الفصل العاشر: تنفس الخريف؟

كان نسيم الصباح البارد يحمل معه رائحة أوراق الشجر الجافة، معلناً عن توغل فصل الخريف في الأجواء.

على الشرفة الخشبية الواسعة الملحقة بحديقة القصر، ظهر أوزوي تينغن. كان يرتدي ثوب نومه الفضفاض (يوكاتا)، ويداه مدسوستان في أكمامه الواسعة. تثاءب بكسل، وعيناه الحمراوان نصف مغلقتين وهو يراقب المشهد أمامه في الساحة الترابية.

قبل شروق الشمس بوقت طويل، كنت هناك. أقف حافي القدمين على الأرض الباردة، ألوح بسيف خشبي ثقيل في الهواء.

سويييش!

صوت قطع الهواء كان نقياً تماماً، خالياً من أي مقاومة زائدة. كل حركة، كل زاوية، وكل التواء في معصمي كان محسوباً بدقة مرعبة. بفضل "العالم الشفاف"، كنت أرى التدفق العضلي في جسدي.

"أنت حقاً كائن مثير للاشمئزاز أيها القزم،" كسر تينغن الصمت الصباحي بصوته الأجش.

توقفت عن التلويح، وأنزلت السيف الخشبي ببطء، ثم التفت إليه وقطرات العرق تزين جبهتي. "صباح الخير لك أيضاً يا معلمي. هل اتيت لرؤية ثمار تدريبي الجاد اخيراً؟"

طوال هذه الاسابيع، كان معلمي 'اوزوي تينغن' يدربني بشكل جدي حقاً، ولكن يبدو انه ما زال يظن حقاً بانه ليس معلم جيد.

حسناً، لا يوجد معلم جيد يستخدم تلميذه كطعُم للشياطين... صحيح؟

جلس تينغن على حافة الشرفة، وتنهد بعمق. "العمل الجاد؟ أنت تجعل الأمر يبدو وكأنك تتدرب منذ عقود. لقد مضى شهر ونصف فقط منذ أن وطأت قدماك هذا المنزل! شهر ونصف، وتقنياتك في المبارزة أصبحت أكثر دقة من تقنياتي! لو لم تكن تفتقر للقوة الجسدية وحجم العضلات، لكنت مسحت بي الأرض في نزال الأمس."

لم يكن علي المبالغة في استخدام العالم الشفاف للغش في نزال الأمس. ولكنه اراد ان يختبر ما اذا كنت مستعد للاختبار النهائية لفيلق قتلة الشياطين، لذلك تحمست بعض الشيء.

ابتسمت بجمود. "هذا لأنك مجرد غباء عضلي يا معلمي، عكسي الذي استخدم عقلي في القتال."

"من تنعته بالغباء العضلي أيها الشقي؟!" تشنج حاجب تينغن، لكنه سرعان ما هدأ. لقد اعتاد على إهاناتي خلال الأسابيع الماضية. "رغم ذلك، من المؤسف أنك لم تتوافق مع 'تنفس الصوت' خاصتي. رئتاك قويتان جداً، لكن طبيعة جسدك ترفضه بشكل غريب..."

نظرت إلى يدي الصغيرة التي أصبحت خشنة بعد كل هذا التدريب. في داخلي، كنت أعرف السبب.

جسدي مهيأ لشيء أعظم، شيء أكثر قوة. لكن حتى مع هذه الموهبة، كلما تذكرت ذلك الوحش المدعو "يوريتشي"، كنت أشعر بمدى ضآلتي.

موهبتي الحالية لا تقارن بما وُلد به ذلك الرجل. ومع ذلك.. قمت بشد قبضتي على السيف. إذا لم أولد كسيد للسيف مثله، فسأصل إلى مستواه بالعمل الجاد، وابتكار طريقي الخاص حتى اصل لقوتة.. ربما.

...

بعد ساعات قليلة، كانت الشمس قد أشرقت بالكامل، وانتهينا من تناول وجبة إفطار دسمة برفقة عائلة تينغن الصاخبة.

كنت أقف الآن أمام البوابة الرئيسية للقصر.

كنت أرتدي زياً أسود أنيقاً وعملياً، أهدته لي هيناتسورو، وفوقه الهاوري المربعات الخاص بي والذي قامت ماكيو بخياطة أطرافه الممزقة.

شعري الطويل الذي زاد طوله خلال هذا الشهر والنصف، كان مصففاً بعناية بفضل سوما، حيث كان يغطي جزءاً من جبهتي، مما أعطاني مظهراً أكثر نضجاً رغم كوني في العاشرة.

وعلى خصري، كان يستقر سيف "نيتشرين" في غمده الأسود اللامع. لم يكن سيفاً مصمماً خصيصاً لي، بل كان سيفاً طلبه تينغن من اجل للتسوغوكو خاصته، اي انا.

"وااااء! شينتايو-تشان! هل يجب حقاً أن تذهب؟" بكت سوما بصوت عالٍ، وانقضت عليّ لتعانقني بقوة، محاولة مسح دموعها في سترتي.

"سوما-سان، أرجوكِ، سأختنق.." حاولت دفعها بلطف، لكن ماكيو تدخلت وسحبتها من ياقتها.

"توقفي عن البكاء أيتها الغبية، إنه ذاهب لاجتياز الاختبار النهائي، ليس للإعدام!" قالت ماكيو بصوت خشن، لكنني لمحت احمراراً خفيفاً في عينيها.

تقدمت نحوي، وبدلاً من عناقي، قامت ببعثرة شعري الذي أمضت سوما نصف ساعة في تصفيفه. "لا تمت هناك وعد لزيارتنا مجدداً!"

ابتسمت لها. "لا تقلقي يا ماكيو-سان. سأبيد جميع الشياطين بدون ان أتعرض لخدش واحد."

لماذا أشعر وكأني رفعت احد اعلام موتي الان بهذا الكلام؟

اقتربت هيناتسورو بهدوء، ووضعت لفافة قماشية صغيرة في يدي. "هذا بعض الطعام للطريق يا شينتايو. لقد كان شهراً ونصف مليئاً بالحياة بفضلك. اعتنِ بنفسك، وتذكر ما تعلمته."

انحنيت لهن باحترام حقيقي. "شكراً لكنّ جميعاً. لقد كنتن أكثر تحملاً لي من ذلك الغوريلا الذي يقف خلفكن."

التفتت أخيراً نحو أوزوي تينغن. كان يقف هناك، يرتدي عصابته اللامعة المعتادة، وذراعاه متقاطعتان فوق صدره العريض. نظرنا إلى بعضنا البعض في صمت لعدة ثوانٍ.

خلال هذا الشهر والنصف، تشاركنا الطعام، التدريب، النوم في العراء أثناء المهام، وحتى الشتائم. لقد كان معلماً فوضوياً، لكنه كان حقيقياً.

ابتسمت برقة لم أعتدها، وقلت بصوت هادئ: "معلمي.. أنا راحل!"

لم يجب تينغن. ظل ينظر إليّ بعينيه الحمراوين بصمت تام.

شعرت بقليل من الإحراج، لذا أدرت ظهري وبدأت في السير مبتعداً عن البوابة، مفترضاً أنه لا يجيد لحظات الوداع العاطفية.

خلفي، كان تينغن يسترجع أحداث الأسابيع الماضية. كامادو شينتايو.. الطفل الذي فاق كل توقعاته. الطفل الذي، رغم عدم توافقه مع تنفس الصوت، استطاع أن يسرق جوهره، وابتكر من لا شيء تقنية تنفس خاصة به بالكامل.

شعر تينغن بغصة غريبة في صدره. هل كان حقاً معلماً لهذا الفتى؟ أم أنه كان مجرد محطة عابرة لعبقري سيغير وجه الفيلق؟ لم يشعر تينغن بأنه أدى واجبه كما يجب.

وبينما كان ظهري يبتعد، تنهد تينغن بصوت مسموع، ثم نادى بأعلى صوته:

"أيها القزم الطفيلي!"

توقفت، والتفت إليه بتعبير حائر، رافعاً حاجبي.

وضع تينغن يديه على خصره، وابتسم تلك الابتسامة الواسعة والمستفزة التي عرفتها جيداً. "عندما تخرج من منزلك، لا يجب أن تقول 'أنا راحل' وكأنك غريب. يجب أن تقول 'سأعود'!"

اتسعت عيناي قليلاً، ثم نظرت إليهم بصمت لبعض الوقت.

لم أستطع كتمان ذلك. لأول مرة امامهم، انطلقت مني ضحكة حقيقية، نقية وصاخبة.

"حسناً إذن أيها الغوريلا!" لوحت له بيدي عالياً. "سأعود! وسأحرص على أن أكون أكثر بهرجة منك عندما نلتقي مجدداً!"

استدرت، وأكملت طريقي نحو وجهتي، تاركاً وراء ظهري قصراً صاخباً، وأشخاصاً سأحرص على حمايتهم بكل ما أوتيت من قوة.

"ربما يجب ان اذهب لقتل القمر العلوي السادس 'غيوتارو وادكي' بنفسي... همممم"

بعد مدة من المشي على الطريق الترابي المحاط بأشجار الخريف المتساقطة، كنت لا أزال أسير بهدوء، وعلى وجهي ترتسم ابتسامة خفيفة.

نحن في منتصف الخريف، والجو بارد بعض الشيء. ولكن باستخدام تنفس التركيز الكامل طوال الوقت، لم اكن اشعر بالبرد.

سبب هذه الابتسامة لم يكن السعادة فقط، بل كان.. تدريباً.

"لا أريد أن أبدو كسمكة ميتة طوال الوقت،" فكرت في نفسي وأنا أقوم بتمديد عضلات وجنتي.

خلال التدريب، استمر تينغن في السخرية من تعبيري الميت الخالي من المشاعر. وعندما قارنت نفسي بيوريتشي، أدركت أن ذلك الوحش الأسطوري كان يعاني من نفس المشكلة؛ وجه لا يظهر أي مشاعر، مما جعل الناس يسيئون فهمه ويعتبرونه آلة أو وحشاً.

بما أنني أمتلك ذكريات حياتي السابقة، قررت ألا أكرر هذا الخطأ. هذا الجسد، لسبب ما، لا يعبر عن المشاعر بسهولة، لكنني أستطيع "اصطناعها". سأتدرب على الابتسام، الغضب، والمزاح.. سأكون إنساناً، وليس مجرد قاتل شياطين.

عندما اقابل عائلتي مجدداً، يجب ان اريهم افضل ابتسامة يمكن اصطناعها.

توقفت للحظة، ونظرت إلى يدي.

خلال وقت تدربي تحت إشراف تينغن، تغير جسدي بشكل جذري. بنيتي أصبحت أكثر كثافة، وعضلاتي أصلب. وبفضل تعزيز "تنفس التركيز الكامل" الذي أحافظ عليه طوال الوقت، حتى في نومي، زادت قوتي الجسدية، وبالأخص.. سرعتي.

أما بالنسبة لتقنية التنفس.. فقد كانت قصة أخرى.

بما أن جسدي الحالي لا يمكنه تحمل عبء "تنفس الشمس" أو "هينوكامي كاغورا" بأمان، كان عليّ إيجاد بديل.

ولأنني كنت أكسل من أن أخترع أسلوباً معقداً من الصفر، صممت تقنية "محايدة". تقنية دمجت فيها بين مبادئ التحكم في تدفق الدم، وتوسيع الرئتين، لتعمل كـ "محول عام" يسمح لي باستخدام أو محاكاة أي هيئة من هيئات التنفس الأخرى في المستقبل.

تحت إشراف تينغن، لم أبتكر سوى "الهيئة الأولى" من هذه التقنية. كانت مستوحاة مباشرة من إيقاع "تنفس الصوت" وانفجاراته، لكنني عدلتها لتناسب حجمي وتعتمد على السرعة المطلقة والاهتزاز بدلاً من القوة الغاشمة.

ولأنني ابتكرتها في هذا الفصل من العام، ولأنني لم أرد إرهاق عقلي في التفكير باسم معقد كعادة أبطال الشونين، أطلقت عليها ببساطة: "تنفس الخريف".

وأسميت تلك الهيئة الوحيدة التي أتقنها:

"تنفس الخريف، الهيئة الأولى: الصدى."(اذا كان لديك اسم افضل اخبرني به)

نعم مجرد اسم عشوائي، سافكر بواحد افضل لاحقاً.

وضعت يدي على مقبض سيف النيتشرين، وأخذت نفساً عميقاً ملأ رئتي بهواء الخريف البارد.

"حسناً أيها العالم،" همست لنفسي وأنا أفتح عيني العنابيتين اللتين لمعتا بعزيمة حادة. "حان الوقت اخيراً."

وانطلقت بخطوات واثقة نحو الجبل الذي سيقام فيه اختبار الاختيار النهائي.

---

نهاية الفصل العاشر.

اذا وجدت اخطاء في القصة او النص اخبرني بها..

لم افكر بشكل جدي في اسم الهيئة الاولى، او ماهي قدرتها او مهمتها بالضبط... لذلك اتمنى ان تبتكرو الهيئة الاولى المستوحاه من تنفس الصوت بنفسهم، اكتبوها في التعليقات وساعدلها لاحقاً.

التعليقات هي حافزي الوحيد على الكتابة.

2026/03/11 · 132 مشاهدة · 1336 كلمة
RYON
نادي الروايات - 2026