الفصل الحادي عشر: رينغوكو!
كانت الغابة غارقة في ظلام دامس، لا يقطعه سوى خيوط شاحبة من ضوء القمر تتسلل عبر تيجان الأشجار الكثيفة. في هذا الصمت الموحش، كان هناك صوت واحد يمزق سكون الليل.. صوت لهاث أجش، وخطوات ثقيلة ومحمومة تسحق الأوراق الجافة والأغصان تحتها.
كان شيطاناً يركض.
لم يكن يركض بحثاً عن فريسة، بل كان يركض هرباً للنجاة بحياته. ملامحه البشعة كانت ملتوية في تعبير خالص من الرعب المتجسد. عيناه الجاحظتان تدوران في محجريهما بجنون، يبحث عن أي ظل ليختبئ فيه.
"اللعنة! اللعنة! اللعنة!" كان الشيطان يصرخ في داخله، والدم يسيل من جرح عميق في كتفه لم يلتئم بعد.
"ما هذا الشيء؟! لقد خرجت للتو من مخبأي! كنت فقط أريد اصطياد بعض الأطفال الطريين من تلك القرية القريبة.. كيف انتهى بي الأمر بمقابلة هذا الوحش؟!"
كلما حاول الالتفات، كان يشعر بتلك الهالة المرعبة تضغط على رئتيه وقلبه. لم يكن مجرد خوف من قاتل شياطين، بل كان رعباً غريزياً، وكأن خلاياه نفسها تصرخ له بأن يتبخر قبل أن يطاله ذلك النصل.
وفي حالة ذعر، لم ينتبه للجذر البارز من الأرض. تعثرت قدمه المخلبية، وسقط بقوة على وجهه، متدحرجاً على التراب والصخور حتى اصطدم بجذع شجرة ضخم.
حاول النهوض، لكن الخوف شلّ حركته. التفت ببطء، ودموع الفزع الحقيقية تتجمع في عينيه الشيطانيتين.
من بين ظلال الأشجار، ظهرت خطوات خفيفة وبطيئة.. طقطقة.. طقطقة.. وكأنها تعزف لحن موته.
تغيرت وضعية الشيطان، وزحف للخلف ملتصقاً بجذع الشجرة، يرتجف كورقة في مهب الري، ليرى ذلك "الوحش" يخرج إلى بقعة من ضوء القمر.
لم يكن رجلاً ضخماً، ولم يكن هاشيرا مفتول العضلات. كان مجرد فتى صغير. يرتدي زياً أسود فاحماً، وهاوري بمربعات داكنة وخضراء يرفرف ببطء. ولكن ما جعل دماء الشيطان تتجمد في عروقه هو ذلك القناع الأبيض الذي يغطي النصف العلوي من وجهه، قناع منقوش عليه هلال قمري بلون أرجواني عميق على جبهته.
اقترب الفتى بخطوات لا تصدر أي صوت تقريباً، ثم توقف أمامه. ببطء شديد، ركع الفتى على ركبة واحدة، جاعلاً مستوى نظره مطابقاً لمستوى نظر الشيطان المنهار.
من خلف فتحات القناع الأبيض، لمعت عينان عنابيتان بضوء قرمزي بارد، خالٍ تماماً من أي رحمة أو مشاعر بشرية. كانت عيوناً تنظر إليه ليس ككائن حي، بل كقذارة يجب تطهيرها.
"أ-أرجوك.." همس الشيطان بصوت يرتجفمن الرعب. "ابتعد عني! لم أفعل شيئاً بعد! كنت فقط أمشي في الغابة!"
صوت الفتى جاء هادئاً، بارداً كجليد الشتاء، ولا يحمل ذرة من التردد: "عندما تقاطعنا قبل قليل، كنت تتفاخر بصوت عالٍ. كنت تضحك وأنت تتذكر طعم لحم الأطفال. قلت إن أفضل جزء هو الاستماع لصراخهم وهم يُؤكلون أحياء، بينما ينظر آباؤهم المقيّدون إليهم وهم على حافة الموت."
رفع الفتى سيف النيتشرين ذو النصل الكهرماني اللامع ببطء.
"لا! هذا كان مجرد حديث! أنا لم-"
سويييش!
في ومضة لا يمكن للعين التقاطها، طارت ذراع الشيطان اليمنى في الهواء. لم يشعر بالألم إلا بعد ثانية كاملة، ليطلق صرخة مدوية هزت الغابة.
"أنت تكذب، ورائحة الدماء المتعفنة تفوح منك." قال شينتايو بصوت خافت، وبحركة بسيطة من معصمه، حطم القفص الصدري للشيطان بظهر نصله، مسبباً دماراً داخلياً منعه من التنفس.
استمر شينتايو بالتلويح بسيفه ببرود. قطع ساقه اليسرى، ثم اليمنى، ثم غرس السيف في كتفه وثبته في جذع الشجرة. كانت الضربات دقيقة بشكل مرعب، مصممة لإحداث أقصى درجات الألم، مع تجنب العنق عمداً.
حاول الشيطان استخدام فن دماء أو حتى التجدد، لكن لسبب ما.. التجدد كان بطيئاً جداً! الخلايا الشيطانية كانت مرعوبة من الهالة التي يطلقها هذا الفتى لدرجة أنها توقفت عن العمل.
لقد تعرض لاصابات عميق وعديدة في كل مكان في جسده، ولم يستطيع التركيز على التجديد والشفاء بسبب الخوف ونية القتل التي يطلقها الشخص امامه.
"اقتلني!" صرخ الشيطان متوسلاً، والدموع تغطي وجهه المشوه. "اقطع رأسي وانهِ هذا! أرجوك!"
أمال شينتايو رأسه قليلاً، ولمعت عيناه القرمزية من خلف القناع. "اقتلك؟ هل ظننت أنك ستعيش للأبد تلتهم الأبرياء وتستمتع بعذابهم دون حساب؟ هل ظننت أن الليل ملك لك؟"
سحب شينتايو السيف من كتف الشيطان ببطء مؤلم، ثم وقف مستقيماً، رافعاً سيفه بوضعية أفقية.
"بأي حال، هذا مجرد جرعة عذاب بسيطة لما ينتظرك في الأسفل." قال شينتايو ببرود، بينما تركز الأكسجين في رئتيه، وتمددت عضلاته. "والآن.. بجسد لا يتجدد، وبأرواح من قتلتهم تلعنك.. اذهب إلى الجحيم!"
وميض كهرماني.
انفصل رأس الشيطان عن جسده بضربة نظيفة ومثالية، قبل حتى أن يدرك أن السيف قد تحرك.
.
.
أنا، رينغوكو كيوجيرو!
عمري الآن ثلاثة عشر عاماً، وأنا في طريقي إلى جبل فوجيكاساني لخوض الاختبار النهائي لفيلق قتلة الشياطين! ورغم أنني لم أصبح قاتل شياطين رسمياً بعد، إلا أن نار العزيمة تشتعل في قلبي كالشمس في كبد السماء!
عائلتي، عائلة رينغوكو، هي عائلة توارثت حماية الضعفاء ومحاربة الشياطين منذ مئات السنين. أبي هو هاشيرا اللهب الحالي، ورغم.. ورغم أنه لم يعد كما كان، وتوقف عن تدريبي، إلا أنني لن أسمح لشعلة عائلتنا بالانطفاء! لقد تعلمت "تنفس اللهب" بنفسي من قراءة مذكرات أجدادي، وحصلت على سيف نيتشرين بطابع اللهب مسبقاً من مخزن العائلة، وأنا مستعد لحرق أي شيطان يعترض طريقي!
بينما كنت أقفز بين فروع أشجار الغابة المظلمة بسرعة متجهاً نحو وجهتي، سمعت صوتاً.. صرخة حادة ومليئة بالألم!
صراخ؟ إنسان يتعرض للهجوم! دون أي تردد، انطلقت كالسهم نحو مصدر الصوت. يجب أن أنقذه، مهما كلف الأمر! من واجبي كقوي أن أحمي الضعيف!
رغم أنني لست قاتل شياطين بشكل رسمي بعد، الى انه لا يمكنني تجاهل هذا فقط... ساقتل الشياطين.
عندما اقتربت من الساحة المفتوحة، هبطت بخفة على غصن شجرة سميك، ووضعت يدي على مقبض سيفي، مستعداً لإطلاق الهيئة الأولى من تنفس اللهب. ولكن.. عندما نظرت إلى الأسفل، تجمدت في مكاني.
لم يكن هناك إنسان يتعرض للهجوم.
كان هناك.. شيطان. لكنه لم يكن يهاجم أحداً، بل كان مثبتاً على جذع شجرة، في مشهد يبعث على القشعريرة.
أطرافه مقطوعة، وجهه مشوه بالرعب، وإصابات قطعية وعميقة تملأ جسده بطريقة تدل على دقة مرعبة في استخدام السيف. والشيء الأكثر غرابة؟ جسده لم يكن يتجدد! الشياطين تتجدد في ثوانٍ، لكن هذا الشيطان كان يتعافى ببطء شديد وكأن طاقته الحيوية قد سُحقت تماماً.
حينها فقط، لاحظت الشخص الواقف أمامه.
فتى؟ لا.. إنه قصير جداً، يبدو وكأنه طفل!
كان يرتدي زياً أسود فاحماً، وهاوري يرفرف بخفة، وعلى وجهه قناع أبيض غريب يحمل نقشاً لهلال أرجواني. في يده، كان يمسك بسيف نيتشرين يلمع بلون كهرماني ذهبي.
لون السيف هذا.. فكرت بتركيز. إنه بلون سيف مستخدمي تنفس الرعد، أو ربما تنفس مشتق منه كالصوت! لكن هذا الفتى صغير جداً!
ضوء القمر انسكب عليه، جاعلاً إياه يبدو وكأنه مركز هذا الكون المظلم. وتحت ناظريّ، سمعته يتحدث بصوت بارد لدرجة أنني شعرت ببرودة الهواء تزداد.
"والآن.. اذهب إلى الجحيم!"
لوح الفتى بسيفه. لم أرَ حركة السيف، رأيت فقط وميضاً ذهبياً، وفي اللحظة التالية، كان رأس الشيطان يتدحرج على الأرض، وجسده يبدأ في التبخر والانهيار إلى رماد، والدموع الأخيرة تسقط على التراب.
بقيت صامتاً، مبهوراً بتلك الضربة النظيفة التي لا يمكن أن تخرج إلا من خبير أفنى حياته في التدريب!
ثم، قام الفتى بحركة خطفت أنفاسي. لوّح بسيفه في الهواء بشكل أنيق لنفض الدماء الوهمية، ثم رمى السيف عالياً في الهواء! بحركة سلسة ومثالية من يده اليسرى، رفع غمد السيف الأسود، وتلقف النصل الهاوي ببراعة تامة، ليدخل السيف في غمده بصوت حاد ورنان: كليك!
في تلك اللحظة، التفت الفتى ببطء نحو الشجرة التي أقف عليها.
نظرت عيونه القرمزية الداكنة، التي ظهرت من خلف القناع، مباشرة في عينيّ. للحظة، شعرت برهبة غريبة. كانت عيوناً جميلة جداً، بلون الدم النقي، ولكنها كانت خالية تماماً من أي مشاعر بشرية.. كانت كبحر عميق ومظلم.
ولكن، بمجرد أن رآني، وطالت نظرتنا، رأيت وميضاً غريباً يمر في تلك العينين المرعبتين. فجأة، اختفت تلك الهالة القاتلة، ورفع الفتى يده ملوحاً لي بهدوء، وقال بصوت يحمل نبرة ساخرة خفيفة، لكنها شاعرية:
"مرحباً بك يا فتى البومة. أليس ضوء القمر الليلة جميلاً؟"
هاه؟ بومة؟!
لقد مر يومان منذ أن غادرت قصر معلمي المبهرج أوزوي تينغن.
خلال تلك الأيام، كنت أسير بهدوء عبر البلدات والغابات، ولم أصادف شيطاناً واحداً. وهذا أمر منطقي، الشياطين كائنات جبانة تختبئ في الظلام وتتخفى بين البشر. لو كان من السهل العثور عليهم لمجرد المشي ليلاً، لكان الفيلق قد أباد الشياطين الضعيفة وحتى الأقمار العلوية منذ زمن بعيد.
ولكن، من حسن الحظ (أو سوء حظه)، تقاطعت طرقي مع هذا الشيطان البشع.
في البداية، كنت أنوي قتله بضربة واحدة سريعة دون لفت الانتباه. لكن، بمجرد أن سمعت كلماته وهو يتمتم لنفسه حول "طعم لحم الأطفال" وكيف يخطط للهجوم على قرية مجاورة للاستمتاع بصراخهم.. حدث شيء غريب في داخلي.
شعرت بشيء واحد فقط.. الموت.
لا أعرف كيف أصف الأمر بدقة. لم يكن مجرد غضب عادي. بمجرد رؤيتي لشيطان يتباهى بجرائمه، شعرت وكأن كل خلية في جسدي تجن جنونها، تصرخ برغبة غريزية ومرعبة لمحو هذا الكائن من الوجود.
غضبي الهادئ، والمميت، تجاه كل ما يمثله موزان والشياطين.
فقدت السيطرة على أعصابي قليلاً. سحبت سيفي، وأطلقت هالة من نية القتل كانت ثقيلة لدرجة أن الهواء نفسه بدا وكأنه يتصلب.
تحدثت إليه، ولكن بصوت بارد ومرعب لدرجة أنني نفسي بالكاد تعرفت عليه. تذكرت كلمات يوريتشي، تلك الكلمات التي حفرت الرعب الأبدي في روح موزان، ووجدتها تخرج من فمي تلقائياً:
"بأي حق تسلبون أرواحاً بريئة؟ ما الذي تظنون أن حياة الإنسان تساويه؟"
ظننت أن الشيطان سيحاول القتال، لكن نية القتل خاصتي أرعبته لدرجة أنه استدار وبدأ يركض كالفأر المذعور.
زادت مطاردتي له من رعبه، حتى تعثر وسقط. وانتهى بي الأمر بتعذيبه قليلاً، ليدفع ثمن الأرواح التي التهمها، قبل أن أرسله للجحيم.
لكنني كنت مركزاً جداً على إبادة هذا الكائن لدرجة أن "العالم الشفاف" خاصتي كان موارباً ومسلطاً عليه فقط. لم ألاحظ وصول شخص آخر حتى لفظ الشيطان أنفاسه الأخيرة وسمعت دقات قلب إنسان تنبض بقوة وحيوية من فوق الشجرة.
التفتت فوراً ويدي على مقبض السيف، لكن بمجرد رؤية الشخص، توقفت.
شعر أصفر فاقع بأطراف حمراء، عيون واسعة تشع حماساً، وحاجبان كثيفان كالبومة.
رينغوكو كيوجيرو.
لم أستطع إلا أن أبتسم تحت قناعي. لقد صدت سمكة كبيرة أخرى! هذا الفتى هو التجسيد الحرفي لكلمة "شمس" في هذا العالم المظلم. لذا، قررت تحيته.
تنفس اللهب، هاه؟ سيكون من الممتع تعلمه او ابتكار هيئة مستوحاة منه.
في صباح اليوم التالي..
"أومـــــاي! (لذيـــذ!)"
دوى صوت كيوجيرو العالي في أرجاء الغابة الهادئة، مما جعل بعض الطيور تطير فزعة من على الأغصان. كان يجلس على صخرة كبيرة، يأكل كرة أرز (أونيغيري) أخرجها من حقيبته وكأنها أفضل وجبة تذوقها في حياته.
"هل يجب أن تصرخ مع كل مضغة؟ انت تصيبني بالصداع." قلت وأنا أجلس قريباً منه، أرتشف بعض الماء من قنينتي الخشبية، وقد خلعت قناعي لأتمكن من الشرب، كاشفاً عن وجهي الهادئ والعلامة على جبهتي.
"هاهاها! يجب أن تقدر طعم الطعام الجيد يا كامادو-شونين! الطعام هو وقود الروح!" صرخ كيوجيرو بابتسامة واسعة، ثم نظر إليّ باهتمام جاد.
"لقد كنت مذهلاً ليلة أمس! حركتك بالسيف كانت خالية من أي هدر للطاقة. أخبرتني أنك تدربت تحت يد احد اعضاء الفيلق، أليس كذلك؟"
أومأت برأسي. "أوزوي تينغن. شخص مهووس بالبهرجة، لكنه أكرمني بتعليمي أساسيات السيف وتدريب جسدي. بالاضافة انه علمني تنفس الصوت المشتق من تنفس الرعد..."
"تنفس الرعد! هذا يفسر لون سيفك الكهرماني!" عينا كيوجيرو لمعتا بإعجاب.
"لكن.. حركتك لم تكن تبدو كحركات تنفس الرعد التي قرأت عنها. هل تنفس الصوت مختلف كثيرا عن تنفس الرعد؟"
"لا، الامر فقط اني لا استطيع استخدام تنفس الصوت... انه غير متوافق مع جسدي."
بعد أن استرحنا لساعتين تعارفنا فيهما بشكل سطحي، قررنا إكمال السير معاً باتجاه جبل فوجيكاساني. وخلال الطريق، لم يتوقف كيوجيرو عن الحديث. كان من المذهل، بل من شبه المستحيل، أن هذا الفتى تعلم "تنفس اللهب" بأكمله وبشكل مثالي تقريباً دون مساعدة أو تدريب من معلمه (والده). عبقريته الفطرية لا تقل عن أي شخص آخر في هذا العصر.
"أنت محق،" أجبت وأنا أمشي بجانبه ويدي في جيبي. "جسدي الصغير ورئتاي لا تتوافقان مع الضغط العكسي والانفجارات العنيفة لتنفس الصوت. أستطيع استخدامه نظرياً، لكني سأدمر عضلاتي وأكون أضعف بكثير من تينغن. لذا، كان عليّ أن أبتكر شيئاً يناسبني."
توقف كيوجيرو فجأة في مكانه، والتفت إليّ بصدمة حقيقية، وعيناه الواسعتان كادتا تخرجان من مكانهما.
"ابتكرت؟! هل تقصد أنك، في سن العاشرة، ابتكرت تقنية تنفس خاصة بك من الصفر؟!" صرخ بصوت عالٍ جداً لدرجة أنني أغلقت أذني اليسرى بيدي.
"لا تصرخ، أرجوك. ونعم، لقد فعلت. وبما أنني كنت أكسل من أن أخترع اسماً معقداً، ولأننا في الخريف، أسميته ببساطة 'تنفس الخريف'."
"تنفس الخريف! اسم جميل ويحمل طابعاً هادئاً كشخصيتك!" قال كيوجيرو بحماس وهو يلحق بي. "أرجوك، أخبرني المزيد! كيف يعمل؟"
تنهدت بهدوء. "إنه ليس تنفساً عنصرياً كالنار أو الماء. إنه تنفس 'تكيفي'. صممته ليدمج بين تقنيات التنفس الأخرى ويسمح لي باستخدام هيئات معدلة تناسب بنيتي الجسدية. حتى الآن، لم أبتكر سوى الهيئة الأولى فقط."
"هيئة واحدة؟ وما هي؟"
"بما أنني تدربت تحت يد تينغن، فقد استوحيتها من تنفس الصوت وتطبيقات تنفس الرعد. أسميتها: 'الهيئة الأولى: لحن الزوال'."
نظر كيوجيرو بتفكير، ووضع يده على ذقنه. "لحن الزوال.. يبدو اسماً موسيقياً وجميل. كيف تنفذها؟"
شرحت له ببرود، بينما كنت أراقب ردود فعله عبر العالم الشفاف: "ليست مجرد هجوم واحد أو وميض خاطف. إنها أشبه برقصة متواصلة. تبدأ الهيئة في اللحظة التي أندفع فيها. باستخدام الأكسجين المضغوط في ساقي، أتحرك بسرعة تتجاوز الرؤية، مرتدًا عن الأرض والأشجار كصدى الصوت المتكرر."
رفعت إصبعي في الهواء لأرسم الحركة. "الهدف من هذه الهيئة ليس قطع الرقبة مباشرة. بدلاً من ذلك، تعتمد على محاصرة الشيطان في 'قفص' من الهجمات المتكررة. أقوم بتوجيه عشرات، بل مئات الضربات السريعة والعميقة لتقطيع أطراف الشيطان، تمزيق عضلاته، وتدمير توازنه من كل الزوايا. بحلول الوقت الذي يدرك فيه الشيطان ما يحدث، يكون جسده قد مُزق بالكامل ولا يملك القدرة على التجدد أو حماية عنقه. وبهذا.. تنتهي الرقصة بقطع الرأس بضربة نهائية نظيفة."
بمجرد أن أنهيت شرحي، صمت كيوجيرو تماماً. اختفت ابتسامته الواسعة المعتادة، وحل محلها تعبير من التحليل التكتيكي العميق.
"كامادو-شونين.." بدأ كيوجيرو يتحدث بنبرة جادة للغاية. "هذه التقنية.. إنها مبالغة جداً بالنسبة لهيئة واحدة! أداء مئات الضربات بسرعة فائقة مع التغيير المستمر في الاتجاهات سيضع عبئاً مرعباً على قلبك ورئتيك! استهلاك الطاقة فيها سيكون هائلاً. إنها سلاح ذو حدين، قد تقتل الشيطان، لكنها قد تستنزف كل قوتك وتتركك عاجزاً إن لم تنجح!"
نظرت إليه بإعجاب خفي. كما توقعت، عقله القتالي مذهل. لقد حلل نقاط ضعف التقنية بمجرد سماعها.
ابتسمت ابتسامة خافتة وهززت رأسي. "لا تقلق يا رينغوكو. أنت محق، هي تستهلك طاقة كبيرة، وهذا مقصود. إنها 'ورقتي الرابحة' للتعامل مع الشياطين التي تمتلك سرعة تجدد خارقة أو دفاعاً صلباً."
ستكون مناسبة لقتال الكيزوكي الاثني عشر، بالاضافة ان بنية جسدي جنونية وحتى هذه الحركة النهائية لن تستنزفني كثيراً.
ربتّ على مقبض سيفي بثقة. "بالإضافة إلى ذلك.. أنا لا أستخدم هيئات التنفس في العادة. أنا أعتمد على فن المبارزة الخالص وقراءة حركات الخصم. 'لحن الزوال' هو فقط المسمار الأخير في نعشهم."
عادت الابتسامة المشرقة لتضيء وجه كيوجيرو، وضرب بقوة على ظهري لدرجة كدت أسقط على وجهي.
"هاهاها! رائع! عزيمتك وثقتك مبهرتان يا كامادو-شونين! أنا متأكد أننا سنجتاز هذا الاختبار معاً بكل سهولة! دعنا نتسابق حتى الجبل! من يصل أخيراً سيشتري البطاطا المشوية للآخر!"
وبدون سابق إنذار، انطلق كيوجيرو بسرعة هائلة مخلفاً سحابة من الغبار خلفه.
"أوي! أيها المتهور، هذا ليس عدلاً!" صرخت خلفه، ثم تنهدت ورسمت ابتسامة حقيقية على وجهي.
قمت بضغط الأكسجين في ساقي، وانطلقت خلفه كالسهم.
رينغوكو كيوجيرو.. هذا الفتى الذي يحمل ناراً لا تنطفئ في قلبه، والذي سيموت يوماً ما لحماية الآخرين في المستقبل الذي أعرفه.
"لن أسمح لذلك بالحدوث،" فكرت وأنا أزيد من سرعتي لألحق به. "سأغير مصيرك، ومصير الجميع. هذه الشعلة المزعجة ستبقى مضيئة لفترة طويلة جداً."
بالمناسبة انا معجب بتنفس اللهب، اتمنى ان يكون تخمين معلمي بان جسدي متوافق مع تنفس اللهب صحيح.
---
نهاية الفصل الحادي عشر.
استمتعت بكتابة هذا الفصل، وبصراحة اشعر باني متحمس لكتابة الفصول القادمة... وهذا فقط لان رينغوكو-سان موجود فيها!
اذا وجدت اخطاء في القصة او النص فرجاءً اخبرني بها...
(ملاحظة: افكر بابتكار هيئة لتنفس الخريف مستوحاة من تنفس اللهب، لذلك وكما الفصل السابق ساعتمد عليكم... اتمنى ان تشاركو افكاركم حقا لان هذا يفيد الرواية)
تعليقاتكم هي حافزي الوحيد على الكتابة!