في أراضي الإيلف، سادت أجواء منقسمة بين التوتر والهدوء المريب. البعض كان غارقًا في التفكير بمصير الأميرة إيرل، يعتصره الخوف من احتمال فقدانها، بينما بقي آخرون صامتين، لم يُبدوا أي ردة فعل تُذكر. هذا الصمت، على هدوئه، كان سببًا في بعض الخلافات الطفيفة، لكنها لم تكن ذات شأن كبير يستدعي تدخّل الملك أو حرّاسه الشخصيين.
وفي القسم الثاني من الأراضي، وتحديدًا بمحاذاة مكان يُعرف باسم "حديقة الزهور الحيّة"، كان هناك أربعة من ذكور الإيلف يتخذون موضعًا هادئًا تحت ظل الأشجار المزهرة. أحدهم، بشعر فضي مربوط من الخلف، ينفخ في مزمار خشبي مُتقن الصنع، محفور بعناية على أطرافه نقوش قديمة تحكي عن الطبيعة والحياة. تنساب من المزمار أنغام ناعمة، عذبة، تتسلل إلى الأرواح وتغسلها من همومها.
أما الثلاثة الآخرون، فكانوا يجلسون على صخور مستوية الشكل، مرتّبة كأن الطبيعة نفسها أعدّتها لهذا الغرض . أحدهم، بشعر أشقر طويل يلمع تحت أشعة الشمس، كان يلوّح بسكين صغيرة بيده وهو يبتسم قائلاً: "ليبو~ أنت حقًا تُجيد العزف على المزمار، هذه الألحان... مذهلة، تبعث في النفس راحة يصعب وصفها."
ابتسم ليبو بخجل وردّ وهو يحكّ مؤخرة رأسه: "شكرًا يا رَڤار، لقد قضيت وقتًا طويلاً في التدريب... العزف شيء لطالما أحببته. يسعدني أن مجهودي لم يذهب هباءً."
كان ليبو ورفيقه رَڤار متقاربين في المظهر، فهما أبناء عمومة. ورغم التشابه الشائع في ملامح الإيلف، إلا أن من يعرفهم عن قرب يستطيع تمييز التفاصيل الدقيقة في ملامحهم. لكن، بالنسبة لغريب يراهم لأول مرة، فالتمييز بينهم قد يكون أقرب للمستحيل.
أما الإيلفان الآخران، فكانا يجلسان بهدوء وهما ينظفان نصال سيوفهما بتركيز. بدا عليهما النضج والاتزان؛ تصرّفاتهما رزينة، ونظراتهما هادئة، إلا أن إنصاتهما لألحان ليبو كشف عن تقدير دفين لجمال ما يسمعان.
"آرشر... تبدو هادئًا على غير العادة اليوم." قال ليبو بتردّد، وكأنه يُحاول كسر ذلك الصمت المحيط بهم.
رفع الإيلف المُسمى آرشر رأسه قليلًا، لتظهر الندبة الصغيرة على خده الأيمن، وقال بابتسامة خفيفة: "وهل اعتدت رؤيتي كثير الكلام يا ليبو؟"
ابتسم ليبو بدوره، وردّ بسرعة: "لا، أعني... كنت تتحدث ولو ببضع كلمات من قبل. لكن اليوم... تبدو أكثر صمتًا من المعتاد. والأمر ذاته معك، يا آرلدير. في الآونة الأخيرة، بات صمتك أكثر عمقًا."
عندها التفت كل من رَڤار وآرشر باتجاه آرلدير، الإيلف الذي كان حضوره مختلفًا، وكأن حوله هالة خفية من السكينة. كان يجلس بهدوء، قميصه الأبيض البسيط يتناقض مع أناقة ملابس الإيلف المعتادة، وسرواله التقليدي يكمّل مظهره المتواضع. رغم بساطة هيئته، كانت ملامحه وسيمة بصورة لافتة، كأنما صُنعت لتكون جزءًا من لوحة خيالية متقنة التفاصيل.
كان يُمسك نصله الطويل والنحيل بين يديه، يُمرّر عليه قطعة قطنية زهريّة اللون، اقتطفها من الزهور القريبة في الحديقة. لم يرفع رأسه حين التُفت إليه، ولم يُظهر أيّ ردة فعل. فقط ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه، كأنّه لا يحمل أيّ همّ، ولا يعبأ بما يدور حوله.
"أممم... آرلدير؟ هل تسمعني؟" قال ليبو بنبرة أكثر وضوحًا، دون أن تُفقده احترامه المعتاد.
حينها فقط، رفع أرلدير رأسه ببطء، وعيناه تتلاقيان بنظرة ليبو، ثم أجابه بنبرة هادئة طيبة، تنم عن رقيّ خالص:
"أعتذر... كنتُ مركزًا على سيفي. ماذا كنت تقول مجددًا؟"
تردّد ليبو قليلاً، لكنه سرعان ما جمع شتات نفسه وقال:
"في الواقع، كنتُ أسألك عن سبب صمتك هذا. فأنت في العادة تتحدث، وغالبًا ما تبدأ بالغناء عندما أعزف... لكنك اليوم تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد."
تأمل أرلدير كلمات ليبو بصمت، وملامحه لم تفارقها السكينة العميقة. ثم، وبعد لحظات من التفكير، قال بصوت يحمل نبرة دفينة من الحزن:"هل كان ذلك واضحًا إلى هذه الدرجة؟"
ضحك بعدها ضحكة خافتة، وأضاف: "في الحقيقة، ما بلغني من أخبار حول ما حدث للأميرة إيرل... آلمني بشدة."
تدخل رڤار بفضول خافت، قائلاً: "لكن... لا تظهر عليك ملامح الحزن، يا أرلدير."
أرلدير، دون أن يتخلى عن هدوئه، رفع قطعة القطن الزهرية التي كان يمسح بها نصله، وحدّق في حد السيف وهو يتحدث بنبرة جادّة، لكنها لا تخلو من دفء العارف بمسؤولياته:
"أنا من أبرز مقاتلي هذه الأرض، ولي مكانتي التي تفرض عليّ ضبط انفعالاتي. إظهار الضعف لا يليق بمن هو مرشح لقيادة الحماة، ولا يتناسب مع من يفترض به أن يكون الدرع الذي يحمي هذه المملكة. إنها مسؤولية، يا ليبو... أن أبقى صامدًا وقويًا في وجه المصائب. فلو انحنيتُ مرة، ربما سأعتاد الانحناء... وهذا ليس خيارًا لمن هو مثلي."
كان ذلك هو حال أرلدير، ابن سوفريك تامريول، الابن البكر لعائلة تامريول العريقة. وهي واحدة من ثلاث عائلات عظيمة تحكم أراضي الإيلف من خلف الكواليس، وتحمل شرف حماية المملكة منذ قرون.
تحتل عائلة تامريول المرتبة الثانية من حيث النفوذ، وتُعرف بأنها درع المملكة، الحماة الصامتون لما هو مقدّس. إلى جانبها تقف عائلة أوربيل، والتي تمتاز بإرثها العلاجي العميق، فهم سادة الجرعات والأعشاب والسحر الشافي، ومن نسلها خرج الحكيم الشهير لوبو أوربيل، المعروف بلقب "لوبو بن أربيس".
أما العائلة الثالثة، فهي عائلة أزباريل، العائلة الحاكمة التي يقودها الملك توراس، ملك الإيلف الشرقيين وسيدهم المطلق. وقد نذرت كل من تامريول وأوربيل ولاءها الكامل لتاج أزباريل، في انسجام نادر بين السيف والعقل والعلاج.
في قلب هذا النسيج المعقّد من الولاءات والمصالح، كان أرلدير هو الوريث الأول لعائلة تامريول، الخليفة المنتظر لوالده سوفريك، الذي خدم عائلة أزباريل لأكثر من سبعين عامًا.
ولم يكن أرلدير يحظى باحترام النخبة فقط، بل كان أيضًا محطّ أنظار الكثير من العامة، يملك معجبين كثر، وثقة الملك توراس نفسه، الذي اعتبره الرجل الثاني بعد والده في مسائل الأمن والدفاع.
"إذن، يا أرلدير..." بادر رڤار بالحديث، ونظراته تحمل مزيجًا من الفضول والقلق: "ما رأيك بما حدث للأميرة إيرل؟ وهل تعتقد أن الملك كان... متساهلًا مع ذلك الشخص المدعو داركن؟ لا أذكر اسمه جيدًا..."
أرلدير لم يرد فورًا، بل رفع سيفه ببطء نحو السماء، انعكست على نصله أشعة الشمس المتسللة من بين أوراق الأشجار، ثم قال بنبرة ثابتة: "بالتأكيد، صُدمتُ لما حدث. الأميرة إيرل لا تستحق ما جرى لها، بأي حال. وشعرت بالغضب، بل الغضب الشديد حين علمت بالأمر. لكنني في الوقت ذاته، واثق بأن الملك توراس لا يتخذ قراراته عبثًا... وإذا طُلب مني أن أساهم في القبض على الجاني الحقيقي، فسأكون أول من يتحرّك."
رغم جديّة كلماته، ظل صوته محافظًا على دفئه الخاص، مما جعل الحاضرين يشعرون بهيبة حديثه، وصدق مشاعره، وإخلاصه الذي لا يضاهى. كان في أرلدير نُبل لا يُعلّم، وولاء فطري يليق بابن سوفريك.
حينها، لم يتمالك ليبو نفسه من التعبير عن إعجابه، فقفز بالكلام كطفل بريء: "أنت مذهل حقًا يا أرلدير! فحتى بعد أن رفضتك الأميرة للزواج، لا زلت تحترمها وكأن شيئًا لم يحدث!"
سقطت الكلمات ثقيلة، ليس على أرلدير، بل على رڤار وآرشر، اللذين اتسعت أعينهما قليلًا، وكأن ليبو ارتكب زلّة ما كان عليه أن يرتكبها. تبادل الاثنان نظرات خاطفة، ثم سرعان ما التفتا نحو أرلدير مترقّبين رد فعله.
لكن أرلدير، وكأنه لم يسمع شيئًا، ظل يبتسم بهدوء، لا غضب، لا امتعاض... مجرّد سلام نادر على وجهه. وبعد لحظة صمت قصيرة، سأل ليبو، مترددًا: "أممم... هل قلت شيئًا خاطئًا؟"
أرشر، وقد بدت عليه علامات التوتر، حاول التدخل: "أ... أسمع يا ليبو، الحديث عن هذا الأمر... حساس قليلاً. يُفضّل أن تتجنب الحديث عنه بتلك الطريقة–"
لكنه صمت حين رفع أرلدير يده بخفة، في إشارة لتهدئة الموقف. ثم قال، دون أن تمحى ابتسامته: "أعلم... الرفض أمر موجع، نعم، لكنه لا يبرّر الحقد أو الضغينة. ذلك لم يكن نهاية الطريق."
نهض بعدها من على الصخرة، وخطى خطوات هادئة بالكاد تُسمع، ثم تابع كلامه بصوت يشبه النصح، لا الخطابة: "الأحقاد كالحطب، كلما زادت، تضاعفت النيران... وتلك النيران تأكلنا من الداخل حتى لا تترك فينا إلا الرماد. أنا لا أكره إيرل، بل ما زلت أحبها. وبالنسبة لي، لا يزال هناك وقت... لا يزال لديّ فرصة لأثبت لها أنني رجل يستحق مكانًا في قلبها."
كلماته، على بساطتها، حملت عمقًا أثر في نفس ليبو، وجعلته ينظر إليه بعينين واسعتين، فيهما احترام شديد وفخر لا يوصف.
لكن قبل أن ينطق ليبو بأي كلمة، اخترق صوتٌ أنثوي المشهد، جاء من خلفهم، وقطع سلسلة أفكاره كالسيف: "أرلدير، ماذا تفعل هنا؟"
التفت ليبو على الفور، والشيء نفسه فعله كل من رڤار وآرشر.
وهناك، تحت ظلال الأشجار المتمايلة، ظهرت أمامهم... تلك الإيلف ذات المظهر الآسر، قوامها الممشوق، ووجهها الهادئ المتزن، تشعّ حضورًا لا يقلّ سحرًا عن الأميرة إيرل نفسها.
كانت أريا، أخت أرلدير الكبرى، وابنة سوفريك تامريول... المرأة التي لا تقل شأنًا عن الأميرات.
"من الجميل رؤيتك هنا يا أختاه، هل هناك أمر تحتاجينني فيه؟" تحدث أرلدير بنبرة أخوية دافئة، وهو يخطو نحو أخته أريا التي اقتربت بخطى واثقة.
نظر إليها ليبو بإعجابٍ ظاهر، مأخوذًا بجمالها اللافت. كانت من النوع الذي لا يحتاج للكلمات لتُلفت النظر، فحضورها وحده كافٍ لخطف الأنظار، حتى في مملكة تعجّ بالجميلات.
فكر في نفسه : ' إنها مذهلة فعلًا... لا عجب أن أرلدير مميز، فلديه أخت كهذه.'
أما آرشر، فقد بدا غير مبالٍ لوجودها. كان متزوجًا منذ سنوات، وفي تلك اللحظة، تذكر زوجته وابتسم بصمت. دار في خلده
' الآنسة أريا جذابة، نعم... لكنها لا تقارن بزوجتي.'
لم يكن قوله مجرد ولاء، بل يقين نابع من محبة راسخة.
على النقيض من ذلك، كان رڤار متوترًا إلى حدٍ كبير، خاصة وهو يلاحظ أن أريا تقترب من ناحيته. بينه وبين نفسه، كان يردد في ارتباك
' الآنسة أريا! يا إلهي... عليّ ألّا أقول شيئًا أحمق... لا بد أن أبدو واثقًا... أوه، اللعنة، أنا متوتر بشدة!" وكان ذلك واضحًا في ملامحه المرتبكة. '
لكن أريا لم تُعر انتباهًا لأحد غير أخيها، كانت نظراتها ثابتة عليه. اقترب منها أرلدير، تاركًا خلفه ليبو، حتى أصبحا متقابلين. كعادتها، بدت أريا طويلة القامة، رشيقة كغصن صفصاف، وشعرها الأشقر ينزلق بحرية خلف كتفيها، سمة متأصلة في أبناء الإيلف الشرقيين. وقفت على قدم المساواة مع أخيها الأصغر، الذي حافظ على ابتسامته الهادئة كعادته.
"أبعد عني تلك الابتسامة الساذجة، أرلدير." قالتها بنبرة ناعمة، لكنها حازمة ومشحونة، كشعلة خفيفة تحت قشرة من الجليد. "نحن في وضع حرج، وأنت تبتسم بهذا الشكل الأحمق."
خفف أرلدير من ابتسامته، وردّ بنبرة هادئة تليق بشخصه:
"أعتذر، يا أختي... تعلمين أنني أعتدت على الابتسام، حتى في أشد اللحظات قسوة."
تنهدت أريا بضيقٍ واضح، ثم قالت باقتضاب: "لا يهم الآن. حصلنا على استدعاء عاجل من البلاط الملكي... الملك يريدنا. لدينا مهمة."
ثم لوّحت بيدها بلطافة رسمية نحو رفاق أرلدير، وأضافت:
"وأنتم أيضاً... ستأتون معنا." كان في نبرتها شيء من الأوامر التي لا تقبل النقاش.
أومأ الجميع برؤوسهم دون تردد، احترامًا لهيبتها، بينما اكتفى أرلدير بالرد بنبرة متماسكة: "إذًا... حان الوقت للبحث عن من جلب هذا السوء إلى أميرتنا الغالية، أليس كذلك؟"
لم تجب أريا على الفور، بل ضاق طرفا عينيها لحظة، كما لو أن شيئًا ما في كلماته قد أثارها. ثم ردّت بعد برهة بصوت هادئ ومقتضب: "ستعرف التفاصيل حين نصل إلى البلاط... الآن، تحرّكوا."
غادر أرلدير ورفاقه "حديقة الزهور الحية"، يتبعون أريا التي كانت تسير أمامهم بخطى رشيقة وقوية. كل واحدٍ منهم حمل في ملامحه أثرًا مختلفًا لمشاعره—القلق، الحماسة، الحيرة—ما عدا أرلدير، فقد بدا كعادته، هادئًا... غامضًا ككتاب مغلق.
وفي الوقت نفسه، على مقربة من الشجرة العظيمة التي تضم مسكن العائلة المالكة، جلست الملكة على كرسي خشبي يدوي الصنع، بجانب سرير بسيط لكنه دافئ، مصنوع بدقة إلفية فائقة. تمددت عليه الأميرة إيرل، ملفوفة ببطانية حريرية خفيفة، وجهها شاحب، وأنفاسها هادئة بالكاد تُسمع، كأنها تُقاتل الموت في صمت.
انحنت الملكة تمسك بيد ابنتها، تشدّ عليها بخفة، وصوتها متهدج بالعاطفة: "عزيزتي إيرل... لا أصدق أن شيئًا كهذا قد حدث لك."
رفّت عيناها بالدموع، لكنها تماسكت، تحاول منع نفسها من الانهيار، ثم همست: "ذاك الفتى... قال إنه سيجلب دماء كازلير لعلاجك. لذا، أرجوك... تحمّلي. هناك الكثيرون ينتظرون عودتك... الكثيرون قلقون عليك. حتى والدك..."
شهقت الملكة بعمق، تكتم بكاءها بشجاعة: "والدك بالكاد يتمالك نفسه. بالنسبة له... أنتِ أكثر من مجرد ابنة، أنتِ قطعة من روحه. لذا... رجاءً يا إيرل، تحمّلي، عودي إلينا بكامل صحتك، وامنحي قلبه بعض السلام."
ساد الصمت مجددًا في الغرفة، لم يكن هناك سوى صوت أنفاس الأميرة الواهية، وكلمات أمها التي تخترق الصمت كخيط من نور يائس.
ثم، وسط ذلك الهدوء المليء بالترقّب، فُتح باب الغرفة.
ظهر الملك توراس، بهيبته المهيبة، يدخل الغرفة تتبعه الأميرة إيفي..عيناه كانتا ثابتتين، لكن بريقهما كان باهتًا، كأن شيئًا ثقيلًا يُثقل روحه.
"عزيزتي..." قال بصوت منخفض، لكنه حازم: "أخبريني عن حال إيرل."
مسحت الملكة دموعها، وقفت شامخة رغم الانكسار، وقالت:
"قال الحكيم لوبو إنها في حالة سيئة، لكن... ليست الأسوأ. حالتها مستقرة، لكنها تحتاج الترياق بأسرع وقت."
اقترب الملك بخطوات بطيئة نحو ابنته، وصوته أكثر ثباتًا:
"كم من الوقت قال لوبو أنها ستصمد؟"
أجابت الملكة بتردد، وهي تتجنّب النظر في عينيه:
"قال إنها تملك إرادة قوية، وتحاول مقاومة السم بصلابة... لكنه يقدّر أن أمامها يومًا واحدًا فقط... قبل أن..." ثم توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. الكلمات خنقتها، قبل أن تخرج من حنجرتها.
وفي تلك اللحظة، أصبح كل شيء ساكنًا. الهواء نفسه بدا وكأنه انقطع عن الدوران، والوقت تجمّد أمام سرير أميرة تقاتل الموت بهدوء يشبه الوداع.
كانت هذه الغرفة... غرفة الأميرة إيرل.
مرتّبة بدقة تليق بشخصيتها الهادئة المنظمة، تفيض أناقةً دون تكلّف. ضمّت سريرًا بسيطًا لكنه أنيق، بجانبه طاولة صغيرة تحمل كتابًا مفتوحًا ومصباحًا زيتياً أطفئ منذ أيام.
في إحدى الزوايا، وقفت مكتبة خشبية متقنة الصنع، تفيض بالكتب والمجلدات، أغلبها في العلاج، السحر الطبيعي، وبعض القصص القديمة.
وفي مركز الغرفة، كانت هناك مساحة فارغة مفروشة بسجادة خضراء دائرية، تحاكي لون الحياة الذي كانت تحمله إيرل في قلبها، قبل أن يسرقها منها هذا السمّ الغامض.
إلى جانب السرير، نافذة ذات إطار خشبي يدوي الصنع، مغلقة بستائر من قماش ناعم، محاكة بخيوط فضية خافتة. كل ما في الغرفة يدلّ على أنها لم تكن فقط أميرة، بل روحًا لطيفة تعشق الهدوء والمعرفة.
تقدّم الملك توراس بهدوء نحو النافذة، بيدٍ ثابتة حرّك الستائر إلى الجانبين، ليدخل ضوء النهار الباهت إلى غرفةٍ طغى عليها الظلام — ظلامٌ لا يسكن الزوايا فحسب، بل تسلل إلى صدره وأثقل فؤاده بحزن عميق... حزنٌ لا يظهر على ملامحه، لكنه كان واضحًا في صمته.
قال بصوت واثق، دون أن يلتفت: "داركن سيجلب دماء ملك الذئاب قبل غروب الشمس... وإن تأخّر، فسيصل على الأرجح بحلول منتصف الليل."
تقدّمت الملكة خطوة للأمام، وكان صوتها مشحونًا بالقلق، يحمل تحت هدوئه انفعالًا لا تخطئه الأذن: "وكيف يمكنك أن تضمن ذلك؟"
سكتت لحظة، ثم أكملت، والنبرة في صوتها تتغير شيئًا فشيئًا:
"أنا أثق بك، بحكمتك، بقدرتك... لكن ذاك الفتى... أعلم أنه أصر على تحمّل مسؤولية جلب دماء ملك الذئاب، لكنك... ألا ترى أن ثقتك به قد تكون مبالغًا فيها؟ إنه حتى لا يمتلك هالة واحدة!"
أجابها توراس دون انفعال، بصوت منخفض لكن مشبع بالقناعة: "قد يكون ما تقولينه صحيحًا."
ثم التفت نحوها، وعيناه تلتمعان بنظرة لم تُرَ عليه من قبل، وقال: "لكنه ليس كغيره، ليس من أولئك الذين يمكننا الحكم عليهم بالمظاهر."
عاد بنظره إلى النافذة، وأكمل: "داركن... هو كقطعة ألماس غير مصقولة، تحتاج إلى يدٍ تصقلها... تحتاج إلى ثقة. الثقة هي الصقل الذي سيُخرج بريقه."
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يزيل عن قلبه بعضًا من الثقل، ثم تابع:
"لقد انطلق قبل قليل، متجهًا إلى وادي الذئاب الضارية، برفقة أدينيس، ولارو، والقائد توريل. إن اتخذوا الجري وسيلةً لهم، فمن المفترض أن يصلوا هناك قريبًا."
ثم صمت للحظة، كأنما يعدّل نبرته لما هو آت، قبل أن يقول:
"أما أنا... فثمة أمرٌ يجب أن أقوم به، ليس بصفتي ملكًا فقط، بل كأب."
خطا بضع خطوات نحو زوجته، ثم تابع بنبرة حملت تحت هدوئها نارًا: "من فعل هذا بإيرل... ليس غريبًا، بل من بيننا. أحد أبناء شعبنا. وأنا... أعرف من هو."
اتسعت عينا الملكة، تجمّدت ملامحها للحظة، ثم انفجرت بغضب انفعالي حاد: "من؟! من الذي تجرأ على إيذاء ابنتي؟ أخبرني يا توراس!" تقدّمت نحوه بخطوات غاضبة، عيناها تومضان بدموع امتزجت بالحنق.
لاحظ توراس غضبها المتصاعد، فمدّ يده بهدوء، ووضعها على خدها بحنو، كأنه يطفئ نارها بلطف المتيقّن، وقال: "لا تقلقي... عملية صيد الجاني قد بدأت بالفعل."
قالها ونظراته تحمل صلابة لا تلين، ونية لا تقبل النقاش. في عينيه كان الحزم واضحًا، لكنه كان أيضًا زوجًا وأبًا، يحارب لأجل أسرته، ولأجل العدالة ، لكن في تلك اللحظة .