوتي؟ هل انخفض القيد؟ هل صرت أخطر؟ لم يكن لدي مؤشر رقمي. لكنني شعرت بأن جوهري الذهبي في الداخل صار “أكثر سعة” قليلاً، كأنه يتنفس أفضل. كأن النظام فتح لي نافذة صغيرة في قبوٍ كان مغلقًا.
لم أفرح. لم أحتفل. لم أتحرك.
لأنني كنت أعرف أن أي اختبار عشوائي الآن قد يحول غرفة النوم إلى حادثة لا يمكن تفسيرها في حيّ مدني.
فتحت الهاتف واتصلت بسليم مرة أخرى.
رد فورًا، كأنه كان ينتظر.
قلت: «انتهى التحديث. قال: فتح الشرذمة. وفك الختم على الرون.»
سليم صمت ثانية قصيرة، ثم قال: «هل تشعر بتغير؟»
قلت: «نعم… لكني لا أفهمه.»
قال: «لا تختبر في البيت. ولا تختبر وحدك. نحتاج مكانًا معزولًا إذا اضطررنا. أو ننتظر تعليمات واضحة من النظام نفسه أو من رئيس الخدم إن كان لديه بروتوكول لهذا.»
قلت: «الآن؟»
قال: «الآن تنام. لأنك إن بقيت مستيقظًا ستفكر حتى تنهار. وغدًا نلتقي ونقرر. ولا تنس: الرون أخطر من المانا. لأنه لا يحتاج طاقة “علنية” كي يفعل شيئًا.»
أغلقت المكالمة.
وضعت الهاتف جانبًا، وأطفأت الضوء.
لكن النوم لم يأتِ بسرعة هذه المرة. كنت مستلقيًا، وعيني مفتوحة في الظلام، أشعر أن الواقع حولي صار رقيقًا قليلًا… كأن بيني وبينه طبقة كتابة. كنت أخشى أن أفكر في تعويذة رون فتتحرك وحدها. لم أكن أعرف إن كان هذا ممكنًا الآن، لكنني لم أرد أن أجرب.
أغمضت عيني بقوة، كما لو أن إغلاق العين يمنع الفكرة من الخروج.
وبعد وقتٍ طويل، غفوت.
---
في الصباح التالي، استيقظت وكنت أول ما فعلته هو أن نظرت إلى يديّ كمن يتأكد أنه ما زال إنسانًا. كانت يدي عادية. اللون طبيعي. لا ضوء. لا رموز. لا شيء يفضحني.
لكن في داخلي، كان هناك وضوح جديد: لم تعد قوتي مجرد “شيء موجود ومختوم”. صارت “شيئًا يُدار” من طرف النظام على شكل تحديثات، أختام تُفتح وتُغلق، ومسارات تُفعل وتُعطل.
وهذا وحده كان مرعبًا أكثر من الوحوش.
لأن الوحوش تراها أمامك. أما النظام… فهو يرى داخل رأسك قبل أن تراه أنت.
لبست وخرجتُ إلى الجامعة كعادتي، أحاول أن أعيش “الطبيعي” فوق بحر من غير الطبيعي. وفي الطريق، مررت بجانب مجموعة من الطلبة يتحدثون عن البطولة… ثم سكتوا لحظة حين اقتربت، ثم عادوا إلى حديثهم عندما ابتعدت. لم يكن ذلك الانضباط الغريب الذي حدث قبل أسبوع. كان مجرد صمت عابر. وهذا طمأنني قليلًا: على الأقل، الأثر الاجتماعي لم يعد يسبقني.
لكن وأنا أعبر باب الكلية، شعرتُ بوميض داخلي صغير، كأن شيئًا في الواقع يهمس: “يمكنك أن تكتب.”
خفضت رأسي ومضيت.
لأنني كنت أعرف أن أول خطوة في الرون… قد تكون آخر خطوة في الهدوء إن كانت خاطئة.