في اليوم الموالي، وبينما كنت أحاول أن أُقنع نفسي بأن إعلان وزارة التعليم العالي مجرد ورقة رسمية أخرى ستذوب وسط زحام الجامعة، وصلتني رسالة من رئيس الخدم الإمبراطوري. لم تكن طويلة، ولم تحمل نبرة تهديد، لكنها كانت حاسمة مثل ختمٍ على قرار:

«يلزم حضورك إلى فندق روز اليوم. سنجتمع مع الحراس العلويين لتجربة الأزياء الخاصة بحفل المراسيم. الالتزام ضروري. المكان مُؤمَّن بالحد الأدنى من الظهور.»

قرأتُها مرتين. لم يكن في داخلي حماس، ولا رفض. كان هناك شعور ثقيل أقرب إلى الاستسلام المنظم: الأمور تمشي إلى الأمام، وأنا إن لم أمشِ معها سأجد نفسي تحت عجلاتها. اتصلتُ بسليم فورًا، فأجاب بسرعة كعادته، وكأنه كان ينتظر الرنين.

قلت: «وصلتني رسالة. تجربة الأزياء في فندق روز.»

قال: «وصلتني أيضًا. نلتقي قبل الدخول بدقائق. لا تدخل وحدك.»

أغلقتُ الاتصال، وتجهزتُ دون تردد. ملابس عادية، حقيبة خفيفة، هاتف مشحون، ورصيد كافٍ حتى لا أكرر فضيحة الاتصالات الدولية. خرجتُ من البيت وأنا أشعر أن المدينة تتظاهر بالحياة الطبيعية، لكن عينها مرفوعة دائمًا إلى السماء، كأنها تنتظر أن تنشق مرة أخرى.

التقيتُ بسليم قرب نقطة متفق عليها في وسط المدينة، بعيدًا قليلًا عن واجهة الفندق. كان واقفًا بجانب جدارٍ قديم، ويداه في جيبيه، ووجهه يقرأ المكان قبل أن يقرأني. اقتربتُ منه، فأومأ دون ابتسام.

قال: «كل شيء عادي في الخارج. وهذا لا يعني أنه عادي في الداخل.»

قلت: «أعرف.»

سرنا معًا نحو فندق روز. الباب الدوّار ابتلعنا ببرود، ورائحة العطر المحسوب استقبلتنا كأنها تحاول أن تُغطي أي معنى آخر. الردهة مزدحمة بما يكفي ليختفي فيها أي لقاء، وهادئة بما يكفي ليظن الناس أن ما يحدث مجرد سياحة أو عمل.

تقدم سليم إلى موظف الاستقبال، وقال جملة قصيرة كما لو أنها كلمة مرور: «حجز خاص. جناح القياس.»

لم يسأل الموظف عن الاسم، ولم يفتح سجلًا طويلًا، فقط أشار إلى مصعد جانبي أقل ازدحامًا. صعدنا، ومع كل طابق كنتُ أشعر أن الهواء يصبح أقل “مدينة” وأكثر “ممرًا نحو شيء لا يراه أحد”.

في الطابق الرابع، انتقلنا إلى ممر هادئ. باب واحد في النهاية، لا لافتة ولا شعار. فتحناه ودخلنا.

الغرفة كانت واسعة، طاولة في الوسط، مرايا طولية على الجدار، ستائر سميكة مغلقة، وإضاءة بيضاء لا تتعمد الجمال ولا القبح. وعلى الطاولة كانت صناديق طويلة وحقائب قماشية ملفوفة بعناية، كأنها معدات لا ملابس. شعرتُ للحظة أنني في غرفة تجهيز عمليات، لا غرفة قياس.

كان رئيس الخدم الإمبراطوري موجودًا بالفعل. وقف قرب الطاولة، كأنه يراجع ترتيب الأشياء بعينٍ صارمة. التفت إلينا وانحنى انحناءة صغيرة.

قال: «أهلًا بكما. التجربة ستكون بالترتيب. الهدف ليس الزينة فقط، بل ضبط الظهور.»

لم يعجبني تعبير “ضبط الظهور”، لكنه كان واقعيًا. الظهور صار شيئًا يُدار، لا شيئًا يحدث.

تحرك رئيس الخدم بخفة منظمة، وفتح أول حقيبة قماشية. أخرج منها زيًّا داكنًا، خطوطه حادة لكن غير صاخبة. نظر إلى سليم وقال: «نبدأ برئيس الحراس.»

سليم لم يتردد. أخذ الزي ودخل غرفة تغيير صغيرة ملحقة. بقيتُ أنا ورئيس الخدم وحدنا للحظات، قبل أن تُفتح بوابة أول حضور.

لم أرسم البوابة. رئيس الخدم فعل ذلك دون استعراض. مجرد حركة قصيرة بيده، وشقٌّ رقيق في الهواء كمرآة تُفتح على واقع آخر. خرجت منه سبرينة أولًا، ثم سلمى، ثم سيلينا، ثم كارل، واحدًا بعد آخر، كما لو أن المكان ليس غرفة فندق بل محطة عبور.

وقفتُ لحظة وأنا أراقبهم وهم يثبتون حضورهم في غرفة صغيرة بوسط المدينة. سبرينة كتفاها كحائط، عينها ثابتة، كأنها لا تسمح للغرفة أن تتحكم في مزاجها. سلمى هادئة، تنظر إلى الأشياء كما لو أنها تزنها قبل أن تلمسها. سيلينا نظرتها تتحرك بين الزوايا والمرايا والباب، كأنها تبحث عن خط نار حتى في قياس الملابس. كارل وقف باستقامة أكثر مما ينبغي في غرفة فندق، كأنه يريد أن يعوض أي فوضى داخلية بجسدٍ مرتب.

لم يكن بينهم كلام كثير في البداية. مجرد تحيات قصيرة. لم نكن نحتاج أن نثبت أننا نعرف بعضنا. الجزيرة فعلت ذلك بطريقة أقسى من أي تعارف.

خرج سليم بعد دقائق بالزي الجديد. لم يكن زيًا ساحريًا بالمعنى المسرحي، بل بدلة رسمية داكنة تحته قميص بسيط، لكن على حوافها تطريز دقيق يشبه خطوطًا من حبرٍ حيّ. حين وقف أمام المرآة، بدا كأنه نسخة أكثر صمتًا من نفسه: نفس الرجل، لكن مع حدود أشد على الكلمات.

قال رئيس الخدم: «جيد. هذا يجعل “الكلمة” تبدو نظامًا، لا سحرًا. أنت ستقف أمام الناس، والناس تكره ما لا تفهمه. يجب أن يفهموا من أول نظرة أنك مسؤول، لا فوضى.»

سليم لم يعلق كثيرًا. فقط قال: «التالي.»

جاء دور كارل. أخذ زيًا رماديًا قاتمًا، أقل زينة وأكثر انضباطًا، وحين خرج كان يحمل على كتفيه قطعة قماش قصيرة كأنها وشاح رسمي، لا عباءة. لا سيوف، لا رموز فاقعة، لكن خطوط التطريز كانت توحي “بحدّ السيف” دون أن تُظهره.

نظر كارل إلى نفسه في المرآة، ثم قال بصوت منخفض: «هذا مقبول.»

رئيس الخدم أومأ: «المطلوب أن تبدو حارسًا لا مقاتلًا. الفرق بينهما يُنقذ دولًا.»

ثم سلمى. أعطاها رئيس الخدم زيًا هادئ اللون، أقرب إلى ثوب رسمي بسيط، لكن على أطرافه تطريز خفيف يشبه موجًا أو أوراقًا. خرجت سلمى، ولم تتأمل نفسها طويلًا. اكتفت أن تحرك كتفيها وأن تتأكد من حرية اليدين.

قالت: «لا يعيق الحركة.»

قال رئيس الخدم: «هذا أهم من الجمال. من يحمل الشفاء لا يجب أن يُحبس في ثوب.»

ثم سيلينا. زيها كان الأكثر “مُراقبة” في تفصيله: بنطال رسمي داكن، سترة قصيرة محكمة، وحزام بسيط. عندما خرجت نظرت إلى المرآة كما تنظر إلى هدف، ثم قالت: «الجيب هنا خطأ.»

رئيس الخدم لم يستغرب. اقترب ونظر، وقال: «مفهوم. سيُعدل. عين الإمبراطور لا تحمل زوائد.»

سبرينة كانت الأخيرة قبل دوري. زيها كان أقرب إلى فستان رسمي طويل بلون داكن، لكنه صُمم بطريقة تمنحها كتفين واضحين وثباتًا في الوقفة. حين خرجت لم تبتسم، لكنها قالت شيئًا واحدًا فقط: «يثبتني.»

قال رئيس الخدم: «هذا هو المقصود.»

كانت التجارب تمرّ بسرعة، وكل واحد يعود إلى مقعده أو يقف قرب الطاولة، كأننا مجموعة عمل لا مجموعة “عرض أزياء”. ومع كل خروج، كنت أشعر أن المراسم القادمة ليست احتفالًا فقط، بل امتحان علني للعالم: كيف ستبتلع الأرض فكرة الإمبراطور والحراس دون أن تتحول إلى ذعر أو عبادة أو فوضى؟

ثم قال رئيس الخدم بهدوء: «دورك.»

لم أتقدم فورًا. لم يكن ترددًا، بل إحساسًا بحدٍّ داخلي. كلمة “دورك” في هذه المرحلة لم تعد تعني “ادخل وجرب”. كانت تعني “ادخل واصنع صورة”.

مدّ رئيس الخدم يده إلى حقيبة قماشية مختلفة عن البقية. كانت أفتح لونًا، وكأنها تحمل ضوءًا مكتومًا. فتحها بعناية، وأخرج الزي الإمبراطوري.

كان أبيض… لكنه ليس بياض قطن. كان بياضًا له عمق، كأنه يلتقط الضوء ثم يرده بهدوء. وعلى أطرافه خيوط ذهبية مشعة قليلًا، لا تبرق كزينة رخيصة، بل تتوهج كأنها تملك حرارة داخلية. كانت الخيوط الذهبية تتشكل في نقش دقيق يلتف على القماش مثل تنين آسيوي، رأسه عند الكتف، وجسده ينساب عبر الصدر والظهر، ذيل طويل ينتهي عند أسفل الثوب.

نظرتُ إليه، وشعرتُ بأن الزي ليس مجرد قماش. كان أشبه بـ “تذكير” يلبسني جسدي قبل أن يلبسه جسدي.

أخذته ودخلت غرفة التغيير.

أغلقت الباب خلفي، وبقيت لحظة أحدق في المرآة. رأيت وجهي كما هو: طالب قانون، عينان تحملان بقايا سهر، وملامح لم تكتمل خشونتها بعد. ثم نظرت إلى الزي في يدي، وشعرت أن هذا القماش يحمل احتمالًا: أن يسرقني من نفسي العادية.

خلعت ملابسي ببطء، ولبست الزي الإمبراطوري.

في اللحظة الأولى، لم يحدث شيء خارج المعتاد. مجرد قماش بارد يلامس الجلد. ثم… بدأ الإحساس يتغير.

ليس ضوءًا يخرج، ولا حرارة تحرق، ولا ألمًا. بل “اتزان” ينزل على جسدي مثل وزنٍ موزون. كأن الثوب يضع لكل عظمة مكانًا صحيحًا، ولكل خطوة معيارًا. شعرت أن ظهري استقام دون أن أشدّه. أن كتفي صارا أوسع قليلًا دون أن أنتفخ. أن نفسي صار أعمق دون أن أتصنع. وأن صوتي—حتى قبل أن أنطق—صار أغمق قليلًا كما لو أن الصدر صار صندوقًا أكبر للرنين.

رفعت عيني إلى المرآة… ولم أرَ شخصًا آخر، لكنني رأيت “نظرة” أخرى في عيني. نظرة لا تحمل احتقارًا ولا تعاليًا، لكنها ترى الأشياء من أعلى دون أن تتعمد ذلك. كأنها نظرة من اعتاد أن تُفتح له الأبواب، لا لأنه يطلب، بل لأن وجوده يفرض.

تذكرت تلك الأيام الغريبة التي اختفت فجأة: الهدوء الذي يسبقني، الطريق الذي ينفتح أمامي، الصمت الذي يسقط على القاعة حين أتكلم. كان ذلك الإحساس يعود الآن… لا لأن الناس حولي تغيروا، بل لأنني أنا تغيرت من الداخل.

قلت لنفسي: مجرد زي. مجرد قماش.

لكن جسدي لم يصدق هذه الجملة.

وضعت يدي على التطريز الذهبي قرب الكتف. الخيوط كانت ناعمة، لكنها تحمل إحساسًا غامضًا بالثقل، كأنها ليست خيطًا فقط. ثم أخذت نفسًا طويلًا، وقررت أن لا أُطيل هنا حتى لا يتحول داخلي إلى دوامة.

تقدمت نحو الباب.

وضعت يدي على المقبض، وفتحته.

في اللحظة التي انفتح فيها الباب، ودخلت الإضاءة البيضاء للغرفة الرئيسية إلى عيني… سقط صمتٌ ثقيل على المكان.

لم يكن صمت مجاملة. كان صمتًا يشبه لحظة دخول شيء أكبر من الغرفة نفسها.

رأيت سليم أولًا. كان واقفًا قرب الطاولة، وعيناه ثبتتا عليّ دون أن يرمش. لم تكن نظرة صديق يشاهد صديقه في ثوب جديد، بل نظرة قائد حراسة يرى “المركز” يتجسد فجأة بشكلٍ واضح.

سبرينة، التي لا تتغير ملامحها بسهولة، شدّت كتفيها قليلًا كما لو أنها تستعد تلقائيًا لشيء. سلمى وضعت يدها على صدرها لحظة قصيرة ثم أنزلتها، كأنها توازن نفسها أمام موجة غير مرئية. سيلينا توقفت عن مسح الزوايا وركزت عليّ، وكأنها تعيد تعريف الهدف. كارل، الذي يزن كل شيء بعين باردة، نظر إليّ ثم أنزل بصره لحظة كأنه يعترف بترتيبٍ لا يحتاج نقاشًا.

حتى رئيس الخدم، الذي كان أكثر الناس انضباطًا في الغرفة، ظهرت على وجهه لمعة رضا سريعة جدًا، ثم أخفاها فورًا وعاد إلى حياده.

تقدمت خطوة واحدة، ثم ثانية. لم أتعمد أن أمشي “كمُلك”، لكنني لم أستطع أن أمشي كما كنت أمشي قبل عشر دقائق. الاتزان كان يفرض نفسه.

قلت بهدوء، أحاول أن أجعل صوتي طبيعيًا: «هل هذا… طبيعي؟»

لم أشرح ما الذي أعنيه. لكنهم فهموا.

سليم رد أولًا: «الثوب يليق بك.»

لم تكن مجاملة. كانت تقريرًا.

رئيس الخدم اقترب نصف خطوة، وقال: «هذا الزي صُمم ليمنحك حضورًا منضبطًا في المراسم. لا نريد حضورًا يبتلع الناس خوفًا، ولا حضورًا يبتلعهم افتتانًا. نريد حضورًا يجعلهم يقبلون النظام دون أن ينفجروا.»

سبرينة قالت بجملة قصيرة: «الآن فهمت لماذا اختاروا اللون الأبيض.»

سلمى أضافت بهدوء: «الأبيض يهدئ. والذهب يثبت.»

سيلينا لم تعلق على اللون. قالت شيئًا آخر: «نظرتك… صارت أثقل. حاول أن تبقيها هادئة أمام العامة. سيقرأونها كحكم.»

كارل قال بصوت عميق: «هذا ليس ثوبًا فقط. هذا إعلان.»

ارتجفت كلمة “إعلان” في رأسي. إعلان لمن؟ للعالم؟ لنفسي؟ للذاكرة المختومة التي تقف خلف جدار وتضحك؟

حاولت أن أبتسم بخفة، لكن الابتسامة خرجت أصغر مما أردت. كأن الزي لا يسمح بالكثير من العبث.

رئيس الخدم أشار إلى كرسي مقابل الطاولة: «اجلس، إن شئت. نحتاج أن نختبر شيئًا صغيرًا قبل أن ننهي.»

جلست، والزي الأبيض انساب حولي دون أن يتجعد كأنه قماش عادي. شعرت للحظة أنني محاصر بالرمز. ثم قلت: «ما الذي سنختبره؟»

قال رئيس الخدم: «بروتوكول الدخول والخروج. الوقفة. طريقة التحية. والحد الأدنى من الكلمات أمام الكاميرات… إن وُجدت. لا خطاب. لا شرح. فقط كيف تظهر دون أن تكشف أكثر مما يجب.»

سليم قال وهو يتقدم خطوة: «سنمرّن ذلك الآن، ثم ننهي. لأن التكرار الكثير يخلق عادة، والعادة قد تفضحك إن خرجت عن سيطرتها.»

سبرينة أومأت: «مرة واحدة كافية. ثم نغادر.»

سلمى قالت: «ولا تنس… الهدوء أهم من الكمال.»

سيلينا نظرت إلى الباب: «ومن الأفضل أن نختبر أيضًا لحظة الازدحام عند الباب. الناس ستدفع. ومن يدفع سيقترب أكثر مما ينبغي.»

كارل قال: «نعم. والاقتراب هنا خطر.»

تنفست بعمق. ثم نهضتُ ببطء، والزي الأبيض جعل قيامي يبدو أكثر رصانة مما قصدت. رئيس الخدم وقف أمامي على بعد خطوة، وقال: «ابدأ بالتحية. دون كلمات كثيرة.»

رفعت يدي ببطء، لا لألوّح، بل لحركة تحية بسيطة. لم تكن عسكرية ولا مسرحية. مجرد إيماءة قصيرة تليق بقاعة مراسم.

في تلك اللحظة… شعرت مرة أخرى بذلك الرجوع الغريب: كأنني عدتُ إلى الحالة التي كانت تجعل الناس يفسحون الطريق. لكن هذه المرة لم تكن مصادفة ولا أسبوعًا عابرًا. هذه المرة كانت مرتبطة بقطعة قماش.

ولم أكن أعرف إن كان هذا مطمئنًا… أم مرعبًا.

وما إن انتهيت من حركة التحية، حتى قال رئيس الخدم بجملة واحدة، وهو ينظر إلى الجميع:

«الآن… نختبر الباب.»

ثم أشار إلى باب الغرفة الرئيسي، كأنه يقول إن المرحلة التالية تبدأ من عتبة صغيرة… لكن كل العالم قد يقرأها.

2026/05/21 · 2 مشاهدة · 1909 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026