كان الجو مشحونًا بالتوتر داخل البلاط الملكي، حيث تعالت الهمسات المليئة بالغضب والاستياء تجاه "داركن"، ذلك الغريب الذي اقتحم أرضهم الخاصة، والمُتهم بالاعتداء على أميرتهم المحبوبة. كل شيء كان ضده... ومع ذلك، ورغم كل ما يُقال، نجح بطريقة ما في جذب انتباه ملك الإيلف نفسه. والآن، ربما تكون هناك فرصة!
' لأكون صريحًا، أن أحظى بانتباه الملك بهذه السهولة، بل وأن أحصل على فرصة للحديث؟ أعتقد أنني استنفدت كامل مخزون حظي دفعةً واحدة '
' على أية حال، لا مجال للتردد. يجب أن أستغل أي فرصة تُتاح لي. لا يمكنني السقوط عند أول عقبة... الطريق أمامي لا يزال طويلاً '
تلاقت نظرات "داركن" مع عيني الملك الهادئ الملامح، الذي تجاهل تمامًا وجود الأمير "أزريف" الواقف بجانبه، ممسكًا بالخنجر ذاته الذي كاد يغرسه في عنق "داركن" قبل لحظات فقط. لم يكن "أزريف" راضيًا عن قرار الملك بإيقافه، لكنه لم يُظهر أي نية للعصيان. اكتفى بالتراجع، مُبتعدًا عن "داركن"، بينما كانت عيناه تتقدان بالغضب والرغبة في القتل... كما هو حال معظم الحضور في تلك اللحظة.
أما ما قاله "داركن" قبل قليل، فقد أشعل القاعة بأكملها. ازداد الاضطراب بين الحاضرين، وتبادل بعضهم الهمسات، غير مصدقين لكلماته، بينما لم يتمالك آخرون أنفسهم وصرخوا غاضبين:
– " لا تقل لي أنك ستصدقه، جلالتك؟! انظر إليه! إنه بشري لعين، يكذب لينجو بحياته !"
– " نعم، يا مولاي، لا ينبغي أن تمنحه فرصة أو مساحة للكلام! قد يستغل ذلك للقيام بشيء خطير ضد جلالتك !"
– " إنه المذنب بلا شك! مجرد كاذب يحاول الهروب من مسؤولية أفعاله !"
استمع "داركن" لكل ما قيل من الإيلف المنتشرين على جانبي البلاط. لم يتفاجأ، فقد كان يتوقع ذلك تمامًا. في موقف كهذا، لن يصدقه أحد. الجميع سيُصرّ على أنه الجاني، ولن يتراجعوا عن هذه القناعة بسهولة. لكن من وجهة نظره، هناك طريق واحد فقط لتغيير ذلك... عليه أن يُثبت براءته. ومع ذلك، كل ما يحتاجه الآن هو فرصة — مجرد فرصة لإثبات الحقيقة .
رفع الملك يده إلى الأعلى، وأشار بها بخفة نحو الحاضرين، فتراجعت الأصوات المرتفعة تدريجيًا حتى عمّ الهدوء أرجاء البلاط من جديد، باستثناء أصوات البكاء الحزينة القادمة من الملكة والأميرة الصغيرة، التي ظلّت تخرق السكون بوضوح.
"اسمك داركن، إذًا؟" قال الملك بصوت هادئ، متأملًا وجه الشاب أمامه. "وتقول إنك لست الفاعل، أليس كذلك؟"
"نعم، لست الشخص الذي تبحثون عنه." أجابه داركن بثقة.
تأمل الملك ردّه لثوانٍ بصمت، ثم أردف قائلاً: "وتنتظر مني فرصة لإثبات براءتك من التهمة الموجهة إليك، أليس كذلك؟"
' هل قرأ أفكاري؟ أم أن ما قلته كان واضحًا لهذا الحد؟... في كل الأحوال، يجب أن أتمسك بموقفي '
"نعم، يا جلالة الملك. أطلب منكم فرصة لإثبات براءتي." قال داركن بنبرة حازمة وثابتة.
في تلك الأثناء، كان الأمير "أزريف" يستمع بصمت، لكن نيران الغضب كانت تتأجج في داخله، تكاد تحرق قلبه. لم يُصدق أي كلمة تخرج من فم داركن، بل واشتعل غضبه أكثر عندما تجرأ الأخير على طلب فرصة لإثبات براءته.
"هل تعتقد أنك في موضع يسمح لك بطلب شيء؟! أيها البشري اللعين! فلتعرف مقامك!" صرخ أزريف بغضب، واقفًا على يسار داركن، صوته يقطع الهواء كالسكين.
"اهدأ يا أزريف." تدخل الملك بصوته الهادئ ذاته، دون أن يتأثر بانفعال ولده. "هذه ليست من أخلاقنا، يا فتى. مهما كانت الظروف، حتى لو كنا في مواجهة عدو، فإن أخلاقنا، قيمنا، و مبادئنا... لا يجب أن نتخلى عنها، حتى في لحظات الغضب."
ثم نظر إليه مباشرة بعينين جادتين : "لا تنسَ ذلك، يا أزريف."
كانت كلمات الملك أشبه بسهم أصاب قلب أزريف بدقة، فارتخت أكتافه وتراجع توتره، وتذكّر في لحظة أن عليه التحلي بالاتزان. صحيح أن والدته تصرفت بغضب مماثل، لكنها أم، ويُعذر قلب الأم في ما تقول وما تفعل، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأبنائها.
"أعتذر، جلالتك... لقد تملكني الغضب فحسب." قال أزريف بصوت خافت، ثم خطا خطوات إلى الخلف، ليقف خلف الملك مباشرة بصمت .
في تلك اللحظة، أعاد الملك نظره إلى "داركن"، الذي ظل واقفًا في مكانه، ينتظر فرصته للحديث. لم ينطق الملك بشيء في البداية، بل اكتفى بالتحديق فيه بعيون فاحصة، تدرس ملامحه وتتفحص كل جزء من جسده البارز، الذي يصعب تجاهله.
"إيفي... هل يمكنكِ شمّ الرائحة التي يحملها جسد أختكِ إيرل؟ هل تستطيعين تمييز من اعتدى عليها من خلالها؟" سأل الملك دون أن يزحزح نظره عن "داركن" لحظة واحدة.
كانت "إيفي"، الأميرة الصغيرة، جالسة إلى جانب الملكة، بالقرب من جسد "إيرل" الغائبة عن الوعي. وما إن سمعت سؤال الملك، حتى اقتربت من أختها بخطى خفيفة، وانحنت نحو جسدها، وبدأت بشمه لعدة ثوانٍ. بدت مترددة، ثم ظهر على وجهها تعبير اشمئزاز واضح.
"رائحة... كريهة... كريهة جدًا!" قالت وهي تمسك أنفها بعفوية، وتغلق عينيها بقوة.
أومأ الملك برأسه حين سمع ردها، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل شيئًا من الحزم: "والآن، توجّهي نحو الشاب داركن. وإن شعرتِ بالرائحة ذاتها منه... فسوف يُنفّذ الحكم فورًا."
تحركت "إيفي" من مكانها بتردد ظاهر، وسارت بخطى خفيفة نحو "داركن"، الذي بقي ثابتًا لا يتحرك، مدركًا أن هذه اللحظة قد تحدد مصيره. ورغم ثقته الظاهرة، بدأ الشك والتوتر يزحفان إلى ذهنه.
' هذه الفتاة... أخت إيرل، صغيرة وقصيرة القامة، لكنها تملك قدرة فريدة على تمييز الروائح... لا شك أنها تستطيع تحديد المعتدي من خلال ذلك. ولكن... '
' أنا... أنا دفنت كارل بيديّ. ألم يلتصق بي شيء من رائحته القذرة؟ تبا! قد أكون في ورطة حقيقية الآن! '
للحظة، شعر "داركن" بالقلق الشديد. ربما تكون هذه فرصته الوحيدة للنجاة، لكنه بدأ يدرك أنه قد يخسرها بسبب أمر خارج عن إرادته. وإن ثبتت عليه التهمة، سيكون عليه التفكير بخطة بديلة للخروج من هذا المأزق... وربما الهرب.
كان بإمكانه الهروب بسهولة — فقد بدأ يعي تدريجيًا مدى قوته الجسدية — لكنه لم يكن يرغب بذلك. "إيرل"، تلك الإلف التي تعرضت للهجوم، لم تكن مجرد شخص عابر. ما حدث لها... أعاد إليه ذكريات موجعة عاشها بسبب "جابيلين". ربما لهذا السبب، كان يريد أن يطمئن على أنها ستبقى على قيد الحياة، كي لا يطارده ذنب موتها حتى النهاية.
اقتربت الأميرة "إيفي" من "داركن"، وبدأت تشمّه بهدوء. مرت ثوانٍ قبل أن تتغير ملامحها. صدم "داركن" حين رآها تتأمل وجهه بدهشة، وكأنها... منبهرة.
"هذه الرائحة... مختلفة تمامًا..." قالت "إيفي" بنبرة هادئة وناعمة، جعلت الجميع — باستثناء الملك والملكة — ينظرون إليها في ذهول وعدم تصديق.
ثم تابعت كلامها، وقد غاص صوتها في طبقات من الدهشة والتأمل: "ليست نفس الرائحة على الإطلاق... إنها مختلفة. نقية... لطيفة... هادئة ومسـالمة."
كان الجميع مذهولين من كلماتها، حتى "داركن" نفسه أصابه الارتباك، وللحظةٍ، تساءل في داخله إن كانت هذه الفتاة مجنونة .
رفعت الأميرة "إيفي" رأسها ونظرت مباشرة في عيني "داركن"، وكأنها تبحث في أعماقه عن شيء خفي. كانت نظراتها مزيجًا من الفضول والافتتان، مما أشعر "داركن" بعدم الراحة. وبعد لحظات، بدت ملامح الدهشة ترتسم من جديد على وجهها، فاستدارت بسرعة نحو الملك، مستعدة للتحدث... لكن الملك رفع يده بإشارة خفيفة، صامتة لكنها حاسمة، تأمرها بالصمت.
لم يكن الجميع راضيًا عن هذا التصرّف. القاعة انقسمت؛ البعض بقي متفرجًا بصمت، والبعض الآخر بدأ يتمتم باستياء، حتى صرخ أحدهم فجأة: " هذا هراء !"
لفتت صرخته انتباه الجميع، بمن فيهم الملك، بينما تابع الرجل بعصبية: " هل ستعتمد على طفلة في اتخاذ قرار مصيري يا مولاي؟! صحيح أن للأميرة قدرة على شمّ الطاقة الروحية، لكن ما الذي يضمن أن هذا البشري لا يخفي طاقته الحقيقية ؟!"
أثار ذلك فضول "داركن"، ليس لأن مفهوم الطاقة الروحية غريب عنه، فعقله المتجدد زوّده بمعرفة أساسية عنها، بل لأن المعلومة الجديدة كانت أن "إيفي" قادرة على شمّ الطاقة الروحية!
' شمّ الطاقة الروحية؟ لا اعرف كيف لكن هذا يغيّر كل شيء... إن كنت لا أشارك نفس هيئة الطاقة الروحية مع ذلك اللقيط كارل، فلا زالت لدي فرصة حقيقية. يجب أن أتمسّك بهذا الطريق. '
نظر "داركن" إلى الملك الذي ظل صامتًا، يراقب بتأنٍّ، إلى أن تحركت شفتيه أخيرًا: "أتفهم مشاعر الغضب التي تعتمل في صدوركم،" قال بنبرة ملكية واضحة، "فما تعرّضت له الأميرة إيرل جريمة شنيعة لا تُغتفر... لكنكم تعرفون من نحن."
ثم ارتفعت نبرته، صلبة وقاطعة: "نحن قوم يحكمهم العقل لا العاطفة. نحيا بالعدل، لا بالاندفاع. وقد اتخذت قراري بالفعل... لكني لن أُعلنه الآن."
ثم مدّ يده نحو "داركن": "في الوقت الراهن، لن يُغادر هذا الشاب أراضينا، ولن يتحرك فيها كما يشاء. سيكون تحت المراقبة حتى يحين موعد الحكم."
أنزل يده مجددًا، ثم قال بنبرة أهدأ: "لن أنطق بحكم جائر. هذا ليس من شيمي... ولا من شيم عائلتنا وشعبنا."
كانت الجملة الأخيرة موجّهة مباشرة إلى "داركن". وقد فهمها تمامًا. لقد تغيّرت نبرة الملك ثلاث مرات؛ مرة حين تحدث عن شعبه، ومرة عند الحديث عن القرار، وأخيرًا... حين وجّه حديثه له وحده .
ظل "داركن" واقفًا بصمت، بينما تحركت الأميرة "إيفي" بهدوء مبتعدة عنه، متوجهة نحو الملكة، التي كانت ما تزال جاثية قرب جسد ابنتها "إيرل"، تمسك بها بصمت ممزوج بالألم، وعيونها تغالب الدموع والكلمات.
' الوضع الآن... مقبول. '
' لكن بصراحة، لا أشعر بأي ترابط داخلي. كل شيء يبدو مألوفًا بشكل غريب، كأنني اعتدت على هذا النوع من المواقف... رغم أنها المرة الأولى التي أمرّ فيها بشيء مماثل. '
' على أي حال، الحكم تأجّل، وسأُقيّد داخل هذه الأرض لفترة... حتى يقرر الملك إعلان حكمه النهائي. '
بعد لحظات، أشار الملك بيده للأعلى، لم يفهم "داركن" الإشارة في بادئ الأمر، لكن المعنى اتّضح حين بدأ الحضور يغادرون القاعة بهدوء... وخلال دقيقة، أصبح البلاط الملكي فارغًا إلا من: الملك، الملكة، الأميرة "إيفي"، الأمير "أزريف"، جسد الأميرة "إيرل"، الحارس "توريل"، وعضو آخر من المجموعة التي قادت "داركن" إلى هنا.
تساءل "داركن" بدهشة : ' لماذا لم يُطلب مني المغادرة؟... بقائي وحدي بجانب العائلة الملكية؟ هذا... غريب. '
ظلّ صامتًا، يراقب بصبر، منتظرًا ما سيحدث.
"أعلم جيدًا أنك لست الفاعل، يا فتى." قال الملك بصوت هادئ، وعيناه مغمضتان.
اتسعت عينا "داركن" بدهشة: "ماذا تعني بذلك؟"
فتح الملك عينيه، لكن من أجاب لم يكن هو، بل الملكة نفسها، وهي ما تزال ممسكة بابنتها، تتحدث بصوت منخفض لكنه واضح: "لسْتَ من نبحث عنه. أدركت ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها جسد ابنتي المسكينة..."
نظر "داركن" نحوها بصمت، وقلبه مثقل بالتساؤلات، في حين اتّسعت عينا "أزريف" بذهول، عاجزًا عن تصديق ما يسمعه.
' هل كانوا... يعلمون بذلك طوال الوقت؟ هل كنت اكافح لإثبات براءتي، بينما هم... يعرفون الحقيقة؟! لما كان كل ذلك اذن؟ '
اقترب الملك من "داركن" بخطوات هادئة ومدروسة، ثم وقف أمامه، ومدّ يده قائلًا: "أنا الملك التاسع عشر لمملكة الإيلف. هذه أرضنا... أدعى توراس، ملك الإيلف الشرقيين. تشرفت بلقائك."
بُهِت "داركن" من الموقف، ومن تصرّف الملك المفاجئ. لكنّ الاسم... "توراس"، بدا محفورًا بشيء من الهيبة. شعر للحظة بشيء مختلف، وكأن الأمور تسير لصالحه، على غير المتوقع. رفع يده، وصافح الملك بقوة وثقة.
ابتسم "توراس" ابتسامة واسعة، وهو يحدّق في يد "داركن" القوية، ثم رفع رأسه لينظر مباشرة في عينيه.
"يا فتى، ما حدث لابنتي جريمة لا تُغتفر، ولن أتهاون مع الفاعل، مهما كان. لكنني أنا وزوجتي الملكة إيرلسيا، نعلم جيدًا أنك لست المسؤول. ومع ذلك... نأمل أن تكون لديك معلومات، أو أدلة، قد تساعدنا في معرفة الجاني."
ردّ "داركن" بثبات : "سأقدّم كل ما أملك من معلومات. وأيضًا..."
ثم توقف للحظة، و قال بعينين اشتعل فيهما العزم و الشدة : "إن كانت هناك وسيلة يمكنني من خلالها مساعدة الأميرة إيرل... فأرجو أن تخبرني. لا، بل أصرّ على ذلك."
راقب الملك كلماته بعناية، وشهد في عينيه وهج الصدق والإصرار. شيء ما في قلبه أخبره أن هذا الشاب ليس مجرد ناجٍ ، بل شخص ذو نوايا نقية.
ابتسم توراس من جديد، لكن هذه المرة ابتسامة أقل رسمية، وأكثر إنسانية. ربما، فقط ربما... يمكن الوثوق به.