دخلتُ الكلية ذلك الصباح وأنا أحاول أن أستعيد إيقاع “طالبٍ عادي” كما يستعيد المرء نَفَسه بعد جريٍ طويل. كان أسبوعٌ كامل قد مرّ منذ تلك الغرابة التي جعلت الناس يفتحون الطريق لي دون وعي، ويصمتون حين أتكلم بلا سبب مفهوم، ثم اختفت العلامات فجأة كما جاءت، وبقيتُ وحدي مع سؤالٍ بلا جواب. وبعد “تحديث النظام” الأخير وما تلاه من شعورٍ خافت بأن الواقع صار أقرب إلى أن يُكتب… كنتُ أحتاج أن أتشبث بأي شيء أرضيّ بسيط: باب الكلية، رائحة الأوراق، ضجيج الطلبة.
كنتُ أنا وسليم نسير معًا في الرواق المؤدي إلى المدرج، والناس حولنا يتوزعون في اتجاهاتهم المعتادة: من يركض إلى قاعة، ومن يقف أمام مكتب التصوير، ومن يجلس على درجٍ يراجع ملخصاتٍ في آخر لحظة. لا شيء يبدو استثنائيًا في الصورة العامة… حتى سمعنا ضجيجًا مختلفًا قليلًا، ضجيجًا متكتلًا لا يتبع حركة المرور العادية داخل الكلية.
كان هناك تجمع كبير عند لوحة الإعلانات.
اللوحة نفسها مكان مألوف؛ ورقٌ يتراكم، إعلانات عن امتحانات، عن حصص تعويضية، عن تغييرات القاعات، عن منحٍ جامعية. لكن هذا التجمع لم يكن تجمع “طالب يبحث عن قاعته”. كان تجمع “ناس يشمون رائحة حدث”.
تبادلنا النظرات أنا وسليم دون كلام، ثم انعطفنا تلقائيًا نحو اللوحة. كلما اقتربنا، كان الكلام يتضح: جمل قصيرة متقاطعة، تعليقات ساخرة، همسات متوترة، وعبارات تتكرر بأشكال مختلفة: “وزارة… مادة جديدة… نظام المانا…”
شققتُ طريقي بصعوبة بين الأكتاف. لم يفتحوا الطريق هذه المرة كما كانوا يفعلون قبل أسبوع، وهذا وحده جعلني أتنفس داخليًا: على الأقل، لم أعد أجرّ وراءي ذلك الصمت الغامض. الناس كانوا منشغلين بالإعلان نفسه، لا بي.
وصلتُ إلى الصف الأول أمام اللوحة، ورأيت الورقة في الوسط كأنها قلب التجمع. ورقة أكبر من المعتاد، مطبوعة بعناية، عليها شعار رسمي في الأعلى وترويسة واضحة: وزارة التعليم العالي. أسفلها عنوان عريض، ثم نص طويل نسبيًا، وفي الأسفل ختمٌ وتاريخ، ورمزٌ مربّع يشبه رمز المسح السريع.
قرأتها ببطء، كلمة كلمة، وكأنني أخشى أن تكون مزحة ثقيلة:
“تعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار… أنه سيتم قريبًا إحداث مادة جامعية جديدة متعلقة بنظام المانا… تهم التعريف بأساسيات استعمال المانا وضوابطه… وتُدرج ضمن الوحدات العرضانية/التكوينية وفق مسالك متعددة… ويُعلن لاحقًا عن صيغة التقويم، والبرمجة الزمنية، والجهة البيداغوجية المؤطرة…”
العبارة التي علقت في رأسي لم تكن “مادة جديدة”، بل كلمة واحدة: ضوابطه.
سليم قرأ معي بصمت، ثم قال فجأة بصوت منخفض:
“الوزارة تتحرك أخيرًا.”
لم أجب فورًا. كنتُ أراقب الناس وهم يقرأون نفس الكلمات لكن بعيون مختلفة. هناك من ابتسم لأن كلمة “مانا” تعني بالنسبة له فرصة وقوة وربما شهرة. وهناك من قطّب جبينه لأن أي مادة جديدة تعني امتحانًا جديدًا وتوترًا جديدًا. وهناك من بدا عليه الخوف الحقيقي؛ خوف من أن الدولة بدأت تدخل على الخط لا لتعلم الناس فقط، بل لتراقبهم.
وراءنا مباشرة، قال طالبٌ بصوت مرتفع وهو يشير إلى الورقة:
“يعني سنمتحن في المانا مثلما نمتحن في القانون؟”
ضحك آخر ضحكة قصيرة وقال:
“على الأقل ستكون مادة مفيدة، بدل بعض المواد التي لا نفهم لماذا ندرسها.”
ردّت فتاة بنبرة جدية:
“المسألة ليست مفيدة أو غير مفيدة. هذا يعني أن استعمال المانا سيصير مثل رخصة السياقة. من لا يلتزم سيحاسب.”
كلمة “يحاسب” جعلت عدة رؤوس تلتفت إليها. كان واضحًا أن الخوف من “المساءلة” صار حاضرًا حتى قبل أن تُذكر كلمة قانون أو عقوبة. الدولة حين تدخل، تتغير نبرة الشارع تلقائيًا.
أحد الطلبة قال وهو يقرأ السطر الأخير:
“مذكور: سيتم الإعلان لاحقًا عن صيغة التقويم. يعني امتحان… أكيد امتحان.”
طالب آخر تمتم:
“والمستويات؟ هل سيطلبون منا كشف المستوى؟”
لم يرد أحد، لأن السؤال كان ثقيلًا. بعضهم في المستوى الأول مثل أغلب الناس، وبعضهم حصل على لقبٍ بعد ظهور النظام العالمي للمانا، وبعضهم يخفي أشياء، وبعضهم لا يريد أن يعرف الآخرون شيئًا عنه. وفكرة أن الجامعة—مكان “مفروض أن يكون مدنيًا”—تبدأ بتعليم المانا رسميًا، كانت تعني ضمنيًا أن هذه المعرفة ستتحول إلى معيار اجتماعي.
نظرتُ إلى سليم. كان هادئًا، لكني رأيت في عينيه ذلك الحذر الذي تعلمه في الجزيرة: عندما تظهر قاعدة جديدة، لا تحتفل، بل اسأل: من المستفيد؟ ومن المتضرر؟ وكيف تُستخدم القاعدة ضدك؟
قلت له بصوت منخفض حتى لا يسمعنا أحد:
“هذه ليست مادة فقط… هذه محاولة لجعل المانا شيئًا قابلًا للتنظيم.”
أومأ سليم. ثم قال:
“أو قابلًا للسيطرة.”
سكتنا لحظة. كانت كلمة “السيطرة” أخطر من كلمة “التنظيم”. التنظيم يُسوَّق كحماية عامة، أما السيطرة فتُلمّح إلى وجه آخر: مراقبة، تصنيف، وربما تحويل أصحاب الألقاب إلى أدوات.
أعدت قراءة فقرة قصيرة من الإعلان تتحدث عن “ضوابط الاستعمال” و”الاستعمال الآمن” و”الفضاءات المسموح بها”. لم يذكروا تفاصيل، لكن طريقة الصياغة كانت كافية لتجعلني أرى الخطوط القادمة: ما يشبه “قانون السير”، لكن للمانا. أين تستعملها؟ متى؟ من يملك الحق؟ من يعاقب؟ ومن يعوض إذا حدث ضرر؟ ولماذا؟
سليم قال بهدوء:
“الناس كانوا يستعملون المانا بلا فهم. كوارث صغيرة تحدث… ثم تُنسى. الجامعة إن دخلت على الخط، سيخف ذلك.”
قلت:
“سيخف… أو سيتحول إلى سوق جديد.”
نظر إليّ بسرعة.
“سوق؟”
قلت وأنا أراقب التجمع:
“الشهادات. الاعتمادات. النقاط. ‘من لديه تكوين رسمي’ و‘من ليس لديه’. ثم سيصير التمييز اجتماعيًا. والناس… تعرف كيف تستعمل أي معيار ضد غيرها.”
كان سليم صامتًا. ثم قال:
“ربما. لكننا لا نستطيع إيقاف الدولة. الدولة تتأخر، لكنها حين تتحرك تسحق الفراغ.”
تذكرت فورًا كيف كانت الجزيرة تسحق الفراغ بتغيير القواعد. الدولة الآن تفعل شيئًا مشابهًا لكن بواجهة حضارية: مادة جامعية.
أحد الطلبة أمامنا قال وهو يشير إلى الرمز المربّع أسفل الورقة:
“انظروا! هناك رابط للتفاصيل!”
ازدادت الأيدي والهواتف، وبدأ بعضهم يمسح الرمز بسرعة. ارتفعت الهمهمات: “قالوا خلال أسابيع… قالوا أساتذة من مجالات متعددة… قالوا سيكون تكوينًا عمليًا… قالوا ضوابط في الفضاء العام…”
لم أرد أن أمسك هاتفي هنا. ليس لأنني أخاف من الإعلان، بل لأنني كنت أخاف من نفسي: بعد فك الختم على الرون، صار في داخلي إحساس رقيق بأن “الأشياء يمكن أن تُكتب”. لم أجرب شيئًا، ولم أرد أن أفتح أي بوابة فضول في مكان مزدحم. اكتفيت بأن ألتقط المعنى العام من كلام الناس دون أن أشارك في دوامة المسح والروابط.
سليم، على العكس، لم يكن يخاف من هاتفه. لكنه أيضًا لم يمسح الرمز. اكتفى بأن قال:
“سنرى لاحقًا. المهم أن هذا بدأ رسميًا.”
تحركنا أخيرًا بعيدًا عن اللوحة. كان المدرج ينتظر، والمحاضرة ستبدأ. لكن خطوة واحدة كانت كافية لتجعلني أحس أن هذا الإعلان سيُغيّر الكلية من الداخل، ولو بالتدريج. لأن الجامعة حين تقبل “نظامًا خارجيًا” وتحوّله إلى مادة، فهي لا تدرّس فقط… بل تُشرعن، وتُطبع، وتخلق لغة جديدة للحديث عن القوة.
في الطريق إلى المدرج، مررنا بمجموعات تتناقش. سمعت شابًا يقول لصديقه:
“إن كانت هناك ضوابط، فهذا يعني أن من يستعمل المانا في الشارع سيُحاسب.”
ورد الآخر:
“ومن سيحاسب؟ الشرطة؟ أم الجامعة؟”
وتدخل ثالث:
“لا يهم. المهم أن لا يجرّب أحد شيئًا غبيًا.”
كلمة “غبيًا” جعلتني أبتسم ابتسامة صغيرة رغماً عني. لأنني كنت أعرف أن الغباء في هذا العالم الجديد لا يحتاج نية سيئة. يكفي أن يكون شخصٌ متحمسًا، يرى فيديو، أو يسمع عن لقب، ثم يجرب أمام الناس، فتخرج كارثة صغيرة، ثم تتحول إلى قصة، ثم إلى ذريعة لقانون أشد.
وصلنا إلى المدرج وجلسنا. الأستاذ بدأ يشرح كعادته. حاولت أن أركز. وكنتُ—للمرة الأولى منذ فترة—أستطيع أن أركز فعلًا. التحديث، رغم قلقي منه، ترك في داخلي نوعًا من السكون. لم يكن سكونًا مفرحًا، لكنه سكون مفيد: الأفكار لا تتزاحم بشكل فوضوي، والقلق لا يعضّني كل دقيقة.
لكن الإعلان ظل يطرق في الخلفية كإيقاع خافت.
عندما أخذ الأستاذ نفسًا وأشار إلى فقرة من الدرس، سمعت نفسي تفكر تلقائيًا: “إذا كانت هناك ضوابط للمانا… فهل ستظهر أيضًا ضوابط للرون؟” ثم طردت الفكرة بسرعة. الرون ليس موضوعًا للجامعة، ولا موضوعًا للعلن. والرون… هو أكثر شيء لا أريد أن يراه أحد.
بعد المحاضرة، خرجنا إلى الرواق. كان التجمع حول لوحة الإعلانات ما يزال قائمًا، لكنه صار أقل كثافة. الناس بدأت توزع الخبر على مجموعات أخرى، وتبني تأويلاتها. بعضهم قال: “هذا جيد”، وبعضهم قال: “هذا مراقبة”، وبعضهم قال: “هذا امتحان إضافي”، وبعضهم قال: “هذه بداية عصر جديد.”
سليم قال وهو يمشي بجانبي:
“تخيل، يا ريان… قبل شهر فقط كنا نظن أن هذا كله سيبقى مجرد واجهات تظهر فجأة، ثم نتكيف. الآن الدولة تدخل، والجامعة تدخل، وسيصبح للمانا لغة رسمية.”
قلت:
“وهذا يعني أن من يخرج عن اللغة الرسمية… سيبدو كخطر.”
نظر إليّ نظرة سريعة. كان يفهم ما أقصده دون أن أصرّح: أنا خارج نظام المانا أصلًا، ومساري مختلف، وأي محاولة لوضعي داخل إطارهم قد تصنع سوء فهم خطير.
سليم قال:
“سنحتاج أن نكون حذرين. إذا طلبوا ‘تكوينًا رسميًا’ لأصحاب الألقاب، قد يأتون إليّ… وقد يأتون لمن هم أعلى مني.”
قلت:
“لا تقترب من الضوء. ليس الآن.”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم عاد إلى جديته:
“وأنت؟”
توقفتُ لحظة قبل الجواب. لم أرد أن أقول: “أنا إمبراطور سماوي للأرض” في رواق الكلية. قلت فقط:
“أنا سأبقى كما أنا. طالب قانون. حتى تأتي المراسم. وحتى بعد المراسم… سنرى.”
كلمة “سنرى” كانت هروبي المفضل. لأنها تمنح العقل مساحة، ولا تلزمه بوعد لا يعرف إن كان قادرًا عليه.
وقبل أن نفترق عند باب الكلية، عدتُ بنظري إلى لوحة الإعلانات مرة أخيرة. الورقة الرسمية ما تزال معلقة، والختم واضح، والتاريخ واضح. لم يكن إعلانًا عابرًا. كان وثيقة.
وفي تلك اللحظة، فهمت لماذا شعرتُ في الأيام الأخيرة أن الواقع صار “قابلًا للكتابة”: ليس لأن الرون عاد فقط… بل لأن العالم نفسه بدأ يكتب قواعده على الجدران.
عدتُ إلى البيت وأنا أحمل هذا المعنى في رأسي: الدولة تتعلم كيف تتعامل مع المانا. الجامعة ستعلّم ضوابط الاستعمال. المجتمع سيبني طبقات جديدة من الخوف والطموح. وأنا… أحمل في داخلي شيئًا لا يدخل في أي مادة جامعية، ولا في أي ضابط مكتوب على لوحة إعلانات.
وكنتُ أعرف، دون أن أحتاج رسالة من النظام، أن الأسبوع القادم لن يكون مجرد أسبوع دراسة. سيكون أسبوع “تدريب على الحياة اليومية” في عالم يتغير بسرعة، ولا ينتظر أن تفهمه قبل أن يفرض عليك الامتحان.