بنبرة صوت حازمة، تحدث داركن أمام الملك كازلير، ملك الذئاب الضارية وسيد القطيع في الوادي المدمر، وذلك وسط حضور كل من توريل، وأدينيس، ولارو، ولارفيو، إلى جانب أربع ذئاب حارسة تقف على الجانبين.

كان الجو مشحونًا بالترقب، بينما تأمل الملك كلمات داركن بعمق، بصمت الملوك الذين لا يتسرعون في إصدار الأحكام. أما الآخرون، فقد بدت عليهم ملامح القلق والتوتر، كأنهم ينتظرون قرارًا مصيريًا سيتحدد الآن.

وبالنسبة للذئب لارفيو، فقد ظهر التوتر واضحًا على ملامحه، إذ لم يكن يتوقع سماع مثل هذه الكلمات، ولا هذه الجرأة. أما ثلاثي الإيلف، فقد اختلفت ردود أفعالهم ، لارو، كان مبهورًا، يتأمل داركن بإعجاب كبير، وقد لفتته شخصيته القوية وأسلوبه المباشر.

' بحق الشجرة العظيمة... هل هناك بشر من أمثال هذا الشخص؟ هذا مذهل حقً! '

فكر لارو بإعجاب صامت، وعيناه تتابعان كل حركة لداركن.

أما أدينيس، فقد رمقته بنظرات حادة مليئة بالغضب والكراهية، لكن خلف هذا السطح العدائي، كان هناك احترام خفي لرغبته في مساعدة الأميرة إيرل، رغم أنه لا علاقة له بها. ومع ذلك، كانت تحمل له في أعماقها ذنبًا لم يُغفر... ذنب دفن المجرم كارل دون محاكمة.

توريل، من جهته، ظل صامتًا، لكن ملامحه كانت تنطق بالتأمل العميق، وكأن شيئًا ما قد تحرك بداخله مع سماع كلمات داركن. كانت تلك الكلمات عادية في ظاهرها، لكنها حملت معاني عميقة، تركت أثرًا ملموسًا، وإن لم يكن محسوسًا.

'هذا الأحمق...'

فكر توريل، لكن لم يكن الغضب دافعه، بل إحساس غريب، مألوف لديه، يُصعب وصفه.

' ينوي مواجهة ذلك الذئب الهائج وحده؟ إنه حقًا شخص... لا، إنه بالتأكيد أكبر من أن يوصف بتلك الأوصاف. من كنت أحاول خداعه أصلاً؟ '

' في النهاية... لا بد لي أن أقول كل شيء، أن يعرفوا الحقيقة كاملة. '

أغمض عينيه قليلاً، ثم فتحهما حين سمع صوت الملك.

الملك كازلير لم يرد فورًا. أخذ وقته في التفكير، متمعنًا في كلمات داركن، ومانحًا إياه لحظة من الصمت المهيب. داركن بدوره وقف بثبات وصبر، كأن الزمن لا يثقل عليه.

وفجأة، وقف الملك على قدميه فوق الصخرة التي تمثل عرشه، شامخًا بكل وقار وتبجيل، ثم خطا خطوة للأمام، ونزل عن الصخرة، ليصبح واقفًا وجهًا لوجه أمام داركن.

كان نزوله ثقيلًا، وكأن صخرة أخرى سقطت في المكان، إذ اهتزت الأرضية تحت وطأة قدمه، وهو يتقدم ليواجه داركن مباشرة. حينها، برز فرق الطول الواضح بينهما، ما اضطر داركن لرفع رأسه قليلًا حتى يتمكن من النظر في عيني الملك كازلير، اللتين بدتا حادتين كالسكاكين، نافذتين كأنهما تكشفان ما خلف القلوب.

"أيها البشري، لديك الشجاعة، أعترف بذلك." تحدث الملك بصوته العميق والخشن، قبل أن يكمل: "لكن، هل تملك القوة الكافية لتنفيذ كلامك؟ ذاك الذئب قوي. نجاتك منه لمرة واحدة لا تعني شيئًا، قد تكون مجرد حظ مبتدئ، كما يبدو أنك تعلم."

لم ينتظر داركن طويلًا. تحدث مباشرة، بمجرد أن انتهى الملك من كلماته: "هل تعتقد أني لا أعلم؟"

تفاجأ الملك قليلًا، فقد ارتفعت حاجباه كرد فعل غير معتاد منه، والأمر ذاته بدا على وجوه الحاضرين. نبرة داركن كانت مختلفة، تجمع بين الثقة والتردد، الحزم والتوتر... الأمر الذي ولّد مشاعر متناقضة في نفوسهم، كأن كلماته كانت تحمل معنى لا يفهمه سوى القلة.

"أدرك جيدًا أنه قوي وخطير. لقد رأيت الوحشية في عينيه... تلك الرغبة العارمة في القتل والافتراس، أنا أعرفها أكثر من أي أحد." قال داركن بنبرة ثقيلة، ثم صمت للحظة كأن لمحة من ماضيه عادت لتطفو على السطح .

قبل أن يكمل: "قد تعتبرني مجنونًا... أو حتى منافقًا، لكن هذا لا يهم. قراري واضح، ورغبتي لا يمكن أن تتغير. سأتعامل مع الذئب الهائج بأي وسيلة أملكها. بالمقابل، قدّم لنا دماءك لعلاج الأميرة إيرل. ما قولك؟"

لمح الملك في عيني داركن شرارة متقدة، مزيج من الحزم والثقة والرغبة الجامحة، وإرادة لا تظهر عليها أي بوادر تردد أو وهن. كان ذلك كافيًا لرسم ابتسامة صغيرة على وجهه المتحول، واقترب ببطء بوجهه من وجه داركن. ومع كل إنش يتقلص بينهما، بدأت ملامح كازلير تتغير تدريجيًا، لتأخذ هيئة شبه ذئبية، فيما ثبتت عيناه الحادتان والوحشيتان في عيني داركن، قبل أن يتحدث بنبرة عميقة ممزوجة بزمجرة خفيفة كالرعد الكامن: "لديك روح قوية، أعترف لك بذلك."

زفر بعدها ببطء وأكمل: "لك ذلك... سأمنحك دمائي لعلاج الأميرة إيرل، ابنة توراس... وفي المقابل، ستساعدنا على إصلاح وضع الوادي."

كانت كل كلمة تخرج بصوت خشن، يقطر بالحدة، وكأنها مزيج من الحديث والغريزة، زمجرة تشبه تلك التي تسبق الافتراس، إلا أن نبرة الفتك لم تكن حاضرة فعليًا. لم يكن تهديدًا، بل كان إحساسًا متناقضًا يصعب تفسيره.

تفاجأ داركن من هذا العرض، إذ لم يكن ذلك ما عرضه هو في بداية الصفقة، فسأل بتعجب واضح ونبرة مرتفعة:

> "ماذا تقصد بهذا؟ أساعدكم في إصلاح وضع الوادي؟ لقد أخبرتك أنني سأتكفل بالذئب الهائج، ماذا تريدون مني أكثر من ذلك؟ لا أملك الوقت لــ..."

لكن قبل أن يتم عبارته، قاطعه الملك بنبرة صارمة:

"استمع جيدًا، الذئب الهائج ليس مشكلتنا الوحيدة."

تراجع الملك بخطوة، ورفع وجهه نحو الأعلى قليلاً، كأنما يسترجع شيئًا ما، ثم أكمل:

"تلك الكائنات الهلامية السوداء، أو مهما يكن لونها، هي السبب في هيجانه. هي التي أفسدت عقولنا، وحوّلتنا إلى ما لا ينبغي أن نكون. لا بد من إزالتها من أرضنا. عندها فقط... قد تعود الأمور إلى ما كانت عليه."

ثم قال بصوت أكثر وضوحًا: "أراضينا... وادينا... غارق في الكآبة والذعر، مذ وطأت أقدام أولئك الغرباء أرضنا، وألقوا تعاويذهم الملعونة، ونحن نعيش في حزنٍ وخمول لا يُحتمل. المطلوب منك واضح — تتصدى للذئب الهائج، بينما يتكفّل أبناء الوادي، بمساعدة الإيلف، بإزالة آثار التعاويذ. ما رأيك؟"

في النهاية، وجّه سؤاله الأخير نحو داركن، بصوت هادئ نسبيًا، لكنه لا يزال محاطًا بهيبة لا تُخطئها العين.

احتاج داركن للحظات كي يستوعب ما قيل. ولدى عودته بذاكرته قليلاً إلى الوراء، وتحديدًا إلى تصرفات الذئاب الغريبة، والتي بدت مناقضة تمامًا لطبيعتهم، بدأ يجد في كلام الملك منطقًا حقيقيًا. صحيح أنه لا يعرف من هم أولئك الغرباء، ولا ما الذي سعوا إليه بتلك التعويذات، لكن الصورة باتت أوضح، والموقف أكثر تعقيدًا مما كان يتصور.

"حسنًا، اتفقنا." قالها داركن بنبرة حاسمة، ثم أضاف: "لكنني بحاجة للمزيد من التفاصيل حول ما سيقوم به الآخرون أثناء انشغالي بذلك الذئب المشاكس."

"سيتولى لارفيو إخبارك بكل ما تحتاج معرفته."

أجابه الملك، ثم أردف دون أن ينظر إليه: "أما الآن، فاذهب لتستعد... لا وقت لدينا للراحة، وأعتقد أنك أكثر من يعلم ذلك."

ثم التفت الملك وأدار ظهره، دون انتظار رد.

داركن لم يُجب. فقط التفت نحو رفاقه، وتحرّك مغادرًا بخطى هادئة، بالتزامن مع تحرك لارفيو الذي سار إلى جانبه. وما هي إلا لحظات حتى غادر الجميع، ولم يبق في المكان سوى الملك وأربعة من حراسه المخلصين.

ساد الصمت، تتخلله فقط فرقعات نيران المشاعل المشتعلة عند جدران الوكر. وبعد دقائق، التفت الملك ببطء، ناظرًا إلى الطريق الذي غادر منه داركن ومن معه، وقال بصوت منخفض، يحمل داخله ثقلًا عاطفيًا نادرًا:

"تريد التعامل مع الذئب الهائج؟ حسنًا..." تمتم، ثم أكمل بهمس أشبه بالاعتراف: "لا أتوقع أن توقفه... أو حتى تصمد أمامه. لكن إن حدث... إن كنت تملك ما يكفي من القوة..."

ثم خفض رأسه وهمس بصوت بالكاد يُسمع: "فعندها فقط... سأجهز نفسي."

"...أجهز نفسي للشيء الذي لطالما تمنّيت أن لا يأتي يومه..."

في هذه الأثناء، كان داركن ورفاقه قد غادروا وكر ملك الذئاب، وعادوا إلى ساحة الحصن. وهناك، كان داركن في حالة من التركيز الحاد، يغوص داخل ذكرياته الأخيرة، يسترجع كل تفصيلة من مواجهته السابقة مع الذئب الهائج، يحلل ويستنتج، باحثًا عن سبيل للفوز.

"ذاك الذئب سريع، وصلب بشكل لا يُصدق... حتى بعد أن ركلت فكه بكل قوتي، شعرت وكأن قدمي كلها قد اهتزت... أعتقد أنني كنت محظوظًا لأنها لم تنكسر جرّاء ذلك."

فكر داركن بعمق شديد. لم تكن مواجهة عادية، ولم يكن خصمه خصمًا تقليديًا.

"لكن ذلك لا يكفي... يجب أن أجد طريقة لهزيمته. بإمكانياتي الحالية، لا أستطيع حتى هزيمة لارفيو وهو بهيئته شبه البشرية، فكيف أواجه ذئبًا مكتمل الهيئة... وهائجًا؟"

تنهد داركن بعمق، وساد الصمت داخله، حتى من أفكاره... لكن فجأة، صدحت فكرة في رأسه، حادة كالسيف.

قتل.

توقّف لوهلة، متفاجئًا... كان صوتًا داخل رأسه، واضحًا، صارخًا، يقول كلمة واحدة فقط.

قتل.

عليك بالقتل.

ترددت الكلمة مجددًا، لكن هذه المرة كانت مختلفة... لم تكن فكرة مجردة. كان صوتًا، صارخًا، غريبًا... وكأنه لا ينبع من داخله، بل يتسرب إلى روحه من مصدر آخر.

بدأ داركن يشعر بتأثيرها، واقعيًا، حقيقيًا. فجأة، أمسك رأسه، كأن ألمًا حادًا يخترقه، ما جعل من حوله يلتفتون إليه بقلق، وقد لفت أنظار الجميع دون قصد.

"ما خطبك يا لاركين؟ هل يؤلمك رأسك الآن أم ماذا؟"

سأل لارفيو بعد أن توقف عن السير، وقد ثبت نظراته على داركن، يحدّق فيه بتمعنٍ واهتمام.

"أُدعى داركن." أجاب داركن بنبرة غير مستقرة، ثم تابع: "ولا... لا أعتقد أن رأسي يؤلمني، على الأقل ليس بشكل واضح. فقط... أشعر وكأن هناك شيئًا ما يتحرك في داخله، شيء لا يمكنني تفسيره."

كانت نبرته تحمل مزيجًا من القلق والاضطراب، وكأن أفكاره تشتبك في رأسه بلا ترتيب. في تلك اللحظة، رمقت أدينيس داركن بنظرة خاطفة، لكنها كانت كافية لإثارة الدهشة على وجهها، وكأنها لمحَت شيئًا غير طبيعي في ملامحه .

"ما خطب عينيك؟" سألت أدينيس فجأة، بنبرة حذرة.

أجابها داركن، وقد بدا عليه الاستغراب الشديد: "عيني؟ ما بهما؟ أرى بهما بشكل طبيعي تمامًا، هل هناك ما يبدو غريبًا؟" كانت نبرته محمّلة بشيء خفي... ربما شيء أشبه بالعدائية.

"لا أدري تمامًا..." ردّت أدينيس، لا تزال نظراتها مشوشة ومتحيرة: "لكن بدا لي للحظة أن لون عينيك قد تغيّر... كأنهما عادتا إلى لونهما الطبيعي. هذا ما رأيته على الأقل."

"ماذا تقصدين يا أدينيس؟" سأل توريل، وقد بدأ يشعر بعدم ارتياح من هذا الحديث المتصاعد.

"حسنًا... كما لو أن عينيه تخللهما شيء من اللون الأحمر فجأة، ثم عادتا إلى اللون الذهبي كما كانتا." قالت أدينيس، محاولة وصف ما رأته، لكنها لم تكن واثقة تمامًا من تفاصيله.

"تقصدين بؤبؤ العين؟" سأل لارو، يحاول ربط الأمر بتفسير منطقي.

"نعم، بؤبؤ عينه تحديدًا... تغيّر للحظة إلى الأحمر، ثم عاد للذهبي كما كان. لا أعلم كيف ولماذا، لكن هذا صراحةً... مخيف نوعًا ما."

في تلك اللحظة، أدرك داركن شيئًا نسيه منذ أن وطأت قدماه قارة أندراستِس...رغم افتتانه بجسده الجديد، وقدرته الفريدة على الوصول إلى المعلومات بإغلاق وفتح عينيه، ورشاقته البدنية الغريبة — إلا أن أمرًا بسيطًا قد غفل عنه: عينيه.

كان يذكر جيدًا أنه في حياته السابقة كعبد ، كانت عيونه بلون الأحمر كالدم حين تلامسه أشعة الشمس. أما الآن؟ أصبحت ذهبية؟ الأمر لم يعد واضحًا بالنسبة له... لا شيء في هذا الجسد يبدو كما كان ، حتى أنه قد تملكته رغبة في رؤية نفسه بمرآة.

وما زاد الأمر غموضًا، هو ما ذكرته أدينيس عن تغير لون بؤبؤه، بالتزامن مع تلك الأفكار الغريبة والصوت الذي اخترق رأسه، وكأنه صادر من شخص آخر يتحدث بداخله.

مسح داركن على وجهه براحة يده، يحاول استجماع نفسه، ثم تحدث بحزم: "دعونا نركّز على ما هو مهم الآن."

رفع بصره نحو لارفيو وقال: "أخبرني بكل ما تعرفه... أي شيء قد يكون مفيدًا. نقطة ضعف؟ حيلة؟ سمة خاصة بعرق الذئاب الضارية؟ أي شيء قد يساعدني." بدا إلحاحه واضحًا، وهو أمر طبيعي لشخص يستعد لخوض أول قتالٍ حقيقي في حياته.

أخذ لارفيو بضع ثوانٍ للتفكير، ثم أجاب بصوت هادئ لكن حازم: "لا يمكنني أن أُخبرك بنقطة ضعفنا. لست موثوقًا بعد، وأي كشف كهذا، خصوصًا أمام أبناء أراضي الإيلف الذين لا يعرفون نقاط ضعفنا، قد يجعلنا فريسة سهلة في أي وقت."

ثم تابع وهو يعقد ذراعيه على صدره: "لكن إن كنت تبحث عن بعض المعلومات المفيدة، فإليك ما يمكنني قوله ... "

" أولا: ذلك الذئب... سريع بشكل مدهش، وذو ردود فعل لا يُستهان بها. هذا أمر طبيعي بالنسبة لعرقنا، لذا لا تسمح لنفسك بأن تُشتّت، وإلا فستتعرض للقضم قبل أن تدرك ما حدث."

"ثانيًا: في هيئة الذئب الكاملة، جلدنا يصبح صلبًا جدًا، ولهذا لا توجه ضربات عشوائية، لأنك حينها لن تُلحق ضررًا، بل قد تُكسر عظامك، وتتحوّل إلى وجبة سهلة."

"وأخيرًا: لا تُفكّر بالاختباء خلف الصخور أو أي عوائق أخرى. حاسة الشم لدينا أقوى مما تتخيل، ويمكننا تحديد موقع فريستنا بدقة، وحين نقرر الانقضاض... نصبح صامتين كالصياد المتمرّس." ثم أكمل بابتسامة باهتة: "وهذه ليست نقطة ضعف، فلا تتحمّس كثيرًا."

استوعب داركن كل كلمة، يفكّر في جدواها، يحللها باحثًا عن أي خيط يُمكن أن يقوده نحو النصر. لكنها كانت مجرد توجيهات عامة، لا شيء منها يفتح له بابًا فعليًا نحو الهزيمة المتوقعة لذلك الذئب.

"وماذا عن تلك التعويذة؟" سأل داركن، وقد عاد عقله إلى جوهر الخطة. "كيف ستتخلصون منها؟ نفترض أنكم وجدتم بقاياها... فإذا كان ذلك الذئب قد لمسها وأصبح كما هو عليه الآن، فهل تظنون أن أيًّا منكم إن لمسها لن ينتهي به المطاف مثله؟"

ثم التفت إلى لارفيو مجددًا، وقد تلوّن صوته بشيء من الانزعاج: "كيف ستفعلون ذلك بالضبط؟ لا أريد أن أُقاتل وحشًا هائجًا في معركة حياة أو موت، فقط لتغطيتكم، ثم ينتهي بي الأمر في مواجهة أنتم أيضاً."

كانت نبرته عصبية على نحو ملحوظ، وقد بثّت توترًا في صفوف الإيلف الثلاثة، الذين شعروا بقلق غامض منه. ثبت لارفيو نظره في وجه داركن، وكأنه يدرسه بدقة، يقرأ كل تعبير وكل نبرة...ثم أجاب بصوت جاد: "ببساطة... سنستخدم تعويذة مضادة."

"تعويذة مضادة؟!" صرخت أدينيس بدهشة.

"من أين حصلتم عليها؟" سأل لارو بفضول ملتهب.

أجاب لارفيو بنبرة جدية تليق بثقل كلماته: "جاء إلينا شخص غريب، في الأسابيع الأولى بعد ما حدث... صنع لنا تعاويذ كثيرة، منها واحدة مضادة. لم يخبرنا من يكون، ولم يطلب شيئًا... سوى أمر واحد فقط في حال نجحت التعويذة."

"وما هو؟" سألت أدينيس، وقد اشتد فضولها.

فرد لارفيو قائلاً : "طلب منا أن نمجّد من يقف هناك... في ذلك المكان. أن نعيده إلى حيث ينتمي، ليُنشر ما يجب نشره... لأنه السبيل الوحيد للثبات." ثم أوضح بصوتٍ أكثر هدوءًا: "لكن قولي لهذا الآن لا يعني شيئًا، لأنه يجب على الملك كازلير أن ينطق به شخصيًا. هذا كان شرط ذلك الغريب."

غموض، يتبعه غموض... وتعقيد يعقبه تعقيد. هذا ما كانت تتجه إليه الأمور، حتى إن داركن بدأ يشعر بالانزعاج حقيقي، وكأن كل خطوة تقوده نحو مزيد من الصعوبة او ما يشبه الجدار ، دون أن تتوفر حتى خيوط واضحة تقوده للحل.

' من يكون هذا الغريب الذي قدّم لهم التعويذة المضادة؟ '

' ألا يبدو أمره مريبًا بعض الشيء؟... لكن، لحظة... انتظر...'

' تبًّا! رأسي! يؤلمني رأسي! لكن... لماذا لا أشعر بالألم؟ وكأن رأسي يؤلمني... دون أن يؤلمني؟ ما الذي يجري بحق الجحيم؟ '

أفكار داركن تحولت إلى فوضى حقيقية للحظة. شيء ما... شوش ذهنه. لكن الغريب في الأمر، أنه رغم شعوره بالألم، لم يبدُ على ملامحه أي انزعاج. وكأن الألم... وهمي؟ أو حقيقي وغير محسوس في آنٍ معًا.

"قتل... عليّ بالقتل فقط..." همس داركن بهذه الكلمات، بصوت خافت بالكاد يُسمع.

"ماذا؟ هل قلت شيئًا؟" سأل لارفيو مستغربًا، إذ لم يسمع ما قاله داركن بوضوح.

"هاه؟ كلا، لم أقل شيئًا."

ثم فكر داركن في نفسه ' أشعر أنني قلت شيئًا... لكن ما هو بالضبط؟ اللعنة... ما كل هذا فجأة؟ '

وبدون أي حديث إضافي، واصل الرفاق سيرهم حتى وصلوا إلى البوابة الحجرية ذاتها التي دخلوا منها سابقًا إلى الحصن، حيث كان كل من أريكي ومادلي يحرسانها بصمت.

"حسنًا، بما أننا قضينا وقتًا في الحديث والسير، فسنبدأ المهمة من هنا مباشرة." قالها لارفيو بنبرة حازمة، قبل أن يتابع: "للأسف، لا نملك أي أسلحة قد تفيدك في هذا القتال، لذا يجب أن تتجنب الاشتباك المباشر قدر الإمكان، يا لاركين." وأشار بأصبعه نحو داركن وهو يقدّم له التعليمات.

"اسمي داركن. ثم كيف تريدني أن أتجنب المواجهة المباشرة معه؟ هذا أمر شبه محتوم، وقد يحدث فور خروجي حتى!" رد داركن، معارضًا كلام لارفيو بنبرة تحمل اعتراضًا منطقيًا.

حينها تقدّمت نحوه أدينيس، ومدّت يدها التي كانت تمسك سكينًا متوسطة الحجم، مقبضها من الخشب البني الداكن، ومسنونة من جهة واحدة فقط.

قالت وهي تقدمها له: "هذه السكين قدّمتها لي إيرل كهدية... إنها عزيزة عليّ. لكن بما أننا بحاجة لفعل ما يلزم لمساعدتها، فأنا مستعدة للتخلي عنها من أجلها." ثم وضعتها في يد داركن بإحكام.

وأضافت: "أعلم أن هذا غير ممكن، لكن حاول ألا تكسرها... رغم أنني أشك بإمكانية تجنّب ذلك."

ثم تابعت، بصوت يحمل مزيجًا من الغضب والانفعال: "أنا لا أثق بك، بل وأكرهك لأنك دفنت ذلك اللعين الذي تسبب في كل ما نعيشه الآن. لكن، ورغم هذا... أتمنى لك حظًا موفقًا. أتمنى أن تنجح في التصدي لذلك الذئب الهائج، حتى نتمكن نحن من مساعدة الذئاب، وبالتالي نكسب دماء الملك."

ثم ابتعدت عنه قليلاً، وأضافت بصوت حازم وقد اغرورقت مشاعرها في الكلمات: "وعليك أن تبقى حيًا... حتى تعتذر لإيرل، لأنها تستحق ذلك ، خصوصاً بعد تقديم احترامك لمن تسبب في أذيتها... فهمت؟"

استمع داركن لكل ما قالته بدقة، ولم يرد حتى انتهت من كلماتها الأخيرة. قبض على السكين بيده اليسرى، ثم نظر نحوها وقال بنبرة جادة: "أجل، فهمت."

ثم أضاف بصوتٍ منخفض لكن حازم: "ولا أخطط للموت الآن، فهناك شيء يجب أن أتعامل معه... أو بتعبير أدق، شخص معين."

وفي ذهنه، برزت صورة جابيلين بوضوح. نظراته امتلأت بالحقد تجاهه، بينما جسده تشحَن بالعزم إزاء الموقف القادم. ثم تقدّم إلى وسط البوابة الحجرية، وتلفّت حوله، ثم قال بصوت صارم: "افتحوا لي البوابة... حان وقت اللعب مع ذلك الجرو المشاكس."

عندها، أومأ لارفيو برأسه إلى أريكي ومادلي، فتحرّك الاثنان فورًا لفتح البوابة، دافعينها بالأيدي، بينما كان داركن يعدّ الثواني في رأسه قبل الانطلاق. لقد بدأ الآن الفصل الأول من مهمة الإلهاء... ومعها، محاولة النجاة. وفي الوقت ذاته، كان الملك توراس يتحرّك هو الآخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تنسو متابعة رواية " Breakism " و التي هي رواية تعاونية بيني و بين مؤلف رواية " Dragon Son Arise "

Aeryx Erython

ان شاء الله تعجبكم .

و شكراً على المشاهدة 🌷

2025/07/10 · 184 مشاهدة · 2720 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026