واديٌ مخفيّ بطريقة يصعب تفسيرها؛ فبمجرد دخول كهف معيّن، والسير فيه لمسافة محددة، يجد المرء نفسه في مكان أشبه بمدينة تحت الأرض. لكنّ الصادم في الأمر أن السماء كانت موجودة بالفعل، مما يُضفي شعورًا باللاارتياح والاستغراب. وهذا بالضبط ما شعر به داركن فور وصوله.
كان القائد توريل يسير في المقدمة، على جرف ضيق بعرض ثلاثة أمتار تقريبًا، متوجهًا نحو الأسفل. كما يبدو... عليهم التقدّم لمسافة معينة حتى يصلوا إلى مستوى تتواجد فيه بعض الذئاب الضارية، وذلك للحديث معها. ورغم أنهم كانوا قادرين على القفز بين الصخور لاختصار المسافة، إلا أنهم سلكوا الطريق الرسمي لسببين...
أولًا، لأنهم لا يرغبون في الظهور كدخلاء. وكما هو معروف عن الذئاب، فإنها تصبح شرسة تجاه أي غريب يقتحم القطيع. وهذا بالضبط ما لا يجب أن يحدث، تفاديًا لانهيار الثقة بين عِرق الإيلف وعرق الذئاب الضارية.
ثانيًا، لأنهم لا يثقون تمامًا بقدرات داركن البدنية. فرغم أنه أثبت تحمّله من خلال ركضه لمسافات طويلة دون أدنى تلميح للتعب، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتقييمه كعنصر موثوق. لذلك، اعتبروا الطريق المختصر غير عملي، خصوصًا أنهم برفقة شخص قد يكون مجرد عبء لا أكثر.
وأثناء سيرهم، ألقى داركن نظرة نحو جانبه الأيسر، محاولًا قراءة ملامح المكان قدر ما يستطيع. لكنه بدا مشوهًا نوعًا ما؛ فلا وجود لأي تنظيم واضح، وكأن الذئاب لا تؤمن بشيء اسمه "النظام". الأشجار شبه ميتة ومترامية الأطراف، والمنازل غير مرتبة، مصنوعة من الحجارة، وبدائية بشكل واضح. وعلى امتداد البصر، كانت آثار القتال ظاهرة في كل مكان.
' لا يمكنني تفسير أي شيء... هذا المكان فوضوي بشكل لا يُطاق! '
قال بانزعاج.
' في كل زاوية أنظر إليها، أجد مشهدًا مختلفًا... ولماذا يبدو هذا المكان كحفرة عملاقة؟ '
حينها، انحرف داركن عن المسار قليلاً، وقد لاحظته أدينيس، فتبعته بنظراتها. وما إن وصل إلى حافة الممر الضيق، حتى انكشفت أمامه صورة جعلته يتوقف عن التنفس للحظة.
أسفل الجرف، وعلى مدى البصر، كانت هناك حفرة عملاقة، لا تشبه واديًا ولا كهفًا، بل أشبه بمسرح حجري هائل، منحوت من قلب الجبال. من عمق الحفرة، انطلق سور حجري ضخم، امتدّ بشكل مقوّس وعريض، كقوس دفاعي مغروس في الصخر، بدأ من جدار شاهق في المؤخرة، ثم احتضن المنطقة بأكملها قبل أن يعود لنقطة انطلاقه ، للجدار نفسه من الجانب الأخر .
ذلك الجدار الخلفي و الشاهق ، الذي بدا وكأنه جزء من الجبل نفسه، كان يحمل في أحشائه مبنىً مهيبًا منحوتًا داخل الصخر. واجهته القاتمة لا تحمل زخارف أو أعلامًا، لكنها مشبعة بهيبة كافية لإسكات أي فكرة عن التسلل أو المواجهة. بوابة ضخمة تتوسّط البناء، لا يعلوها رمز ولا ينيرها وهج، بل كانت ساكنة... كفم لوحشٍ خامل، يكتم في جوفه ما لا يجب أن يُقال.
و أمام الحصن، فكانت مساحة فسيحة ومفتوحة، تغصّ بالصخور المتناثرة، وآثار الدمار، وأنقاض مباني قديمة تحطّمت بفعل شيء هائل . الخراب صارخ، والأجواء مشحونة، كما لو أن حربًا طاحنة قد اندلعت هنا منذ زمن... وها هي الأرض ما زالت تحتفظ بندوبها.
توهّج المشاعل من أطراف السور أنار المشهد بضوء مائل إلى الأحمر، تراقص على أطراف الجدران كأنّه ينذر بشيء قادم.
"هذا... غريب فعلاً." قال داركن، وعيناه تتنقّلان بين الجدران والمنحوتات والحطام، بنظرات مترددة بين الذهول والحذر.
"لا تسر على الحافة." سحبته أدينيس بعيدًا وقالت بهدوء حذر: "سنصل إلى ذلك المكان على أي حال، لذا كن صبورًا."
لم يرد داركن، بل التزم الصمت، غارقًا في التفكير بما رآه حتى الآن. ولسببٍ ما، شعر بأن في هذه الأرض شيئًا غير طبيعي... فالمناطق المهجورة والفوضوية بدت مأهولة سابقًا، لكنّهم الآن مجتمعون في ذاك المكان المحصّن بالجدران الصلبة ... غالباً .
استمرّ الرفاق في التقدّم، متجاوزين عددًا من العقبات والحجارة المتناثرة. وخلال سيره، لاحظ داركن خدوشًا وعلامات محفورة على الصخور، ويمكن تمييزها بوضوح على أنها تعود للذئاب ذاتها. ونظرًا لحجمها، تأكّد من أن ما قاله الحكيم لوبو كان صحيحًا: فهي بحجم لا يُقارن بالبشر أو الإيلف بأي شكل.
"اقتربنا من الحصن. علينا الإسراع، وإلا سنكون فريسته التالية. التواجد في مكان مفتوح في هذا الوقت يعتبر انتحاراً " قال القائد توريل بصوت حاسم فور اقترابهم من المكان.
"هاه؟" تفاجأ داركن، ثم سأل باستغراب: "ماذا تقصد بذلك؟ هل نحن ملاحَقون؟" التفت خلفه ليفحص محيطه بترقب.
"فقط أسرِع، ولا تتقاعس!" شدّد توريل في نبرته، ورفع من سرعة سيره.
لاحظ داركن التوتّر، كما لاحظ أن لارو وأدينيس كانا في حالة من القلق، بل ربما الخوف... وكأن شيئًا ما يتربّص بهم من بعيد.
تابع داركن السير، محافظًا على الوتيرة نفسها مع رفاقه ، حتى صدح صوت مدوٍّ في الأرجاء، هزّ المحيط بأكمله.صوت عواء ذئب قوي ومرعب... جعل قشعريرة تسري في عموده الفقري.
"اركضوا! إنه قادم!!" صرخ توريل بشكل مفاجئ وهو يندفع بسرعة نحو الحصن، وتحديدًا باتجاه بوابته.
لم يتحرك داركن بسرعة في البداية، بل حاول تحديد مصدر الصوت، لكنه لم يتمكن. فاضطر للركض خلف رفاقه، الذين اندفعوا كأن حياتهم على المحك، متجاوزين أي عقبة بخفة ورشاقة عالية . أما داركن، فقد اضطر إلى القفز فوق الصخور بدلاً من مراوغتها، وبدأ يشعر بالانزعاج من كثرتها في طريقه.
وأثناء الركض، شعر داركن وكأن الزمن قد توقف حوله.
التفت بعينيه نحو اليمين، ليجد أمامه تجسيدًا مرعبًا لمخلوق عملاق، يبلغ طوله قرابة الأربعة أمتار، ينقضّ عليه دون سابق إنذار.
"انتبه!" صرخت أدينيس بأعلى صوتها، حين رأت الوحش يهاجم داركن.
لكنه سبقها بالفعل؛ فقد قفز إلى الخلف، وتشقلب ببراعة، متفاديًا الهجوم . وحين نظر إليه بوضوح، تمكّن من تمييزه.
هيئة عملاقة مشوّهة، فرو سميك رمادي ملوث بالدماء، وعلى ظهره كتل هلامية ذات لون أرجواني مائل إلى الأحمر، تتحرك كما لو كانت كائنات حية. طفيليات؟ ربما... لكن داركن لم يجد وقتًا للتفكير.
فالمخلوق التفت إليه بنظرات شرسة، مملوءة بالرغبة في القتل والموت.
' هذا ذئب... ذئب ضاري بلا شك، لكن هناك شيء غريب بشأنه... '
عقد داركن حاجبيه، واستعد للحركة التالية.
' لماذا أشعر وكأن هذا الذئب... غير طبيعي؟ كأنه متوحش أكثر من اللازم؟ '
وفي اللحظة التالية، لمح داركن الذئب الضاري وهو يندفع نحوه، فبادر بالهرب، متجهًا نحو الحجارة المتناثرة، على أمل أن يفقد أثره . لكن الذئب، بطبيعته الوحشية، استمرّ بمطاردته وكأن الموت أهون عليه من أن تفلت فريسته من بين أنيابه.
"أيها البشري! ماذا تحاول أن تفعل بحق الجحيم؟!" صرخ توريل بعدما التفت لرؤية ما يحدث، إثر صرخة أدينيس.
ردّ عليه داركن من بعيد بصوت مرتفع أثناء محاولته النجاة: "خارج في نزهة مع هذا الجرو اللطيف كما ترى!" قالها بسخرية ممزوجة بالعصبية.
"تسك... لنكمل الركض نحو البوابة." قال توريل للارو وأدينيس، ثم وجه حديثه إلى داركن: "حاول اللحاق بنا!" وبدأوا بالركض.
"القول أسهل من الفعل! هذا اللعين يلعب بعنف!" صرخ داركن وهو يحاول النجاة بشق الأنفس.
كان الذئب الضاري خلفه كظلٍّ مطارد، لا يمنحه لحظة لالتقاط الأنفاس. في كل خطوة، كان يتفادى أنيابه، ويقفز عن الصخور المتناثرة، بينما الذئب يهجم بلا هوادة، يضرب الأرض بمخالبه الهائلة فتتناثر الحجارة من حوله. كل محاولة للهروب كانت تُقابل بهجوم مضاد، يجعل داركن مضطرًا للتراجع، ثم الانطلاق مجددًا نحو اتجاه مختلف.
مرة انقضّ الذئب من الأعلى، ومرة باغته من الجهة اليمنى، ومرات كثيرة كاد يُمسك به من الخلف، لولا سرعة ردّ فعل داركن التي أنقذته في آخر لحظة. لقد كانت مطاردة جنونية، سباق حياة أو موت لا مكان فيه للتردد. هدير الوحش وعواؤه المرعب كانا يملآن أذنيه، وكلما ظن أنه ابتعد، شعر بنفسه يعود نقطة الصفر.
وفي تلك الأثناء، وصل الثلاثة إلى البوابة، فوجدوها تفتح تلقائيًا أمامهم.
"ادخلوا بسرعة!" صدح صوت من خلف البوابة.
"لا يزال صديقنا في الخلف! ذاك الذئب يطارده!" صرخ لارو قبل أن يندفع، ثم وجه نداءه إلى داركن: "هيا تعال بسرعة!"
رأى داركن البوابة، وكانت المسافة بينه وبينها كبيرة، لكنها أمله الوحيد. كان الذئب لا يزال خلفه، يقترب مع كل قفزة. أدرك أن الهروب المباشر لن ينفع، ففكّر سريعًا، ثم خطّط.
أوقف اندفاعه فجأة، واستدار وركض في الاتجاه المعاكس، مستدرجًا الوحش بعيدًا. الذئب تبعه فورًا، غريزته تأمره بالالتهام. وما إن اطمأن داركن إلى بعده الكافي عن الحصن، حتى استدار بقفزة لولبية حادة، وانطلق كالسهم، مباشرة نحو البوابة.
الذئب زأر خلفه بقوة، والاهتزاز جعل الأرض تتشقق تحت قدميه. ومع ذلك، لم يتوقف. ركض بكل ما يملك من طاقة، وقلبه يكاد ينفجر من الضغط.
اقترب من حاجز صخري ضخم، فقفز عليه بكل قوته، وكانت تلك اللحظة التي سمع فيها صرخة أدينيس: "إنه خلفك!!"
التفت داركن في الهواء، ورأى الذئب يقفز أيضًا، فاهه المفتوح يلمع بأنيابه الحادة، وكأن الموت نفسه قادم لالتهامه. في لحظة خاطفة، جمع كل قواه في ساقه، وأدار جسده في حركة لولبية، ثم ركل الذئب بقوة مدمّرة على فكه السفلي.
" لقد سئمت منك! فقط أبقى على الأرض ، اللعنة!! " قال داركن .
صرخة الذئب ارتجّت في الوادي، وسقط على الصخور يتلوّى ألمًا. أما داركن، فقد هبط على الأرض وقد اعتصره الألم من ساقه، لكنه لم يتوقف، بل واصل الركض وهو يعرج، حتى عبر البوابة، لتُغلق خلفه بصوتٍ صخريٍّ ثقيل.
اتكأ داركن على الجدار الحجري، يلهث من شدة الإرهاق، ثم التفت نحو اليسار، فرأى ثلاثة رجال ذوي بنية جسدية مهيبة، طِوال القامة، سُمُر البشرة، ملامحهم صلبة، شعرهم أسود وكلٌ منهم يرتبه بأسلوب مختلف.
كان بجوارهم كل من لارو، وأدينيس، وتوريل.
لم يتعرّف داركن على الغرباء، لكن أعينهم فضحت طبيعتهم؛ كانت حادّة، أقرب إلى عيون الذئاب، وبعضهم يملك أنيابًا بارزة، وثلاثة خطوط نحيلة على كل خد. استنتج داركن أنهم الذئاب الضارية، رغم هيئاتهم البشرية.
لكن ما أربكه أكثر، هو نظراتهم... كانت مزيجًا من الدهشة والذهول، تمامًا مثل نظرات رفاقه. شعر بعدم الراحة، وبدأ يتساءل:
'أصدقكم القول؟ حتى أنا لا أعلم كيف فعلت ذلك... لكن لو قلتها، هل سيصدقون؟'
'اللعنة... الأهم أن هذا الجحيم انتهى. ربما... أو على الأغلب... لا أعلم.'
قطع عليه شروده اقتراب أحد الذئاب ذوي الهيئة البشرية منه، فاستعد داركن لأي طارئ.
"أُدعى لارفيو، قائد الصيد، والمسؤول الثاني بعد القائد لاركليز عن البوابة الرئيسية للوكر الحجري." قالها ومد يده نحوه. "هل لي أن أعرف اسمك، أيها... البشري الخارق؟"
في سؤاله الأخير لمحة من الحيرة.
تفاجأ داركن من ودّه المفاجئ، لكنه قرر الرد بحذر: "أُدعى داركن. فقط داركن حتى الآن." ومد يده للمصافحة، حينها أدرك ضخامة يد الذئب ذي الهيئة البشرية. لكنه ما لبث أن استوقفه أمر غريب:
'هل قال للتو... بشري خارق؟'
ابتسم لارفيو، ثم تراجع قليلًا وقال: "أنت شخص قوي فعلاً. لم أتوقع أن هناك بشريًا قادر على توجيه ضربة كهذه لذئب ضاري و هائج. نحن نحترم الأقوياء، وهذا ينطبق عليك."
رغم الثناء، شعر داركن بأن هناك شيئًا غير مريح. قبل لحظات فقط، كان هدفًا لمطاردة وحشية، والآن يُقابل بالاحترام؟
"أهلاً بكم في وادي الذئاب الضارية. لا أعلم ما هدفكم من القدوم، لكن بعد ما رأيته من لاركين ، سأعتبركم ضيوفًا لدينا." ثم التفت نحو توريل مبتسمًا: "مرت فترة طويلة، أليس كذلك؟ لا تزال كما أتذكرك."
ارتخى وجه توريل قليلًا، ورد بتردد: "نعم... لم أحضر في الزيارة الأخيرة مع الملك توراس لأني كنت مصابًا في قدمي... أعذرني."
"لا بأس. ها أنت هنا الآن، ومعك شخص مثير للاهتمام فعلًا. رغم أني لم أكن أعلم بوجود بشري معكم، لكن..."
ألقى نظرة جانبية حادة نحو داركن وأردف: "لو لم أرَ ما فعله قبل قليل، لكان أسلوبي مختلفًا تمامًا، وبطريقة لا تود رؤيتها يا صديقي القديم."
شعر داركن بأن المعنى عميق... ربما يقصد مطاردة مشابهة، لكن هذه المرة من ذئب واعٍ وليس وحشًا هائجًا.
رغم ذلك، بقيت الحيرة تسيطر عليه بشأن شكلهم البشري، ولم يستطع كبح سؤاله: "كيف يمكن للذئاب أن تتخذ شكل البشر؟ أوليس البشر مكروهين عندكم؟ وبالمناسبة... اسمي داركن، و ليس لاركين!"
ضحك لارفيو بصوت مرتفع، ثم أجاب: "إنها تعويذة نمتلكها منذ الأزل، تتيح لنا التحول إلى هيئة بشرية. وعلى الرغم من كرهنا للبشر، إلا أنهم يمتلكون بُنية جسدية مثالية، وهذا شيء لا ننكره."
وأضاف، باسطًا يديه: "نحن الذئاب نستطيع التبديل بين شكلنا الحقيقي وهيئتنا البشرية، لكن استخدام هذه القدرة محدود، لذا نخصصها فقط للحالات الخاصة: كالتواجد في الوادي، أو التسلل في مهمات هجومية. هناك أسباب أخرى... لكنك فهمت قصدي، صحيح؟"
"نعم... فهمت، بما يكفي لعدم التطفل على التفاصيل." قال داركن بنبرة متزنة، لكن عينيه لم تخفيا الشك والحذر. ثم انحنى قليلًا برأسه وأردف، بنبرة تحمل مزيجًا من السخرية والحدّة: "إذًا، رؤيتك لما فعلته مع الذئب الهائج... هذا ما جعلك تحترمني وتتراجع عن معاملتي كفريسة؟"
ضحك لارفيو، ضحكة عميقة خرجت من صدره كزئير مكتوم، ثم قال بابتسامة واسعة أظهرت صفين حادّين من الأنياب: "هذا صحيح!"
'على الأقل، حاول إنكار ذلك ولو بدافع اللباقة... أن كنت تملكها! '
فكّر داركن، عابسًا من الداخل وإن لم يظهر ذلك.
ما إن هدأ صوت ضحك لارفيو، حتى مدّ ذراعه مشيرًا إلى الذئبين الآخرين، اللذين كانا يراقبان بصمت: "هذان هما أريكي ومادلي. توأمان منذ الولادة، يختلفان فقط بتسريحة الشعر، كي لا يختلط علينا الأمر."
رفع أريكي يده ملوحًا، كان ذا شعر قصير تحته عصابة بيضاء، أما مادلي فكان شعره أطول، يربطه إلى الخلف بعصابة حمراء.
ألقيا التحية معًا بصوت موحد تقريبًا: "مرحبًا."
لم يمهلهما توريل كثيرًا، فقد تقدّم خطوة إلى الأمام، وجسده يشدّه القلق، ونبرته صارمة: "ليس لدينا وقت للمجاملات. لارفيو، صديقي... نحتاج إلى مقابلة السيد كازلير حالًا. هناك أمر عاجل لا يحتمل التأجيل."
في صوته تلك الجدية التي تدل على أن ما سيُقال يتجاوز المألوف. ارتفعت حواجب لارفيو قليلًا، ثم عقد ذراعيه على صدره، ونظر إلى توريل بنظرة متفحصة: "لماذا؟ المفاوضات الشهرية أُنجزت ، و الصفقة تمت ، فما الذي بقي لتناقشوه؟"
همّ لارو بالكلام، لكن داركن تقدّم فجأة، قاطعًا إياه بهدوء حازم: "أنا من جاء إلى هنا ... لديّ ما أقدمه. وأريد التفاوض مع الملك كازلير مباشرة. وأعتقد أنك، من وجهة نظرك، ترى أنني أستحق ذلك... أليس كذلك؟"
كانت نبرة داركن ثابتة، صلبة، كأنها سكين تُغرز في صمت اللحظة. نظر لارفيو نحوه دون أن يلتفت بالكامل، ثم، وعلى مهل، استدار نحوه، تلك الابتسامة الحادة لم تفارق وجهه:
"نعم... أنت مؤهل لذلك، يا لاركين."
وفي داخله، تردد صوت داخلي، كأنه اعتراف غير منطوق: 'هذا البشري... عليّ أن أعترف، إنه يعجبني حقًا. هناك شيء فيه، شيء لا يهتز!.'
بالنسبة لداركن، لم يكن الأمر انتصارًا بالمعنى التقليدي. لكنه شعر بأنه خطى خطوة كبيرة نحو هدفه، وإن كان ذلك نتيجة ظروف لم يخترها. المهم... أنه يقترب.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال بهدوء: "اسمي داركن، أيها المجنون... داركن، وليس لاركين."
بادل لارفيو ابتسامته، وأومأ برأسه قليلًا، ثم نظر إليه نظرة غريبة... مزيج من الاحترام، والفضول، وربما، لأول مرة... الاعتراف إتجاه بشري .