سارت الأمور بشكل سلس مع "داركن"، فقد تجنّب أي حكم قد يؤثر على حياته. لكنه لا يزال مقيّدًا بحدود أراضي الإيلف التي دخلها وهو مغمض العينين، مما يجعل الهروب منها أمرًا معقدًا، بل أقرب إلى المستحيل. وحتى لو عرف الطريق، فمما لمحته عيناه قليلًا قبل دخوله إلى بلاط الملك "توراس"، فإن أراضي الإيلف أشبه بغابة أكثر تشابكًا من الغابة التي كان فيها قبل وصوله إلى هنا.

على أي حال، بعد انتهاء الاجتماع في البلاط الملكي، تم نقل "داركن" إلى مكان مختلف—مكان أكثر ترتيبًا وطبيعية. وبـ"طبيعية" يُقصد بها من حيث البناء والتنظيم، فهو مكان أشبه بقلب شجرة منحوت بشكل مذهل ومثير للإعجاب. كان شعور "داركن" متضاربًا؛ بين القلق مما هو آتٍ، وبين الإعجاب الشديد بمهارات الإيلف في تكريس الأشجار كمساكن لهم. لكن في الوقت عينه، صدمه حجم الأشجار في أراضي الإيلف—أو على الأقل، الشجرة الوحيدة التي يتواجد في قلبها حاليًا.

جلس على حصيرة منسوجة بعناية من لحاء الأشجار، بلون أحمر فاتح. كان ملمسها مريحًا على عكس ما توقعه "داركن"، لكن ما أثار تساؤله في داخله، هو حقيقة أن عائلة ملكية وذات شأن كبير، تعيش حياة أقرب إلى حياة الناس العاديين، ولا يتمتعون بالرفاهية التي كان يسمع بها من رجال "قافلة الأحلام" في الماضي.

' لأكون صريحًا، توقعت شيئًا أكثر فخامة من هذا... لكن من جهة أخرى... '

ابتسم "داركن" وهو يتأمل بساطة المكان الذي يجلس فيه.

' يمكنني القول إن مكانًا كهذا... يعطيني راحة نفسية غريبة. أحب ذلك. '

وبعد مرور دقائق، دخل ملك الإيلف "توراس" على "داركن" من خلال باب تغطيه ستارة شفافة حريرية، تنساب بسلاسة عند ملامستها. كان "توراس" يبدو في حالٍ سيئة؛ لم يكن مرتاحًا كثيرًا، وهذا طبيعي، فأبنته في حالٍ أقرب إلى كارثة مجسدة. لذا، من الطبيعي جدًّا ألا تظهر على رجل كبير في السن مثله ملامح الراحة في موقف كهذا.

قال الملك بلطف: "أعتذر على التأخير. آمل أن المكان كان مريحًا لك، رغم أني أشك أنك قد جرّبت الجلوس في قلب شجرة من قبل." ثم أنهى جملته بابتسامة مصطنعة.

فرد عليه "داركن" بعد أن وقف احترامًا للملك: "لأصدقك القول، لم أتوقع يومًا أني سأجلس في مكان كهذا. أشعر وكأني عصفور... أو سنجاب." جاء رده محمّلًا ببعض الفكاهة، على أمل تحسين الأجواء.

أشار الملك بيده ليجلس الاثنان، فجلس "داركن" على الحصيرة ذات اللون الأحمر الفاتح، بينما جلس الملك "توراس" بجانبه.

قال الملك وهو يتأمل ملامح "داركن" الهادئة: "كان الاجتماع في البلاط الملكي معقدًا وفوضويًا إلى حدٍّ ما... لا بد أنك مشوش مما حدث حينها."

رد "داركن" بنبرة هادئة: "ليس تمامًا، أنا معتاد على هذا النوع من المواقف—ليس لأني عشتها، بل لأني في الماضي..."

كاد أن يذكر شيئًا من ماضيه، لكنه توقف ، وقرّر تلفيق شيء مناسب بسرعة: "أعني... كنت غير قادر على الكلام، فقد كان يُنظر إليّ كشخص لا يفقه ما يقول." ثم نظر إلى الملك، على أمل أن يكون قد صدّق ما قاله.

كان الملك صامتًا، يتأمل كلمات "داركن" بعناية، يدرسها حرفًا حرفًا كما بدا عليه. حينها، ابتسم له مجددًا، لكن هذه المرة، بدت ابتسامته تحمل شيئًا من الصدق، رغم مشاعره الحقيقية تجاه حالة ابنته "إيرل".

قال بهدوء: "حسنًا... لا نحصل جميعنا على فرصة لتقديم أنفسنا بشكل مثالي في أي مكان. أحيانًا... عليك أن تغيّر مكانك لتُظهر أفضل ما فيك."

كانت كلمات الملك "توراس" حكيمة، لامست شيئًا في نفس "داركن"، وكأنها تصوّر حاله حين كان عبدًا بلا حقوق أو إمكانيات. وفور تحرّره، أصبح على ما هو عليه الآن: مفكر، مخطط، وطليق اللسان. لكن في الوقت ذاته، لم يستطع أن يمنع نفسه من تذكّر الكيان المسمى "ملك التنانين"، الذي حصل منه على ما يعتقد أنه مباركة، وبفضلها أصبح ما هو عليه الآن.

بالمجمل، كلمات الملك "توراس" أصابت "داركن" في الصميم، لكنها في الوقت نفسه جعلته متناقضًا في نظرته إلى ما كان عليه وما أصبح الآن.

"يبدو أن هناك ما يشغل بالك يا فتى... هل أنت بخير؟ منذ لقائنا في البلاط وحتى الآن، أرى فيك شيئًا من الضياع وعدم الاستقرار."

فاجأه صوت الملك بهذه الملاحظة، فتلعثم "داركن" قليلًا، إذ بدا واضحًا عليه ما يحاول إخفاءه، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وردّ قائلاً : "أه... حسنًا، لست معتادًا على الجلوس والتحدث مع هذا العدد من الأشخاص... ناهيك عن ملكٍ لأحد أكثر الأعراق ندرة في الظهور."

حينها بدا أن الملك "توراس" تفاجأ من قوله، وكأن "داركن" قال شيئًا غريبًا، فسأله مستنكرًا : "ما الذي تتحدث عنه؟ من قال إن عرق الإيلف نادر؟ نحن متواجدون بكثرة في القارة... ألم ترَ واحدًا من قبل؟"

ظهرت حينها ملامح الشك على وجه الملك، مما دفع "داركن" إلى محاولة تدارك الموقف. لم يكن قد التقى بأحد من الإيلف من قبل، وربما رأى أحدهم من بعيد، لكن حديث مباشر؟ لم يحدث قط إلا مؤخرًا. ومع قليل من التفكير السريع، استطاع إيجاد ردّ مناسب.

"بصراحة... لم ألتقِ بالكثير من الأشخاص في حياتي، وأقصد حتى البشر أنفسهم. أما الإيلف، فقد سمعت عنهم فقط، لا أكثر." كان رده غير واضح تمامًا، لكنه بدا كافيًا على الأقل في اللحظة.

"هممم..." همهم الملك "توراس" لبضع لحظات، ثم قال بنبرة متمعنة: "وماذا سمعت عنا بالتحديد، أيها الفتى؟"

سأل وهو يركّز نظره في عيني "داركن"، كأنه يحاول اكتشاف إن كان كلامه صادقًا أم لا.

لم يكن السؤال صعبًا، فـ"داركن" بالفعل سمع الكثير عن عرق الإيلف—أو ما يُسمّى بـ"الجان" في بعض المناطق. وكان ذلك بفضل "إيدي"، العبد الذي ساعده على تعلّم بعض الأمور قبل ثلاث سنوات تقريبًا، حين كانا معًا ضمن "قافلة الأحلام".

قال "داركن" بثقة وهو يستحضر تلك الذكريات: "ما سمعته، وما أذكره... هو أن الإيلف لديهم شعر ناعم، وملامح شبابية تدوم لسنوات طويلة، وربما... لأكثر من قرن. وأيضًا... يملكون أجسادًا رشيقة، مما يجعل العثور على شخص بدين بينهم، أمرًا أقرب إلى نكتة." كان حديثه دقيقًا، مقتبسًا مما قاله له "إيدي"، لا مما رأته عيناه.

تأمل الملك "توراس" كل كلمة قالها "داركن"، ثم سأله فجأة: "أنت لست من قارة اندراستس ، أليس كذلك يا فتى؟"

تجمّد "داركن" في مكانه، تفاجأ من الاسم. قارة "إكستراس"؟ لم يسمع بها من قبل قط. لقد كان يُنقل كالبضاعة من مكان إلى آخر، بلا معرفة حقيقية بالعالم.

' قارة اندراستس ؟ ما معنى هذا؟ مهلاً... قد أتمكن من تذكر شيء... إن أغمضت عيني، كما فعلت في وقت سابق... '

أغلق "داركن" عينيه لبعض الوقت، محاولًا استرجاع أي ذكرى. ثم فتحهما ببطء، لكنه لم يحصل على شيء. مجرد تأمل بلا جدوى، مما جعله يتوتر، وتوتره هذا لم يخفَ على الملك "توراس".

قال الملك بنبرة لطيفة لكنها حازمة: "كما أرى، هناك الكثير من الأمور التي تجهلها، يا فتى. لست من هذه القارة، ولست برحال يتنقل بين الأراضي. بل وبالكاد تعرف شيئًا عن عرقنا، رغم أن القصص منتشرة، ومِثلُنا يعيشون في كل مكان."

ثم نظر إليه بعيون حادة: "أخبرني بالحقيقة، يا فتى... ما هو ماضيك بالتحديد؟" كان صوته لا يحمل التهديد بشكل صريح ، لكن داركن شعر وكأن اللطف قد تلاشى، ليحل محله ضغط غير مباشر.

في تلك اللحظة فقط، شعر "داركن" بأنه قد انكشف. لم يعد أمامه سوى خيار واحد للخروج من هذا الموقف دون أن يتسبب في كارثة... وهو أن يكشف جزءًا من حقيقته، ومن ماضيه.

' يبدو... أن عليَّ ذلك. '

بعدها نطق "داركن" وبدأ بسرد قصته. روى عن حياته، وكيف كان يتعرض للتعذيب المستمر لإمتاع "جابيلين" المختل، وكيف عومل كمنبوذ ومحتقر. كما كشف عن الأسباب خلف تصرفات "جابيلين"، مما سمعه من "ماري تشويرا"، وذكر أيضًا بعض التفاصيل من حياته التي سبقت عبوديته عند "جابيلين"، لكنه لم يتوسع كثيرًا، بل ذكر القليل مما بقي في ذاكرته.

تحدث "داركن" لبعض الوقت، حتى وصل إلى لحظة الهجوم على القافلة، ومساعدة "ماري" له، ثم سقوطه في البحر. وذكر كذلك القليل من مشاعره حينها، مركّزًا بشكل خاص على وصف ما رآه من الكيان الغامض المعروف بـ"ملك التنانين"، وذلك على أمل أن يستغل حكمة الملك "توراس" لتفسير ما حدث... لكن بدلًا من الحصول على تفسير، رأى في عيني الملك شيئًا مختلفًا: مزيج من الحزن والألم. يبدو أن القصة أثرت فيه أكثر مما كان يتوقع.

قال الملك بصوت حنون: "أيها المسكين... لقد مررت بالكثير. حقًا، ما عايشته يجعل مشاكل غيرك تبدو وكأنها مزحة."

مسح عينيه بلطف ثم تابع: "عليَّ أن أعترف... لقد حاولت استخدام نظراتي لاكتشاف أي كذبة قد تحاول تمريرها. وعندما رأيت أنك تخفي شيئًا، دفعتك قليلًا بتهديدٍ مبطن. لكن... يبدو أنني دفعتك للنطق بشيء موجع للغاية."

ثم مد يده وأمسك بيد داركن بلطف: "أعتذر يا فتى."

شعر "داركن" بشيء من الراحة حين تحدّث أخيرًا عما جرى له، لكنه في الوقت نفسه أدرك حقيقة قاسية: رغم تحسُّن جسده، وتطور عقله، وتغيّر أسلوبه... لا يزال سيئًا في التعامل المباشر مع الآخرين. وقد يتسبب ذلك له بمشاكل مستقبلية. كما أنه شعر بعدم رغبته في تكرار مشاركة ماضيه مع أي شخص آخر. ربما لا يريد أن يُحكم عليه، أو لعل السبب الحقيقي... هو أنه لا يريد تذكُّر تلك الحياة الكارثية التي عاشها.

قال بصوت خافت وهو يمسك بيد الملك التي تمسك يده الأخرى: "لا عليك، أيها الملك. إنها غلطتي، لأني حاولت الكذب باستمرار. كل ما في الأمر... أنني لم أرغب في أن أبدو مثيرًا للشفقة."

ابتسم الملك ابتسامة صادقة، وكأن قصة "داركن" خففت من وقع مأساة ابنته عليه. ثم قال: "يا فتى... الضعف ليس عيبًا. العيب أن تبقى ضعيفًا رغم قدرتك على التغيير. أما حديثك عن ماضيك... فلا أنصحك أن تكرره أمام أيٍّ كان. فالماضي قد يُصبح سلاحًا يُوجَّه ضدك في لحظةٍ غير متوقعة."

ثم شدَّ على يد "داركن" مؤكدًا: "تذكّر ذلك جيدًا يا فتى."

أومأ "داركن" برأسه لكلمات الملك "توراس"، حينها أبعد الملك يده قليلًا، وتأمل بصمت قبل أن يتحدث مجددًا: "كما يبدو... فأنت قادم من قارة 'فينغارد'، أقرب قارة إلى هذه التي نعيش فيها الآن. واسم قارتنا هذه هو 'اندراستس' " .

ثم تابع: "هنا في هذه القارة، يتواجد أربع فئات من الإيلف. هناك من يطلق علينا اسم 'الجان'، لكن هذه التسمية أكثر شيوعًا في 'فينغارد'. أما هنا، فيُطلق علينا اسم 'الإيلف'."

استمع "داركن" باهتمام بالغ، وتعجب قليلًا. فهذه هي أول مرة يعرف فيها اسم القارة التي عاش فيها سابقًا—"فينغارد"، القارة التي شهدت أسوأ أيام حياته. والآن؟ هو في قارة مختلفة تمامًا تُسمّى "اندراستس"، مما يعني... أنه لن يتمكن من لقاء "جابيلين" هنا.

' إذا كنت أنوي الانتقام من جابيلين، فعليَّ العودة إلى فينغارد... هناك، حيث يوجد ذلك اللعين. '

' لكن في الوقت الراهن، سأحاول الاستقرار في هذه القارة... سأحاول أن أعيش كشخصٍ حر. رغم أني لا أفهم الحرية جيدًا، لكني... سأفهمها مع الوقت. أنا متأكد من ذلك. '

كانت أفكار "داركن" كثيفة، وازدادت كثافة بعد تلقيه هذه المعلومات من الملك "توراس". لكنه لم يشعر بالانزعاج... بل أراد المزيد. أراد أن يعرف، أن يتعلم . فقال بأدب : "أتمنى أن تُكمل الحديث، أيها الملك... أنا مهتم بمعرفة المزيد."

أومأ الملك بهدوء، ثم تابع حديثه مباشرة دون مقدمات إضافية : "هنا في قارة اندراستس، توجد أربع ممالك لعرق الإيلف:- الشرقيون، الغربيون، الشماليون، والجنوبيون. أما نحن؟ فنحن الشرقيون، ونعيش في 'الغابة الغامضة'، الواقعة في أقصى شرق القارة العظيمة اندراستس."

ثم أردف قائلاً: "كل مملكة تتميز بشيء وشكل مختلف تمامًا عن الأخرى. الإيلف الشماليون، مثلًا، لديهم شعر أخضر كأوراق الربيع، وعيونهم تشبه عيون البشر، لذلك يعتبرون الأقرب للبشر شكلًا وتفاعلًا. أما الجنوبيون... فقد اختفوا منذ أكثر من مئة عام، وتحديدًا بعد المعركة العظمى ضد 'لورد الظلام' وسيد السحرة الأسطوري 'كلاريديس'."

توقف قليلًا، ثم تابع: "كان الجنوبيون يتميزون بشعر أحمر طويل لا يُقصّ، لأنهم يعتبرونه رمزًا لهويتهم، وعيونهم بنفس لون شعرهم، حمراء لامعة بشكلٍ مبهر. وكانوا أقوياء للغاية بشكل لافت."

ثم نزل صوته قليلًا، وأكمل: "أما الغربيون... فهم يُعتبرون الأسوأ. عدوانيون جدًا تجاه باقي الأعراق، ويؤمنون بأنهم 'العرق السامي'. شعرهم دائمًا ما يكون قصيرًا، ولونه أزرق فاتح. كانوا أكثر الأعراق كرهًا للجنوبيين، والآن يعتبرون أنفسهم الأقوى بين الإيلف. ومن بينهم، توجد عائلة تُدعى 'لوترليس'."

نظر إلى "داركن" بنبرة جادة: "إن خرجت يومًا من الغابة وتوجهت إلى أعماق القارة، فلا تقبل أي عرض منهم، حتى لو بدا مغريًا. هل فهمت؟"

كان "داركن" يستمع بتركيز، لكن التحذير فاجأه بعض الشيء. ومع ذلك، فهم الرسالة جيدًا، فأومأ برأسه تأكيدًا واستعدادًا لسماع المزيد.

حينها أكمل الملك قائلًا: "في النهاية، ها نحن ذا، الإيلف الشرقيون. كما ترى، لدينا شعر ذهبي يميل قليلًا إلى الفضي، وعيوننا أشبه بفراغ يشعّ وسطه نور خافت، يتشكّل منه البؤبؤ بشكل جميل."

ثم تابع بنبرة هادئة: "نحن لا نكره البشر إلى درجة الرغبة في قتلهم، لكننا حذرون فقط. لا نسعى لسفك الدماء، بل نهدف إلى السلام، قدر الإمكان."

أردف قائلًا: "أما عن بنيتنا الجسدية، فهي كما تعرف — رشيقون، ذوو قدرات حركية عالية. لكن طريقة استغلال هذه الميزة تختلف من مملكة لأخرى بين الإيلف."

ثم أضاف بصوت أكثر عمقًا: "وللعلم، استخدمت مصطلح 'مملكة' فقط لتوضيح الفكرة، أما الحقيقة... فهي أنه لا توجد مملكة موحّدة للإيلف. قبل أكثر من خمسمئة عام، كانت هناك مملكة عظيمة لنا، لكنها تقسمت بسبب النزاعات الداخلية بين العشائر والفروع. ونعم... قبل أن تسأل عن السحر، فهو موجود منذ عقود طويلة، بل قرون، لكن ما يذكره التاريخ هو فقط ما اكتشفه البشر لاحقًا."

كان "داركن" يتأمل كل كلمة نطق بها الملك، يستوعبها بسهولة. غير أن أكثر ما لفت انتباهه، هو أن الإيلف، رغم عراقتهم وتاريخهم، يملكون مشاكل داخلية مثلهم مثل البشر.

' هل الصراعات تحدث بسبب الاختلافات؟ أم أنها جزء لا يتجزأ من طبيعة المخلوقات نفسها؟ '

تنهد قليلًا، ثم قال باحترام وتقدير ظاهرين: "شكرًا لك أيها الملك... لأنك تفضّلت عليّ وأخبرتني بما جهلته. أنا أقدّر ذلك من أعماق قلبي."

ثم حنى رأسه انحناءة بسيطة — إشارة شكر ومحبة، كان قد رآها مرات عديدة في حياته كعبد، لكنها اليوم خرجت منه بإرادته الكاملة.

ابتسم الملك "توراس" لداركن، ووضع يده على كتفه بلطف. ثم تحدث بنبرة دافئة تحمل قليلًا من الحزم: "أنت فتى طيب فعلًا يا داركن. وأتمنى أن تبقى كذلك، مهما حدث، ومهما واجهت في حياتك. فالطيبة... عملة نادرة في هذا العالم، والكثيرون يبحثون عنها، أكثر مما تظن."

ثم أنزل يده، لكن ملامحه تغيرت قليلًا؛ شيء من الجدية والضيق ظهر في عينيه، وقال بنبرة أكثر حزمًا : "بشأن 'إيرل'... لدي ما يجب أن أخبرك به، يا فتى. وأتمنى... أن تكون تلك الكلمات التي نطقت بها في البلاط، كلمات ستتحمل مسؤوليتها حتى النهاية." ثم حرك عينيه ليلتقي بنظرة "داركن" مباشرة: "هل يمكنني الوثوق بك؟"

رد "داركن" بصوت واضح وثابت: "بالتأكيد، فقط أخبرني... ما الذي عليّ فعله؟"

وفور نطقه بهذه الجملة، ترددت الأفكار في رأسه كموجة بحرية عاتية: ' مساعدة ابنة هذا الملك الطيب... هو أقل ما يمكنني فعله لتكفير ما اقترفته يداي. '

' بهذا وحده... يمكنني التعويض . أن أقدم المساعدة للشخص الذي يستحقها فعلاً هذه المرة ... أنه اختياري، مسؤوليتي . '

وفي لحظة صامتة، عقد "داركن" حاجبيه بحزم، وظهر في عينيه التزام لا يتزعزع. لقد اتخذ القرار... ولا رجعة فيه .

2025/06/26 · 176 مشاهدة · 2278 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026