الفصل الثالث عشر: الاختيار النهائي؟
• أنا اشعر بملل وكسل شديد لذلك قد تجد اخطاء، ابلغني بها وساصلحها عندما استعيد نشاطي.
---
كان رينغوكو كيوجيرو مستلقياً على ظهره فوق جذع شجرة ضخم مغطى بالطحالب، يغط في نوم عميق.
على مدار الثماني والأربعين ساعة الماضية، لم نتوقف أنا وهو عن الركض، القتال، والبحث.
والسبب؟ حس العدالة المفرط لدى هذا الفتى ذو الشعر المشتعل. رينغوكو يمتلك إرادة صلبة وعزيمة تجعله يشعر بمسؤولية مطلقة تجاه حماية الضعفاء. لم يستطع ترك أي ممتحن آخر يواجه مصيره وحده.
وبالنسبة لي؟ حسناً، كنت أحمقاً مثله، ولكن بطريقتي الخاصة.
جلست القرفصاء على فرع شجرة مرتفع فوقه مباشرة، أرتدي قناعي الأبيض ذا الهلال الأرجواني، وأراقب محيطنا بتركيز مطلق.
لم أنم ولو لدقيقة واحدة. لم أستطع.
في بعض أجزاء هذه الغابة الملعونة، تحجب الأشجار ضوء الشمس تماماً، مما يسمح لبعض الشياطين بالتجول بحرية حتى في وضح النهار.
كان يجب أن أحرس رينغوكو الذي انهار أخيراً ليغفو لساعتين فقط.
ولكن الحراسة لم تكن الشيء الوحيد الذي أفعله. كنت أبحث.
خلال الليلتين الماضيتين، قمت بتوسيع نطاق حواسي إلى أقصى حد ممكن، أبحث عن ذلك الشيطان المقرف الذي ظهر في القصة الأصلية.. "شيطان اليد".
ذلك الوحش الضخم الذي استمر بقتل وأكل الممتحنين عاماً بعد عام، والذي حصد أرواح جميع تلاميذ أوروكوداكي ساكونجي تقريباً. كنت مصمماً على إيجاده وتقطيعه إرباً قبل أن يلمس أي شخص آخر.
ولكن، ورغم قدراتي، فشلت في العثور عليه. وهذا الفشل كان محيراً للغاية، لأن حواسي لم تكن مجرد حواس بشرية.
لقد ورثت جسداً تجاوز حدود المنطق.
"حاسة بصري' كانت حادة كالنسر الجارح، بل وخارقة للطبيعة.
من خلال تفعيل "العالم الشفاف"، كان بإمكاني الرؤية داخل أجساد الكائنات الحية. أرى تدفق الدماء، انقباض العضلات، ومسار الهواء في الرئتين.
أستطيع التمييز بين شيطان يتضور جوعاً وشيطان مليء بالطاقة فقط من سرعة نبض قلبه.
'حاسة الشم' كانت أقوى من أنف كلب بوليسي متمرس.
ومثل أخي الأصغر تانجيرو، لم أكن أشم الروائح المادية فقط. كان بإمكاني تمييز "مشاعر" الآخرين من رائحتهم.
رائحة الخوف الحامضة، رائحة اليأس المتعفنة، ورائحة نية القتل اللاذعة التي تفوح من الشياطين. بفضل هذه الحاسة، كنت أتجنب أفخاخ الشياطين قبل أن أصل إليها بأميال.
'حاسة السمع' تطورت بشكل مرعب تحت تدريب أوزوي تينغن.
كانت قوية بما يكفي لسماع دقات قلب ممتحن مرعوب على بعد 50 متر.
لو ركزت بالكامل، لتمكنت من سماع حركة جميع الشياطين في هذا الجبل، رغم أن هذا الكم الهائل من المعلومات كان يسبب لي صداعاً نصفياً مؤلماً للغاية، لذا كنت أقوم بتصفية الأصوات للتركيز على محيطي القريب فقط.
أما 'حاسة التذوق'، فرغم أنني لا أتذوق الشياطين (سعيد لهذا!)، إلا أنها كانت غير بشرية ايضاً.
لأنني عشت في جبل ناءٍ مع عائلتي، وتذوقت مختلف الأعشاب الجبلية منذ صغري، أصبح بإمكاني التمييز بين الأعشاب السامة والمفيدة بدقة كيميائية.
بمجرد دمج حاسة الشم والتذوق، تمكنت في الماضي من إيجاد وتركيب دواء طبيعي من الأعشاب لوالدي تانجورو خفف من مرضه كثيراً.
وأخيراً، 'حاسة اللمس'. لقد تجاوزت مجرد الشعور بالحرارة والبرودة.
طورت قدرة تشبه إلى حد كبير قدرة إينوسكي (الاستشعار المكاني). طالما أن قدمي أو يدي تلامس الأرض، أستطيع إرسال ذبذبات دقيقة واستقبالها، لأرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لمحيطي.
أضف إلى ذلك قدرتي على الإحساس بنظرات الآخرين وتحديد ما إذا كانت تحمل نية خبيثة أو طيبة بمجرد أن تقع عيونهم عليّ.
عندما تتضافر هذه الحواس الخمس المرعبة معاً، فإنها لا تنتج مجرد إدراك متقدم.. بل تخلق حالة من "الإدراك المطلق".
الأفكار، المشاعر، النوايا، القوة الجسدية، التقنيات المخفية، وحتى الحالة النفسية للخصم.. كل شيء يصبح مكشوفاً أمامي ككتاب مفتوح، حتى من مسافات بعيدة.
وباستخدام هذا "الإدراك المطلق"، استشعرت كل ممتحن وقع في خطر خلال اليومين الماضيين، وانطلقت أنا ورينغوكو لإنقاذهم.
وخلال ذلك، استشعرت الشياطين المتطورة.. تلك التي تمتلك معدل ذكاء مرتفعاً، أو بنية جسدية ملتوية، أو حتى أولئك الذين بدأوا بتطوير "فنون دماء شيطانية" ضعيفة.
لم أتردد في إرسالهم جميعاً إلى الجحيم.
ورغم كل هذا المسح الشامل للجبل.. لم أجد أي أثر أو رائحة لـ "شيطان اليد". وكأنه تبخر، أو لم يُوجد من الأساس.
جلست على الغصن، أراقب الشمس التي بدأت تميل نحو الغروب معلنة اقتراب الظلام، وابتسمت بسخرية تحت قناعي.
"هل يعقل أن ولادتي في هذا العالم تسببت بـ 'تأثير الفراشة'؟" فكرت وأنا أطوي ساقي.
"هل تغير مصير هذا الشيطان لأنني هنا؟ ربما قتله شخص آخر قبل أن يُجلب إلى هنا؟ أم أن القواعد تغيرت بمجرد أن أصبح هذا العالم واقعاً ملموساً وليس مجرد قصة مصورة؟"
تنهدت بعمق، ونظرت إلى السماء التي اصطبغت باللون البرتقالي. "حسناً.. لا يهم أين هو الآن. ها قد بدأت الليلة الثالثة!"
قفزت بخفة من الغصن، وهبطت بجوار رينغوكو دون إصدار أي صوت. مددت يدي ووخزت خده بقوة.
"استيقظ أيتها البومة المشتعلة. انتهى وقت القيلولة."
فتح رينغوكو عينيه الواسعتين فوراً، وبدون أي مقدمات، جلس مستقيماً وصرخ: "أومـــاي! (لذيـــذ!)"
قفزت للخلف خطوة من الصدمة. "أنت لم تأكل شيئاً بعد أيها المعتوه! هل تحلم بالطعام؟!"
ضحك رينغوكو بصوت عالٍ، وفرك عينيه. "هاهاها! اسف على هذا، هذا بسبب النوم بمعدة خاوية!"
لماذا تتكلم بحماس حول شيء مثير للشفقة هكذا؟ اشفق عليك يا رجل!
رميت له سمكة مشوية كنت قد اصطدتها من جدول قريب وشويتها على نار خفيفة أثناء نومه.
التقطها رينغوكو وبدأ يأكلها بشراهة. ورغم أنه التهمها في ثوانٍ، لاحظت ارتعاشة خفيفة في حاجبه.
السمكة كانت خالية تماماً من الملح أو أي توابل، مجرد لحم سمك محترق قليلاً من الخارج ونيء قليلاً من الداخل. (الطبخ ليس من مهاراتي الموروثة، للأسف).
"الطاقة تتدفق في عروقي!" صرخ رينغوكو وهو يمسح فمه، ثم وقف ونظر إليّ بجدية. "كامادو-شونين، لقد فكرت في الأمر قبل أن أنام. يجب أن نفترق!"
رفعت حاجبي تحت القناع. "نفترق؟ هل سئمت مني بهذه السرعة؟"
"لا، ليس هذا!" لوح بيديه بصدق. "ببقائنا معاً، نحن نحد من نطاق تغطيتنا! أنت تمتلك قوة وسرعة مذهلتين، وأنا أستطيع حماية نفسي جيداً."
"لقد لاحظت أن مستوى الشياطين هنا ليس بالخطورة التي تستدعي قتالنا معاً. إذا افترقنا، سنتمكن من تغطية مساحة أكبر من الجبل وإنقاذ عدد أكبر من الممتحنين!"
صمتُّ للحظة، أقيم اقتراحه. من الناحية التكتيكية، هو محق تماماً. خلال اليومين الماضيين، تأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن رينغوكو لن يواجه أي خطر مميت هنا.
قوة تنفس اللهب خاصته تكفي لسحق أي شيطان في هذه الغابة بسهولة.
"حسناً، أوافق." أومأت برأسي. "لكن لا تتهور وتستنزف طاقتك. التقي بي عند شجرة الوستارية الملتوية ذات الجذع المزدوج في الوادي الجنوبي بعد منتصف الليل."
"عُلم! رافقتك السلامة يا كامادو-شونين!" انطلق رينغوكو كالسهم المشتعل، تاركاً خلفه دوامة من الأوراق المتساقطة.
.
.
مرت ساعات، وغرق الجبل في ظلام حالك.
كنت أتنقل بين الأشجار كالشبح. خلال هذه الفترة، قمت بقطع رأسي شيطانين حاولا نصب كمين لي.
كانا ضعيفين لدرجة أنني لم أحتج لاستخدام أي هيئة تنفس، مجرد سحب سريع للسيف وإعادته للغمد كان كافياً.
ولكن من المثير رؤية الشياطين تتعاون، يجعلني هذا أشعر باني مخيف لدرجة تجبرهم على التعاون.
فجأة، التقطت أذني صوت بكاء مكتوم، ووصلت إلى أنفي رائحة يأس ثقيلة ومألوفة.
غيرت مساري، وانطلقت نحو مصدر الرائحة. في تجويف صخري أسفل تل صغير، وجدتهم. كانوا ثلاثة ممتحنين..
أليست هذه نفس المجموعة التي أنقذتها في الليلة الأولى؟
كانوا يجلسون متقاربين، يرتجفون بشدة. سيوفهم ملقاة بإهمال بجوارهم، وملابسهم ممزقة ومغطاة بالدماء والأوساخ.
الهالات السوداء العميقة تحت أعينهم أخبرتني أنهم لم يناموا منذ دخولهم الجبل ربما.
وقفت أمام التجويف الصخري. "هل تنوون الموت هنا؟" تحدثت بصوتي البارد المعتاد.
انتفض الثلاثة برعب، وصرخت فتاة بينهم قبل أن تميزني. بمجرد أن رأوا قناعي الأبيض، انهار أحدهم—فتى نحيل يرتدي نظارات مكسورة—على ركبتيه وبدأ يبكي بصوت عالٍ.
"أ-أنت! أنت من أنقذنا في الليلة الأولى!" صرخ الفتى النحيل. "أرجوك.. أرجوك أنقذنا مرة أخرى! لا أستطيع تحمل هذا! الشياطين في كل مكان! الأصوات لا تتوقف! أريد العودة إلى المنزل!"
الفتاة، التي كانت تمسك سيفها بيديها المرتجفتين، نظرت إليّ بعيون مليئة بالدموع وقالت بصوت مكسور.
"نحن.. نحن ضعفاء جداً. لم نستطع حتى خدش شيطان واحد. كل ما فعلناه هو الهرب.. الهرب حتى تقطعت أنفاسنا. نحن لسنا صالحين لنكون قتلة شياطين."
هل أدركت هذا للتو؟ هذا مبهر بطريقة غبية حقاً!
نظرت إليهم بصمت لعدة ثوانٍ. كنت أستطيع شم رائحة الخوف منهم.
لم يكن هذا مجرد خوف من الشياطين، بل كان إدراكاً قاسياً ومؤلماً لحقيقتهم.. حقيقة أنهم غير موهوبين، وأنهم ألقوا بأنفسهم في الجحيم بناءً على أحلام وهمية أو رغبات انتقام لم تدعمها القوة.
حسناً، لقد كنت انقذ الكثير منهم منذ اول ليلة وحالياً جميعهم يختبوؤن في مكان أمن، لذلك اظني ساسمح لهرلاء بمرافقتي حتى نصل الى هناك.
"أنتم محقون،" قلت بصوت خالي من التعاطف الكاذب، مما جعلهم يشهقون بصدمة. "أنتم ضعفاء. سيوفكم ترتجف في أيديكم، وأنظاركم موجهة نحو الأرض بدلاً من العدو. إذا استمررتم في الجلوس هنا، فسيأتي شيطان ويأكلكم، ولن يتذكركم أحد."
رأيت اليأس يطبق عليهم بالكامل، لكنني أكملت: "ولكن.. الضعف ليس جريمة تستحقون الموت عليها. الجريمة هي الاستسلام بسرعة."
أشرت بسيفي نحو عمق الغابة. "لقد قمت بتأمين كهف واسع في المنحدر الغربي. رششت حوله مستخلصاً مركزاً من أزهار الوستارية قمت بصنعه، وقتلت كل الشياطين في محيطه."
"إنه ملاذ آمن. يمكنكم اتباعي نحو الكهف لتعيشوا وتنجوا بحياتكم."
تبادل الثلاثة النظرات. كان الخوف من المغادرة ومقابلة الشياطين لا يزال يسيطر عليهم، ولكن.. الرغبة في الحياة كانت أقوى. مسح الفتى ذو النظارات دموعه بعنف، والتقط سيفه. والفتاة أومأت برأسها بقوة رغم ارتجافها.
"سـ.. سنتبعك!" قال الفتى الثالث الذي كان صامتاً حتى الآن.
"جيد. ابقوا خلفي، ولا تصدروا صوتاً."
بعد بضع ساعات، عدت إلى نقطة الالتقاء المحددة: شجرة الوستارية الملتوية.
بالتفكير بالأمر، من المذهل كيف نمت هذه الشجرة في هذا المكان. في الغالب كان يجب ان يقتلعها احد الشياطين بنيما كانت مجرد شتلة... هذا غريب.
وصلت لأجد رينغوكو هناك بالفعل. كان يقف بشموخ، رغم أن هاوري اللهب خاصته كان ممزقاً من الأطراف، ووجهه وذراعاه مغطاة بالغبار وبعض الخدوش السطحية.
ولكن ما لفت انتباهي لم يكن مظهره، بل الشخصان اللذان كانا يقفان خلفه. ممتحنان آخران، يبدوان في نفس حالة الإرهاق التي كان عليها مجموعتي.
"كامادو-شونين! لقد تأخرت خمس دقائق!" صرخ رينغوكو بابتسامة مشرقة كعادته.
اقتربت منه، وتنهدت. "لقد وجدت بعض الأمتعة الزائدة في طريقي واضطررت لتوجيههم." أشرت برأسي نحو الثلاثة الذين يقفون خلفي.
نظر رينغوكو إليهم، ثم ابتسم بلطف وقال لهم: "أحسنتم صنعاً بالصمود حتى الآن! أنتم أبطال!"
التفت إليّ وقال بفخر: "لقد واجهت مجموعة من ثلاثة شياطين كانوا يحاصرون هذين الشابين. وقمت بمحاصرتهم بتنفس اللهب..."
تكلمت انا ورينغوكو لفترة ومن الممتع رؤية حماس هذا الشخص، ولكني لاحظت قلق وخوف الأخرين لذلك كان يجب ان نتحرك.
"على أي حال، لنأخذ هؤلاء الحمقى الجرحى إلى هناك ليرتاحوا. لا يمكننا الاستمرار في جرهم خلفنا طوال الليل."
اصطحبت المجموعة بأكملها نحو المنحدر الغربي، حيث يقع الكهف الذي أعدته مسبقاً.
مع اقترابنا من مدخل الكهف المخفي بين الصخور والأشجار المتشابكة، توقفت فجأة.
شم.. شم..
حاسة شمي التقطت شيئاً غريب. رائحة.. شواء حقيقية؟ رائحة فطر محمص، وثوم بري، وحتى رائحة سمك مشوي!
سالت عصارة معدتي فجأة، وشعرت بلعابي يسيل. منذ أن غادرت قصر تينغن، لم آكل سوى تلك الأسماك المشوية الجافة والنيئة.
دخلنا الكهف وفي الداخل، كان هناك ضوء خافت لنار صغيرة ومخفية بذكاء خلف بعض الصخور لمنع تسرب الدخان.
وحول النار، كان يجلس ممتحنين آخرين كنت أنا ورينغوكو قد أنقذناهم وأرسلناهم إلى هنا في اليومين الماضيين.
وبالقرب من النار، كانت تجلس فتاة قصيرة بخصلات شعر بنية فوضوية، تبدو خجولة للغاية.
كانت تقوم بشواء فطر بري، وجذور نباتات جبلية، وبعض الكستناء التي تم جمعها. مع بعض السمك الذي اطلق رائحة زاكية.
بمجرد أن لاحظت دخولنا، توقفت الفتاة عن العمل. وعندما رأت قناعي وشعر رينغوكو المشتعل، أشرق وجهها بابتسامة واسعة، ونهضت بسرعة مقتربة منا.
"لقد.. لقد عدتما!" قالت الفتاة بخجل، وهي تنحني باحترام شديد. "أهلاً بكما. و.. وأهلاً بالوافدين الجدد."
نظرت إلى الطعام الذي تفوح منه رائحة مغرية ولذيذة. "من أين حصلتم على هذا؟" سألت بصوت مندهش لم أستطع إخفاءه.
فركت الفتاة يديها بتوتر وقالت: "أنتما.. أنتما تنقذان حياتنا باستمرار، وتخاطران بأنفسكما من أجلنا."
"أردنا أن نكون مفيدين بأي شكل. بما أن الكهف آمن بفضل تحصيناتك، قمنا نحن الذين استعدنا بعض طاقتنا بالتسلل في النهار لجمع النباتات الصالحة للأكل، والفطر، والثوم البري من محيط الكهف. عائلتي تعمل في الزراعة، لذا أستطيع التمييز بين السام والمفيد."
رفع احد الاشخاص يده بابتسامة فخورة "انا من قمت باصدياد الاسماك بالمناسبة... كانت عائلتي تمتلك متجر اسماك شعبي جدا في قريتي."
"نعم... انها اسماك جيدة،... وكبيرة!" قلت باحترام وصدمة.
نظرت حول الكهف. جميع الممتحنين كانوا ينظرون إلينا بابتسامات دافئة ومليئة بالامتنان الحقيقي. لم يكونوا مجرد جبناء، كانوا بشراً يحاولون رد الجميل بما يستطيعون.
شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى صدري.
جلست أمام النار بجانب رينغوكو، بينما قامت الفتاة بتقديم أوراق شجر كبيرة عريضة كصحون، ووضعت عليها حصصاً متساوية من الطعام المشوي الساخن.
رفعت يدي، وقمت بإزاحة قناعي الأبيض قليلاً لأعلى، بحيث يظهر فمي والثلث السفلي من وجهي فقط، مع إبقاء عيني مخفيتين. التقطت قطعة من الفطر الساخن، ووضعتها في فمي.
انفجرت نكهات الثوم البري وعصارة الفطر المحمص في لساني. كان طعاماً بسيطاً جداً، لكنه... لذيذ.
دون أن أشعر، ارتخت عضلات وجهي المتيبسة دائماً. نظرت إلى الفتاة، وحاولت.. حاولت حقاً أن أرسم ابتسامة لطيفة ودافئة لأشكرها. رفعت زوايا فمي ببطء.
الفتاة نظرت إليّ، ثم اتسعت عيناها قليلاً، وتراجعت خطوة للوراء بخجل، ووجهها يحمر بشدة، قبل أن تغطي وجهها بيديها وتعود للجلوس مسرعة.
عمر هذه الفتاة 13 عاماً تقريباً صحيح؟ هل يمكن لفتاة بهذا العمر ان تخاف مني او تتوتر؟ هل هذا بسبب القناع وتعابيري الميتة؟
ملت قليلاً نحو رينغوكو الذي كان يجلس بجانبي، وهمست بصوت منخفض لا يسمعه غيرنا: "رينغوكو.. هل ابتسمت بشكل صحيح؟ لماذا هربت؟ هل بدوت كمختل عقلياً؟"
لم يجبني رينغوكو.
التفت إليه، لأجده يحدق في طعامه، وجسده بالكامل يرتجف بعنف. الدموع.. شلالات من الدموع الصامتة كانت تنهمر من عينيه الواسعتين كالأنهار وتغسل الغبار عن خديه.
صُدمت. "يا إلهي! هل ابتسامتي مرعبة لدرجة أنها أبكت هذا الرجل القوي الذي لا يهاب الموت؟!"
"رينغوكو؟" وضعت يدي على كتفه بقلق. "هل أنت بخير؟ هل ابتسامتي.. أقصد، هل أنت مصاب؟"
رفع رينغوكو رأسه فجأة، والتفت إليّ بملامح ممزقة بين البكاء والسعادة المفرطة، وصرخ بأعلى صوت يملكه لدرجة أن الكهف اهتز:
"أومـــــــــاي!!! (لذيـــــــــذ!!!)"
أمسك رينغوكو بكتفيّ وهزني بعنف وهو يبكي بحرقة: "كامادو-شونين! هذا الطعام! إنه مذهل! مقارنة بهذا الفطر العظيم.. سمكتك التي أطعمتني إياها ظهراً كانت مجرد جريمة حرب! كانت باهتة ومأساوية كالموت نفسه! أنا أبكي لأنني أدركت أخيراً كم كنت أقسو على معدتي بقبول سمكتك المكتئبة!"
برز عرق غاضب بحجم جبل في جبهتي، ودفعت وجهه بعيداً بقوة.
"اصمت أيها الوغد الجاحد! لقد اصطدت تلك السمكة بيدي بينما كنت أنت تشخر كالخنزير البري! لن أطعمك شيئاً بعد اليوم! كُل التراب!"
"هاهاها! الحقيقة تؤلم يا صديقي! ولكن هذا الفطر هو عدالة السماء!"
في تلك اللحظة، انفجر جميع الممتحنين الخائفين والمصدومين في الكهف بالضحك. ضحكوا من أعماق قلوبهم وهم يرون اثنان من أقوى الممتحنين يتشاجران كالاطفال على الطعام.
تبدد التوتر المرعب الذي كان يحيط بهم، وامتلأ الكهف البارد والمظلم بجو دافئ ومريح، وكأننا لسنا في غابة تعج بالشياطين المتعطشة للدماء.
مرت الليلة بهدوء غير متوقع.
في صباح اليوم التالي، فتحت عيني ببطء. كنت جالساً في وضع التأمل أمام مدخل الكهف. لقد تطوعت للحراسة في الجزء الأخير من الليل.
ولكن، عندما حركت يدي، شعرت بلزوجة غريبة. نظرت للأسفل، لأجد سيفي مسحوباً جزئياً من غمده، ونصله ملطخ بدماء سوداء متبخرة. وملابسي تحمل بضع قطرات من الطين الأسود.
توقفت للحظة، أسترجع ما حدث.
"آه.. صحيح." تذكرت. في وقت متأخر من الليل، غفوت فعلياً من شدة الإرهاق. ولكن، لأن حواسي لا تنام أبداً، وبمجرد اقتراب شيطان قوي يمتلك "فن دماء للتحكم بالطين" من الكهف، استشعرته.
جسدي، المبرمج على القتال بفضل تدريب تينغن القاسي، تحرك من تلقاء نفسه. نهضت، قطعت رأس الشيطان الذي حاول إغراق المدخل بالطين، ومسحت سيفي، وعدت للجلوس.. كل هذا وأنا نصف نائم، أو ربما في حالة "سير أثناء النوم".
حسناً... شيء غريب ينضاف لبنية جسدية الغير بشرية.
تنهدت ومسحت الدماء المتبقية على التصل، ثم أدخلته في غمده.
في تلك اللحظة، شق سكون الصباح صوت حاد ومزعج لرفرفة أجنحة في السماء.
رفعت رأسي، لأرى غراباً أسود كالفحم يحلق فوق الأشجار. لم يكن غراباً عادياً، بل غراب "كاسوغاي"، غربان الفيلق الناطقة.
وبصوت أجش يشبه صوت رجل عجوز، صرخ الغراب مراراً وتكراراً:
"كواااء! كواااء! انتباه! تم إنهاء الاختبار النهائي! أكرر، تم إنهاء الاختبار النهائي مبكراً! على جميع الناجين التوجه فوراً إلى نقطة البداية! كواااء!"
وقفت من مكاني، واتسعت عيناي تحت القناع. "إنهاء مبكر؟!"
خرج رينغوكو من الكهف يفرك عينيه، وتبعه بقية الممتحنين بوجوه حائرة.
"إنهاء مبكر؟ ماذا يعني هذا يا كامادو-شونين؟ ألم يتبقَّ أربعة أيام أخرى؟" سأل رينغوكو بحيرة.
أسندت ظهري على الصخرة، ووضعت يدي في جيبي، وابتسمت ابتسامة ساخرة وأنا أحلل الموقف بعقلي.
الأمر بسيط ومضحك في نفس الوقت. لقد قمنا بتخريب الاختبار حرفياً.
خلال الأيام الثلاثة الماضية، قمت أنا ورينغوكو بتطهير الغابة بشكل جنوني. قتلنا الشياطين الضعيفة، والشياطين المتطورة، بل وحتى الشياطين التي كادت أن تصبح خطراً حقيقياً.
بالإضافة إلى ذلك، قمنا بجمع جميع الممتحنين في هذا الكهف، ووضعناهم تحت حمايتنا.
المشرفون على الاختبار (وبواسطة الغربان) أدركوا بالتأكيد أن استمرار الاختبار أصبح بلا معنى.
لم يعد هناك خطر حقيقي على الممتحنين وهم مختبئون معنا، وإذا استمررنا أنا ورينغوكو في القتال لسبعة أيام كاملة، فإننا حرفياً سنقوم بـ "إبادة جماعية" لشياطين جبل فوجيكاساني، وهو أمر لا يريده الفيلق، لأنهم يحتاجون بعض الشياطين الحية للأجيال القادمة من الممتحنين.
لذا، قرار الإنهاء المبكر هو قرار تكتيكي لإنقاذ ما تبقى من "البيئة الشيطانية" في الجبل!
التفت نحو الممتحنين الذين كانوا ينظرون إلينا بصدمة وأمل. بعضهم سقط على الأرض يبكي من الفرح لأنهم لن يضطروا لقضاء ليلة أخرى هنا.
نظرت إليهم، وفكرت بجدية. في الغالب، بعد رؤية هذا الجحيم وإدراك ضعفهم، سيقوم نصف هؤلاء على الأقل برفض حمل السيف كقتلة شياطين رسميين. سيستقيلون.
ولكن.. هل هذا يعني أنهم عديمو الفائدة؟
نظرت إلى الفتاة القصيرة التي كانت تبتسم بسعادة. هؤلاء الأطفال كان لديهم الشجاعة الكافية لترك منازلهم المريحة والمجيء إلى جبل يعج بالوحوش فقط لإنقاذ الناس. حتى لو أدركوا أنهم لا يملكون الموهبة القتالية، فإنهم يملكون "القلب".
الفيلق لا يقتصر على الهاشيرا والسيافين فقط. هناك "الكاكوشي" (فرق الدعم والتنظيف)، وهناك الأطباء في قصر الفراشة، وهناك الحدادون، وصناع ازياء الفيلق(الخياطون). هؤلاء الأشخاص سيكونون دعائم ممتازة لهذا الفيلق في المستقبل.
ربت رينغوكو على كتفي بقوة، مقاطعاً أفكاري، وابتسامته تضيء المكان كالشمس. "يبدو أننا نجحنا يا صديقي! لقد انتهى الأمر!"
عدلت قناعي الأبيض، ونظرت نحو قمة الجبل.
"نعم، لقد انتهى الجزء الممل." أجبته بصوت هادئ، لكنه يحمل حماساً خفياً. "دعنا نذهب لنختار الحديد الذي سيشكل سيوفنا. لدي شعور بأن سيفي القادم سيكون بهرجاً للغاية لدرجة أن معلمي سيبكي من الغيرة."
---
شعرت بالانزعاج والملل حقاً اثناء كتابة هذا الفصل... اكره الاختيار النهائي لفيلق قتلة الشياطين،... تنهد هذا مزعج يا صاح!
تذكير: البطل سيحصل على غش وهو عبارة عن نظام، ولكنه لن يظهر في اي وقت قريب لانه يجب تحقيق شرط معين.(طبعاً... هناك احتمال أن الغي هذه الفكرة، وهذا الاحتمال سيكون أكبر اذا الغيت فكرة العوالم المتعددة وانتقال البطل بين عوالم الانمي والمانغا)
اذا وجدت اي اخطاء في القصة او النص يرجى ابلاغي به لتعديله فوراً.
(اتمنى ان تكتب بعض التعليقات ومراجعات حول الرواية، لان هذا حافزي الوحيد على الاستمرار... واسف على التأخير!)