الفصل الثالث: مفلس.
مع بزوغ الخيوط الأولى للفجر، كان الهواء البارد يلف الغابة الكثيفة. في وسط ساحة ترابية محاطة بالأشجار، كنت أجلس بهدوء، وأسفل قدمي مباشرة كان هناك كائن يرتجف برعب خالص.
كان شيطاناً، أو بالأصح، ما تبقى من شيطان. أطرافه الأربعة كانت مقطوعة بالكامل، وتحاول التجدد ببطء شديد بعد أن قمت ببترها مراراً وتكراراً طوال الليل. جسده كان مغطى بإصابات مميتة تكفي لقتل عشرة رجال، ولكنه كان لا يزال واعياً، يشعر بكل ذرة ألم، فقط لأن الشياطين لا تموت إلا بقطع الرأس بسيف "نيشيرين" أو بأشعة الشمس.
كنت أضغط بقدمي اليمنى على صدره بقوة تثبته في الأرض، بينما أنحني قليلاً لأنظر إليه. لم يكن هناك غضب في ملامحي، ولا كراهية، بل فراغ تام. عيناي، اللتان تحملان لوناً أحمر داكناً يميل إلى العنابي، كانتا تنظران إليه ببرود يخلو من أي مشاعر بشرية.
ورغم أنني أبلغ من العمر عشر سنوات فقط، إلا أن بنيتي الجسدية كانت مشدودة وقوية بشكل استثنائي بفضل تدريب تنفس التركيز الكامل المستمر. شعري الأسود الطويل، الذي تتخلل أطرافه حمرة خفيفة، كان ينسدل على كتفي، بينما تتأرجح أقراط "الهانافودا" في أذني مع نسيم الصباح البارد.
تذكرت ما حدث الليلة الماضية؛ كنت أسير في الغابة عندما التقطت حواسي تلك الرائحة المتعفنة. تتبعتها لأجد هذا الشيطان يطارد امرأة شابة. لم يكن جائعاً بقدر ما كان يستمتع برعبها؛ كان يركض خلفها ببطء، يضحك وهي تتعثر وتبكي، يريد أن يرعبها لأقصى حد قبل أن يأكلها حية.
لم أتردد؛ اندفعت من الخلف بسرعة تفوق قدرته على الاستيعاب. سلاحي لم يكن سيفاً، بل كان منجلاً صغيراً، شفرته منحنية بشدة وحادة كشفرة الحلاقة، يشبه إلى حد كبير المنجل الذي يستخدمه المزارعون لقطع الحشائش القاسية، ولكنه معدل ليكون قاتلاً.
أشعر الآن بأنني مجرد مختل عقلي يحب تعذيب الشياطين، حسناً لا أمانع هذا!
من حسن حظي، وحسن حظ تلك المرأة التي هربت فور تدخلي، أن هذا الكائن كان مجرد شيطان عادي ضعيف، ولا يمتلك أي "فن دماء شيطاني" مزعج للتعامل معه.
وأخيراً، تسللت أشعة الشمس الذهبية من بين أوراق الشجر لتلامس جسد الشيطان. أطلق صرخة مرعبة، مزيجاً من الألم واليأس، قبل أن يتحول جسده بالكامل إلى رماد يتطاير في الهواء.
رفعت قدمي عن الأرض وتنهدت بعمق. زال ذلك الشعور الخانق الذي كان يضيق صدري، واختفت تلك الرائحة الكريهة والمقززة من الهواء. عاد هدوء الغابة الطبيعي.
التفت وبدأت السير باتجاه بركة مياه صافية لمحتها قريباً. بينما كنت أمشي، بدأت أفكر في قدراتي. حاسة الشم لدي قوية وغريبة حقاً. أخي الأصغر، تانجيرو، يمكنه بوضوح "شم" المشاعر؛ يشم الحزن، الغضب، وحتى الكذب. أما أنا، فالأمر مختلف وأكثر تعقيداً.
رغم امتلاكي حاسة شم مشابهة لأخي الصغير إلا أنني لم أكن أعتمد عليها كما يفعل، في النهاية أنا أملك "العالم الشفاف" بالإضافة إلى حاسة سمع معززة.
الثلاثي الشهير في القصة الأصلية -تانجيرو، إينوسكي، زينيتسو- كان كل منهم يملك حاسة معينة غير طبيعية؛ أخي الصغير كان يملك حاسة شم قوية بما يكفي لشم مشاعر الآخرين.
كان زينيتسو، مستخدم تنفس الرعد، يملك أذناً موسيقية بحاسة سمع خارقة، يمكنه سماع صوت الأعضاء الداخلية. أتذكر أن هاشيرا الصوت "أوزوي تينغن" كان يملك حاسة سمع بنفس الحدة.
وبالنسبة للأخير، فقد طور حاسة سادسة غير بشرية بالكامل، ويمكنه إدراك نظرات الآخرين إليه من أي مكان.
بالنسبة لي كنت أملك حواساً متفوقة وأضف إليها العالم الشفاف، وموهبة عالية رغم أنها لا تقارن بـ "تسوغيكوني يوريتشي" الذي يستخدم تنفس التركيز الكامل بشكل غريزي.
استطعت تعلم تقنية تنفس التركيز الكامل بنفسي ولكن باستخدام معلومات مسبقة، على عكسه هو الذي ابتكره بنفسه بدون رغبة منه حتى؛ الأمر بالنسبة له كان وكأن هذه هي طريقة التنفس الطبيعية.
حسناً، هذا الجيل من قتلة الشياطين مليء بالعباقرة، ومهمتي الوحيدة هي أن أصبح أقوى بما يكفي لأطيح بـ "كيبوتسوجي موزان" في قتال واحد ضد واحد.
لم أكن أريد أن أرى نفس المأساة تتكرر، وخصوصاً أن أخي وأختي الصغيرة وعائلتي بالكامل عانوا من الشياطين وكيبوتسوجي موزان في القصة الأصلية، وكاد أخي الصغير يموت ويتحول لشيطان بلا عقل في النهاية.
لذلك سأصبح الأقوى، ولذلك يجب أن أتقن تنفس الشمس، أو على الأقل أتقنه بشكل كافٍ للتأثير على موزان.
كان هناك فرق هائل في القوة بين تنفس الشمس و"هينوكامي كاغورا"، ورغم ذلك، هذا لا يعني أن هينوكامي كاغورا عديمة الفائدة.
بأي حال..
وصلت إلى البركة، وخلعت ملابسي بسرعة وارتجفت قليلاً بسبب برودة هواء الصباح. نزلت إلى الماء البارد وبدأت أغسل جسدي من آثار دماء الشيطان التي تناثرت علي.
غمرت رأسي في الماء وبدأت أغسل شعري. تذكرت أمي، وكيف كانت تصر دائماً على تسريح شعري والاعتناء به. في كل مرة كنت أطلب منها قصه لأنه يزعجني أثناء التدريب، كانت تبتسم وترفض قائلة إنه ناعم وجميل ويجب أن يبقى طويلاً. الآن، بعد مغادرة المنزل لثلاثة أيام فقط، أصبح فوضوياً وكثيفاً بشكل مزعج.
عصرت شعري من الماء، وربطته بعناية إلى الخلف باستخدام شريط قماشي، لكنني تعمدت ترك بعض الخصلات الأمامية تسقط بحرية لتغطي جبهتي وجزءاً من ملامحي. كان هذا ضرورياً لإخفاء تلك العلامة الحمراء الداكنة الشبيهة باللهب التي تتوسط جبهتي؛ لم أرد جذب انتباه غير مرغوب فيه.
بعد الانتهاء من الاستحمام، خرجت من البركة الباردة وتنهدت براحة. جسدي كان يشعر بالنشاط. ارتديت ملابسي بسرعة، ثم أخذت الهاوري الخاص بي وارتديته. كان هاورياً مميزاً، يحمل نمطاً من المربعات المتداخلة باللونين الأخضر والأسود. كان كبيراً قليلاً على جسدي، لكنه كان يعطيني شعوراً بالدفء والانتماء.
أكملت السير في طريق ترابي ممهد، وبدأت أستشعر الجوع. أدخلت يدي في حقيبتي الصغيرة لأدرك أن الطعام الذي أخذته من المنزل قد انتهى بالفعل الليلة الماضية.
"حسناً، هذا كان متوقعاً"، فكرت بصمت. "يجب أن أبحث عن عمل بسرعة. ولكن... هل يمكن لطفل يبدو في العاشرة من عمره أن يجد عملاً بدوام جزئي في قرية ريفية نائية في حقبة تايشو؟ هل يطبقون قوانين عمالة الأطفال هنا أم أنني سأضطر لتنظيف الحظائر مقابل وعاء من الأرز؟"
بعد السير لساعتين إضافيتين، ظهرت أمامي قرية صغيرة. لم تكن مزدحمة جداً، لكن كان بها حركة نشطة للأهالي والأسواق البسيطة. دخلت القرية وبدأت أسير في الشارع الرئيسي، أراقب المتاجر وأحاول إيجاد مكان قد يحتاج إلى عامل قوي البنية، متجاهلاً نظرات الاستغراب التي يوجهها البعض لطفل يتجول وحيداً بمنجل صغير معلق على خصره.
وبينما أنا شارد في أفكاري، لاحظت امرأة عجوزاً تقف على زاوية الشارع. كانت تحمل سلة خيزران عملاقة مليئة بالخضروات والحطب، وظهرها منحنٍ بشدة لدرجة شعرت أن عمودها الفقري سيتحطم في أي لحظة. كانت تخطو خطوة واحدة وتتوقف لتلتقط أنفاسها.
وقفت مكاني أراقبها. "يجب أن أبحث عن عمل فوراً لكي آكل"، حاولت إقناع نفسي بالتحرك بعيداً. "أنا لست بطل قصة خيالية متفرغاً لمساعدة العجائز في الشوارع، لدي هدف أهم".
ولكن، قدمي تحركت من تلقاء نفسها. تنهدت بقلة حيلة، واقتربت منها بهدوء. مددت يدي وأمسكت بالسلة الثقيلة ورفعتها عن ظهرها بكل سهولة، كأنها محشوة بالريش.
نظرت إلي العجوز بعينين متسعتين من المفاجأة وقالت بصوت متهدج: "أوه، يا إلهي... أقصد، يا بني! هذا ثقيل جداً عليك!"
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت بصوت هادئ ومحترم: "لا تقلقي يا جدتي، أنا أقوى مما أبدو عليه. دُليني على طريق منزلك وسأحملها عنك."
لم ترفض العجوز بعد أن رأت أنني لا أبذل أي مجهود يذكر في حمل السلة. بدأنا نسير معاً، وكنت أبطئ خطواتي عمداً لأجاري سرعتها البطيئة جداً مراعياً لسنها. تحدثنا قليلاً في الطريق؛ أخبرتني عن الطقس، وعن محصول الخضروات، وكنت أستمع بصبر وأجيب بكلمات مقتضبة ومهذبة.
أخيراً، وصلنا إلى منزل خشبي صغير ومتواضع في طرف القرية. وضعت السلة عند الباب، انحنيت باحترام شديد، وقلت: "لقد وصلنا. سأغادر الآن، أتمنى لك يوماً سعيداً."
استدرت للمغادرة، لكن فجأة شعرت بقبضة تلتف حول معصمي. التفت لأجد العجوز تمسك بي.
"إلى أين أنت ذاهب يا فتى؟ يجب أن تدخل وتستريح، سأحضر لك كوباً من الشاي الساخن وبعض الحلوى!" قالت بنبرة لا تقبل النقاش.
حاولت التملص بلطف: "أنا آسف حقاً يا جدتي، لا أستطيع. يجب أن أستمر في طريقي للبحث عن عمل قبل حلول المساء، فأنا بلا مأوى."
ورغم أن والدي، تانجورو، كان قد أعطاني كيساً صغيراً من العملات النقدية من مدخرات العائلة قبل رحيلي، إلا أنني كنت مصمماً على عدم استخدام هذا المال إلا في حالات الطوارئ القصوى.
ابتسمت العجوز بمكر وقالت: "تبحث عن عمل؟ ومأوى؟ ممتاز! أنا أعيش هنا وحدي مع حفيدتي الصغيرة، والمنزل يحتاج إلى رجل قوي مثلك ليقوم ببعض الإصلاحات. يمكنك البقاء معنا حتى تجد ما تبحث عنه، ولكن الليلة، لن تغادر هذا المنزل، هل فهمت؟"
حاولت سحب يدي بلطف، ولكن الصدمة كانت أن قبضتها كانت قوية بشكل مريب! بالطبع، كنت أستطيع دفعها بسهولة باستخدام جزء بسيط من قوتي، ولكنني خشيت أن أكسر عظامها الهشة إذا قاومت. وهكذا، وبحركة سريعة منها، وجدت نفسي مسحوباً إلى داخل المنزل، مجبراً على الاستسلام للأمر الواقع.
في المساء، جلسنا حول الطاولة المنخفضة لتناول العشاء. كانت الوجبة بسيطة: أرز دافئ، حساء ميسو، وبعض المخللات، لكن بالنسبة لمعدتي الخاوية، كانت وليمة.
كانت العجوز تجلس أمامي، وبجوارها حفيدتها؛ طفلة صغيرة ذات شعر بني مضفر، تبدو في الثامنة من عمرها، تصغرني بعامين تقريباً. كانت تنظر إلي بخجل شديد وتختبئ خلف كم جدتها في كل مرة تلتقي فيها أعيننا.
كنت أتناول طعامي بصمت، أراقبهم بطرف عيني. سألتني العجوز عدة مرات عن عائلتي وعن سبب تجولي وحدي في هذا العمر. لم أستطع إخبارها بالحقيقة؛ كيف يمكنني أن أنظر إلى هذه الطفلة البريئة والعجوز الطيبة وأخبرهم بأنني أطارد وحوشاً تأكل البشر؟ كيف أخبرهم أنني أبحث عن تنظيم سري يُدعى "فيلق قتلة الشياطين" يعتبره أغلب الناس مجرد أسطورة شعبية مخيفة؟
لذلك، اكتفيت بإجابات غامضة، متذرعاً بأنني أبحث عن مدرب ليعلمني فنون القتال، وأن عائلتي بخير وتنتظر عودتي.
بعد العشاء، بدأت العجوز في مضايقتي.
"يا لك من فتى وسيم وهادئ!" قالت وهي تضحك وتضرب على ظهري بخفة، "لو كنت أصغر بخمسين عاماً لتزوجتك فوراً! ما رأيك يا ساكي؟ ألا تعتقدين أنه سيكون عريساً ممتازاً لك عندما تكبران؟"
تحول وجه الطفلة "ساكي" إلى حبة طماطم حمراء، وصرخت بخجل شديد: "جـ.. جدتي! توقفي عن قول هذا!" ثم غطت وجهها بيديها الصغيرتين.
بالنظر لهذا المشهد لم أقل شيئاً واستمريت بحشو فمي بالطعام، بينما أنظر لهم بعيون سمكة ميتة.
في حياتي السابقة ورغم سني لم أكن قد وجدت حتى صديقة واحدة، فما بالك بخطيبة أو زوجة. ورغم ذلك لم أكن غير مبالٍ بما يكفي للتفكير بالزواج في مثل عمري هذا، خاصة أن ملك الشياطين ما يزال حياً.
استمر الجو دافئاً ومريحاً، حتى حان وقت النوم.
أعطتني الجدة غرفة صغيرة مستقلة لأنام فيها، بينما ذهبت هي وساكي للنوم في الغرفة المجاورة. فرشت مرقدي (الفوتون) على الأرضية الخشبية، واستلقيت. كنت متعباً جداً، وسرعان ما غطيت في نوم عميق، تاركاً جسدي يرتاح للمرة الأولى منذ أيام.
ولكن، في وقت متأخر جداً من الليل، بعد منتصف الليل بكثير... حدث تغيير.
تعبيري الهادئ والمسترخي أثناء النوم بدأ يتغير. ظهر عبوس خفيف على جبهتي، وتقطبت حواجبي. نبضات قلبي تسارعت قليلاً، وبدأت حواسي تلتقط تغييراً طفيفاً في الهواء المحيط.
فتحت عيني فجأة؛ لم يكن هناك نعاس فيهما، بل كانتا يقظتين تماماً.
نهضت من مرقدي بصمت تام، وكأنني شبح. جلست على ركبتي، ونظرت عبر النافذة المفتوحة جزئياً إلى القمر المكتمل الذي يضيء السماء بضوء فضي شاحب.
نظرتي الباردة عادت مجدداً. الهواء الذي يدخل إلى رئتي كان يحمل تلك الرائحة... رائحة مألوفة، متعفنة، ومثيرة للاشمئزاز. شعور بالبرودة يسري في الأجواء، وهو شعور لا علاقة له بطقس الخريف.
ضغطت بيدي على مقبض المنجل الصغير الموضوع بجانبي.
"هذا الشعور..." همست لنفسي بصوت خافت جداً، بالكاد يُسمع. "شيطان."
---
الفصول القادمة رح تكون اقصر وباسلوب مختلف، لم احب اسلوب الكتابة الحالي.
اذا وجدت اخطاء في القصة او النص، فاخبرني من فضلك.
تعليقاتكم هي حافزي الوحيد على الاستمرار.