مستلقي على السرير، نائم بسلام كالجميلة النائمة، إلى أن قررت الشمس أن تعمي عيني دون شفقة.
تثاءبتُ، فركتُ جفوني بتكاسل، وجلست بينما انشغل الخدم بتلبيسي كما لو كنت دمية فاقدة الإرادة. في رأسي كان السؤال الذي يرفض أن يغادر:
بعد التعاون مع أولئك الأطفال، صارت زياراتي لهم عادة صباحية. كنا نتمرن معًا، نتظاهر بأننا حلفاء، بينما يكتفي النظام الغبي بتحديث رقمي البائس:
نسبة اكتمال المهمة: 75%
خمسة وسبعون بالمئة من الإنجاز، وخمسة وعشرون بالمئة من الغموض الذي يقتلني فضولًا.
هل يريد النظام مني أن أتعرف على إدورد أيضًا؟
لحظة… أوه. نسيت أن لدي أختًا أخرى أصلًا. تلك الهادئة اللطيفة المزعجة: إلينور. سأضطر لسؤال كلارا وروبرت؛ ربما يعرفان شيئًا عنها.
أردف الخادم بصوت هادئ متوتر:
"سيد آرثر، أنت جاهز الآن. يمكنك الذهاب."
...
قطعتُ أفكاري حين لوّح بيده أمام وجهي وكأنني شبح لا يراه:
"سيد آرثر؟"
انتفضتُ قليلًا ونظرت إليه:
"ماذا؟"
قال بقلق مفتعل، أراهن أن قلقه ليس علي بل على راتبه أكثر مني:
"هل أنت بخير؟ لا تبدو في وعيك."
رددتُ بهدوء لا يليق بصبي في عمري:
"أنا بخير. سأذهب الآن."
خرجتُ دون أن أنتظر كلماته التافهة.
...
خلف القصر، حيث الساحة الرملية الشاسعة التي تشبه صحراء مقفرة، وقف روبرت كعادته ممسكًا سيفه على كتفه كأنه محارب أسطوري لا طفل بوجه مغطّى بالغبار.
تقدّمت بخطوات واثقة، يد في جيبي والأخرى تحك مؤخرة رأسي بتكاسل وأنا أتثاءب وكأن النوم هوايتي الوحيدة.
كلارا ابتسمت تلك الابتسامة الماكرة التي تنذر بكارثة:
"بما أننا متحالفون الآن يا إخوتي الأعزاء... أحتاج مساعدتكما في أمر صغير."
تبادلنا، أنا وروبرت، نظرة حذرة. ثم سارعتُ برفع يدي كمن يسلّم نفسه:
"أنا لن أقتل أحدًا! هذه حدودي الأخلاقية."
قهقهت بسخرية وهي تلوّح بيدها كأنها تطرد ذبابة:
"لن تستطيع قتل نملة بهذا المستوى البائس من السحر."
انقبض وجهي بغيظ حاولت كتمه، بينما روبرت تنهد يائسًا وقال:
"إذًا... ما الذي أردتِه؟"
تقدّمت بخطوة صغيرة، شبكت يديها خلف ظهرها ووقفت بساقين ملتصقتين كدمية خزفية، ثم قالت ببراءة مصطنعة:
"أنا؟ لا شيء مهم. فقط... أريد العبث قليلًا مع إلينور."
اتسعت عيناي بذهول صادق:
"مع إلينور؟ هل فقدتِ صوابك؟"
كلارا ليست غبية لتختار معركة بلا طائل. إن تورطها مع تلك الصغيرة يعني أن وراء الأمر شيئًا كبيرًا.
لكن من زاوية أخرى… لمَ أهتم؟ أنا المستفيد الأول. قد يكون هذا ما أحتاجه لدفع المهمة إلى الاكتمال.
تسائلت بفتور وأنا أحاول إخفاء توتري:
"هذا غريب… لا أظن أن إلينور تملك شيئًا يستحق المخاطرة بجرّها إلى معركة."
كلارا عضت شفتها السفلى لتخفي ابتسامة متوترة، ثم قالت بصوت خفيض فيه لمحة نشوة لا تخطئها الأذن:
"آرثر… أنت لم ترَ بعد ما في معصمها."
رفعت حاجبيّ بشك، نبرة صوتي منخفضة وحذرة:
"معصمها؟"
هزت رأسها ببطء، نظرتها ثابتة كأنها تقص حكاية خرافية خطيرة:
"إلينور اشترت في المزاد الأخير سوارًا أثريًا… عمره مئات السنين. يقال إنه كان ملكًا لأسرة السحرة القديمة… لكنه ليس مجرد قطعة أثرية."
توقفت لثانية، وعيناها تلمعان بجنون مكتوم:
"إنه يحمل ختمًا مخفيًا… ختم تنين أسطوري. الختم الذي يستطيع من يفك شفرته استدعاء إرث التنين الأبيض… والسيطرة على قوته. لو نجحت، لن تكون مجرد طفلة ذكية. ستكون الأولى في التسلسل الهرمي بين أبناء العائلة… فوقنا جميعًا."
شعرت ببرودة تزحف في صدري، وقلت بنبرة أبطأ:
"تريد أن تصبح الوريثة الكبرى؟"
أومأت كلارا برأسها، نظرتها تشبه نظرة صياد يحدق في طريدته:
"تمامًا. إلينور قد تبدو هادئة… لكنها أخطرنا جميعًا. لو اكتمل طموحها، سننحني لها أو نموت ونحن نحاول عرقلة صعودها."
سكتنا لحظة، ثقل كلماتها يخيم على المكان.
أغمضتُ عيني ثانية واحدة أفكر… ثم فتحتها وابتسمت ابتسامة باردة:
"إذن… سنحتاج خطة ذكية جدًا، قبل أن تتحول الطفلة الماكرة إلى تنين يلتهمنا جميعًا."
إلينور… عمرها عشر سنوات فقط، لكنها تلعب كأنها شيطان هادئ. لو صح ما تقوله كلارا، فهي ليست مجرد طفلة مدلّلة، بل منافس خطير… أو حليف ثمين لو عرفنا كيف نستغلها.
روبرت حك ذقنه بتفكير:
"وهل تنوين سرقته منها؟"
ابتسمت كلارا بنصف فمها، عيناها تلمعان بخبث:
"لا… ليس بعد. يمكننا العبث قليلاً، زعزعة ثقتها بنفسها، جعلها تخطئ خطوة واحدة فقط… عندها نعرف إن كان السوار حقيقيًا أم خرافة. وإن كان حقيقيًا… لن أتحالف معها أبدًا، لكن يمكننا استغلالها من بعيد."
ارتجفت ضحكة قصيرة من شفتيّ دون إرادة.
يا إلهي… مع هؤلاء الأشقاء، لن ينتهي يومي دون فوضى جديدة.
.
.
.
ليلًا – جناح إلينور
الهدوء كان خانقًا، حتى تنفسي شعرت أنه يملأ الغرفة بضوضاء لا تليق بعملية سرقة أنيقة.
تسللتُ بخفة لا تصدق أن صبيًا في مثل عمري يقدر عليها. كنت أراقب الغرفة منذ فترة طويلة، أدرس عاداتها الدقيقة: متى تغفو، كيف تحرك الستائر، وأين تخفي المفتاح الصغير للصندوق المخملي.
الليلة… وجدته مفتوحًا. السوار يلمع بخفة تحت ضوء الشموع.
في صدري خفقة خيانة واضحة، لكني تذكرت صوت كلارا:
لو لم نفعلها نحن… ستفعلها هي بنا.
مددت يدي ببطء شديد، وكأن الهواء نفسه يمكن أن يوشي بي. أصابعي التقطت السوار. كان أبرد مما توقعت، ثقيلاً بثقل إرث العائلة الذي يفوق أعمارنا جميعًا.
لحظة… خطوة واحدة للخلف، تنفس عميق، ثم أغلقت الصندوق برفق بالغ.
حدقت حولي. لا أثر لحركة. لا ظلّ في الزاوية.
انتهى.
خرجت دون أن يصدر عن الباب صوت يُذكر.
لم تعلم إلينور… بعد.
---
بعد منتصف الليل – غرفة آرثر
أغلقت الباب خلفي بهدوء، أنفاسي كانت هادئة، ثابتة… لكن قلبي يقرع كطبول معركة.
في يدي، السوار.
برده الغريب ما زال يلسع جلدي رغم أنني لم أضعه بعد.
حدّقت فيه طويلًا، كان أجمل مما ظننت. نقوش التنين القديمة تُحاكي حلقات لهب متشابكة، وحجر صغير في مركزه يومض بلونٍ لا يمكن وصفه… شيء بين الأبيض والأسود، بين الحياة والموت.
همست لنفسي:
"كل هذا الضجيج من أجل قطعة؟"
لكن النظام لم يوافق.
> [النظام]
المهمة الرئيسية: فشلت
السبب: خيانة اتفاق التحالف
الحالة: خطر
تفعيل العقوبة القصوى: نقل إلى “نواة الختم”
التفسير: التنين الأبيض ختم وعيه داخل السوار لحماية ابنه الأخير
اتسعت عيناي.
ما هذا الهراء؟
ثم…
كل شيء احترق.
---
الفراغ الأسود – “نواة الختم”
فتح آرثر عينيه ببطء.
ظلام كثيف يلفه من كل جانب، ورائحة رماد بارد تنبعث كأن المكان مقبرة قديمة.
أمام ناظريه… جثة هائلة بيضاء اللون، جناحان محطمّان، عيون زجاجية تحدق في اللاشيء.
وكأن لحمه تحلل في أجزاء كثيره من جسده جثة لم يبق سوى العضام
كان وكأنه تنين أسطوري.
لكنه شعر بشيء يراقبه من الظلال.
ثم، خرج من بين عظام قفصه الصدري… تنين صغير، أسود اللون، عيناه حمراوان كجمرتين في العتمة.
كان يلهث بصوت خافت، كأنه غير معتاد على المشي.
اقترب خطوة، ثم وقف يحدق بآرثر بصمت ثقيل.
عند النظر عن قرب كان بنفس طولي أو ربما اقصر مني بقليل.
مرت لحظة طويلة قبل أن يفتح التنين فمه.
صوته خرج مبحوحًا كأنه لم يستخدمه منذ قرون:
"…تشبهه."
آرثر عقد حاجبيه:
"أشبه من؟"
لم يجب.
أمال رأسه قليلًا، كأنه يدرس ملامحي.
رفع ذيله القصير ولامس صدر آرثر بخفة.
حين فعل، شعر بحرارة خافتة تتسرب إلى قلبه… كأن شيئًا ضبابيًا تحرّك داخله ثم عاد إلى السكون.
تراجع التنين خطوة، وصوته صار أضعف:
"…مغلق."
آرثر حاول الاقتراب:
"انتظر! ما الذي أغلق؟"
لكن التنين الصغير لم يرفع عينيه.
قال فقط:
"سيصحو..."
ثم تلاشى العالم حولهما كدخان.
---
غرفة آرثر – العودة
فتح عينيه جالسًا على سريره.
يده تقبض السوار البارد.
أنفاسه كانت متقطعة.
"مغلق… شيء سيصحو؟"
لم يجد إجابة.
في قلبه، لم يشعر بشيء مختلف سوى تلك الحرارة الغريبة في صدره… كأنه يحمل سراً لم يُكشف بعد.
---
غرفة آرثر – بعد العودة مباشرة
فتح عينيه وهو يلهث.
يداه ترتعشان.
أقسم لو أقسم أحدهم أن ما جرى كان حلمًا… لصدّق فورًا.
مغلق… سيصحو حين تحتاج.
ما معنى تلك الكلمات؟
أي شيء أيقظه التنين الأسود الصغير؟
صوت الطرق على الباب قطعه من دوامة التفكير.
"سيدي آرثر… الفطور."
دخل الخادم بخطوات روتينية، يحمل صينية فضية فوقها الخبز والحليب.
لكن آرثر لم يرد، ظل جالسًا يحدق بالسوار بين يديه.
اقترب الخادم أكثر:
"هل أنت بخير؟ وجهك شاحب…"
آرثر فتح فمه ليتكلم…
ثم شعر بها.
تلك القشعريرة الغريبة، من صدره تحديدًا، كأن شيئًا هناك يفيق ببطء.
ووسط صمته… دوّى صوت خافت داخل جمجمته:
“…سأساعدك.”
صوته.
صوت التنين الصغير.
"ماذا…؟"
خرجت من يد ارثر خيوط حمراء كنسمات الهواء
فجأة،كأن الغرفة كلها ارتجّت.
رأى ضوءًا أسود خافتًا ينساب من أطراف أصابعه.
شعر بأن دمه يشتعل.
والخادم… تجمّد مكانه.
عينيه اتسعتا، واهتزت يداه، لكن جسده لم يعد يطيعه.
آرثر شهق وهو يراقب المشهد، قلبه يخبط صدره:
"ماذا فعلت؟!"
لم يجبه أحد.
ثم… انقلبت الغرفة.
---
العالم الوهمي الأول
في لمح البصر، وجد نفسه واقفًا في غرفة تشبه غرفته… لكنها مظلمة قاتمة، حوافها تذوب في ظلال سوداء.
الخادم ما زال أمامه، يحدق فيه بعينين خاويتين تمامًا.
هذا… ليس حقيقيًا.
مد آرثر يده بخفة، لامس الهواء، شعر به يتلوّى حول أصابعه كالدخان.
سمع صدى صوته الداخلي يهمس:
"اصنع الحقيقة… أي حقيقة."
وبلا وعي، فكر:
"شكل وصوت أحد عائلته يبكي."
أردت أن أرى قوة قدرتي
في لحظة، تكونت طفله صغيرة تبكي بحرقه في منتصف الغرفه
توسعت عينين الخادم بصدمه واسقط الصينيه وهو يركض نحوها ويصرخ
"أليس!!"
قبل أن يصل لها و بدون سابق انذار
---
غرفة آرثر – العودة
عادت الألوان فجأة.
عاد الضوء الطبيعي.
وعاد الخادم يقف أمامه… يرمش بصدمه.
صرخ الخادم بهلع وسقط على مؤاخرته
لكن سرعان ما نهض وهرب من الغرفه
تجمد آرثر بصدم.
ابتسامه متفاجئة على وجهه
يده ترتعش، وقلبه يقرع طبولًا مجنونة.
يا إلهي… هذا ليس حلمًا…
رفع يده ببطء،
نظر إلى راحة كفه.
“…سيصحو.”
والآن تذكر كان يوجد قدرة مثلها في الرواية.
ما استيقظ في صدره لم يكن مجرد قدرة… كان سلطة كاملة على عقل الآخرين.
أن يزرع الوهم…
أن يمحو الذاكرة…
أن يبني العذاب أو الرحمة في عقولهم كما يشاء.
همس بخوف وافتتان في آن واحد:
"يا إلهي… ماذا أصبحت؟"
وفي عقله… صوت صغير رقيق كالفحيح:
“…قادر"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تم التعديل على الفصول الاولى اذا مر عليك شيء جديد في هذا الفصل انصحك بقراءة الفصل السابق👍