فتح الشاب عينيه بتثاقل شديد ، ليدرك بعد ثواني معدودة ، انه عاد للعربة التي كان فيها منذ البداية . لم يستطع الشاب أن يفهم ما جرى ، عقله مشوش بالكامل ، حتى الألم المعتاد الذي في جسده لم يجذب انتباهه . لعدة دقائق ، بقي الشاب مستلقياً كما هو ، ينظر لسقف العربة ، محاولاً تذكر أي شيء عن المكان الذي ذهب إليه بشكل غير معروف ، لكن في كل محاولة ، ينتهي به الأمر يتذكر شيء واحد فقط لا غير .
" انا أسمي ... داركن " قال بصوت أقرب للهمس .
نطق الشاب بالأسم ، لعدة مرات قبل هذه المرة ، منذ أن فتح عينيه و حتى هذه اللحظة . لم يكن في رأسه سوى هذه الذكرى عن ذاك المكان الذي نسي تفاصيله ، كما أنه نسي ذاك الطفل الذي أعطاه الأسم ، و كل شعور شعر به هناك ، لم يذكر منه أي شيء ، و كأنه لم يحدث من الأساس .
تقلب الشاب قليلاً ، محاولاً رفع جسده بما يكفي للجلوس ، و بعد محاولة و صراع مع الألم ، تمكن من الجلوس بنفس الوضعية التي كان عليها يوم أمس ، قبل ان يحدث معه ما حدث —بالتحديد قيام إيرك بضربه ضرباً مبرحاً— .
أدار الشاب رأسه نحو اليمين ، لينظر من فتحة العربة ، فوجد أن العربة تتحرك بالفعل . كان الجو مشمساً بشكل خاص ، مما يوضح أن تلك الليلة قد انقضت بالفعل ، و أن الشاب قد نام طوال تلك الليلة ، و ربما ... ذاك المكان الذي لم يستطع تذكر تفاصيله ، كان مجرد حلم لا غير ، لكن لسبب ما ، ذاك الأسم الذي سمعه و تم توجيهه إليه ، بدا حقيقياً ، حقيقياً بشكل يصعب تكذيبه .
" أسمي هو ... داركن ، لسبب ما اشعر بأن هذا أسمي حقاً " قال الشاب ، ثم تنهد و دار برأسه و أكمل : " مهما حاولت ، لا يمكنني إنكار ذلك ، أسمي هو داركن ، لكن ... منذ متى كان هذا أسمي ؟ "
كان حديث الشاب بصوت مرتفع قليلاً ، لكنه لم يكن صاخباً ، في الوقت عينه ، كان كفيلاً بلفت انتباه أحد رجال القافلة ، الذي أقترب من فتحة العربة اليمنى —التي كان ينظر من خلالها الشاب قبل قليل— و تحدث بصوت واضح .
" استيقظت أخيراً ؟ " قال بإبتسامة ساخرة ، ثم أكمل : " ظننا أنك قد مت ، من الجيد أنك بخير ، فنحن لسنا متخصصين في نقل جثث الموتى " ثم أبتعد و هو يضحك بطريقة مستفزة .
لم يحرك الشاب رأسه حتى لينظر إليه و هو يتحدث ، فقط إكتفى بالإستماع و عدم الرد ، و بعد أن غادر ذاك الرجل ، تمتم الشاب ببضع كلمات بصوت منخفض للغاية : " الموت أفضل من سماع صوتك " ، ثم تنهد و أدار رأسه نحو اليسار ، لينظر إلى الطريق الفارغ و هو يتحرك عكس إتجاه سير العربة .
لبعض الوقت ، سرح تفكير الشاب حول الأسم ، و في لحظة ، شعر بأن هذا ممكن ، بأن يكون هذا الأسم إسمه هو . قد تكون فرصة ، فرصة ليمتلك شيء لم يحصل عليه من قبل ، حتى لو كان شيئاً لا يفترض به أن يمتلكه —او على الأقل كما يرغب من حوله— ، تنهد بشكل عميق ، ثم أغمض عينيه .
' من الأن ، اسمي سيكون ... داركن ' قال في نفسه ، معلناً بصمت ، بإنه لم يعد العبد الذي بلا أسم ، بل أصبح داركن ، شاب يملك أسم يعرف به نفسه .
و بعد مرور بضع ساعات ، القافلة وصلت في سيرها إلى منطقة قريبة من حواف القارة ، و لا يوجد شيء بجانبهم سوى غابة . القافلة توجهت للدخول في أعماق الغابة بأمر من "ماري" ، و بعد مرور الوقت ، حتى آخر ساعات الظهيرة ، القافلة خرجت بالفعل من الغابة ، بحيث لم يواجهوا أي مشاكل أثناء التوغل .
بالنسبة لداركن ، كان منظر الغابات ساحراً ، جميلاً ، ترتيبها العشوائي كان أقرب للوحة فنية تحمل روح خاصة ، لا يدركها إلا من فهم تشكيلها . داركن لم يفهم بطبيعة الحال ، لكنه أعجب بجمالها ، حتى أنه تمنى لو يعيش هنا ، في هذا المكان حيث تتراقص الطيور و تغني في جميع الأنحاء بحرية ، بدون قيود . وقتها تمنى داركن لو كان حراً ، بلا تقيد ، بلا حدود ، لبربما كانت لتكون له حياة مختلفة عن ما هي عليه الأن —او كما يعتقد هو— .
بعد خروج القافلة من الغابة ، و بعد مرور بضع ساعات ، حل المغيب مجدداً ، و هذه المرة ، كان الشاب مركزاً على المغيب ، و كأنه يجد راحته بما تترسم عليه الطبيعة ، و في الوقت عينه ، كان شعور الألم أخف مما كان عليه البارحة ، و هذا الشعور لم يحدث فجأة ، فقد كان يلازمه منذ أن استيقظ من غفوته صباحاً . بالتأكيد كان مستغرباً ، لكنه رغم ذلك ، ركز على ما هو عليه حالياً ، أن يشعر بألم أقل مما كان عليه في السابق .
في تلك اللحظة، بينما كانت السماء تتلون بدرجات الأحمر والذهبي، شعر الشاب وكأن جسده لا يحمل ثقل المعاناة كما في الأيام الماضية. كانت هناك نسمة خفيفة تمر بين الأشجار المتناثرة على أطراف الطريق، تصفع وجهه بلطف، وتوقظ شيئاً داخله. ذلك الهدوء الذي لفّ الطبيعة حوله بدأ يتسرب إلى قلبه، وكأنه للمرة الأولى منذ زمن، يتنفس من دون توتر. المغيب لم يكن نهاية اليوم فقط، بل أشبه بفسحة زمنية تهبه مساحة للتأمل في ما مضى، وما ينتظره لاحقاً.
لم ينسَ ما جرى. الذكريات لم تختفِ، لكنها هذه المرة لم تهاجمه كما اعتادت، بل كانت تنساب بهدوء، كأنها موجة خفيفة لا ترغب في إغراقه. ألم الفقد، الحيرة، والشكوك التي أثقلته، بدت وكأنها جميعاً قد أخذت خطوة للوراء، لتفسح المجال لشعور جديد، لا يعرف له اسماً. ربما كان هذا ما يسمى بـ "بداية الشفاء"، أو على الأقل بداية التعايش مع الندبة دون أن يفتحها كل صباح من جديد.
ألقى نظرة إلى السماء، وابتسم بخفة دون أن يدرك ذلك. لم تكن ابتسامة فرح، بل راحة. راحة أن الألم لم يختفِ تماماً، لكنه أصبح جزءاً يمكن احتماله، يمكن فهمه والتعامل معه. بدا له أن الليل القادم لن يكون ثقيلاً كما الليالي الماضية . قد لا يكون هذا لفترة طويلة ، و قد يعود لأيام الألم و المعاناة بعد أن يصل لمركز القافلة الجديد في مملكة كارتوغا ، لكن في الوقت الحالي ، سيحاول العيش ، بهدوء .
ومع انحسار آخر خيوط الشمس، عاد ليجلس في مؤخرة العربة، مغمضاً عينيه، يستمع لصوت العجلات وهي تصطدم بالأرض. لم يكن يفكر كثيراً هذه المرة، بل فقط... كان موجوداً. حاضرًا. ومتقبلاً لكل لحظة تمر، وكأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تفتح له نافذة صغيرة على السلام.
بعد حلول الليل ، نصبت القافلة خيامها ، و انشغل كل واحد بما لديه . كانت ماري تتجول بين العربات و في عيونها لمحة من الهدوء الذي لطالما عرفت به ، لكن في الوقت عينه كانت تبدو مرهقة و مشغولة البال ، لربما كان هذا بسبب ما حدث بالراحة ، و مستوى الغضب الذي وصلت إليه ، او ربما شيء أكثر تعقيداً . وسط تفكيرها العميق و سيرها الثابت ، وجدت نفسها قريبة من عربة داركن ، لم تدرك ذلك إلا بعد أن اخذت بضع ثواني لتستوعب .
' متى وصلت إلى هنا ؟ ' فكرت ماري ، و هي تنظر لمحيطها ، حتى لمحت عربة داركن .
وجودها هنا يبدو كمصادفة ، لكن نظراتها للعربة ، كان توحي بشيء اخر تماماً ، كما لو أنها أرادت أن تتواجد هنا ، لكنها لم تخرج للسير لهذا السبب . لكن بما أنها هنا ، قررت أن تتوجه للعربة بخطوات بالكاد يمكن سماعها ، إلى أن وصلت لباب العربة ، و فتحته بهدوء ، لتجد داركن جالساً في مؤخرة العربة ، بصمت و يتنفس بهدوء .
' يبدو أنه قد عاد للنوم مجدداً ' فكرت ماري و هي تنظر بتمعن لداركن و هو جالس بصمت .
نظرت إليه لبعض الوقت ، تأملت أقدامه التي لا أضافر فيها ، و الشيء ذاته مع يديه . ملامح وجهه التي تبدو عليه و كأنه شخص مصاب بالجفاف . و شعره الطويب الذي ينساب فوق وجهه و يستقر على كتفيه و صدره الى معدته .
" أستيقظ " قالت بصوت حازم و مرتفع قليلاً .
فتح داركن عينيه ببطئ ، و نظر إلى ماري التي تقف عند باب العربة ، و على وجهها ذات الملامح التي يعرفها بها . لم يستطع التحرك لتعديل جلسته ، فقد كان جسده متشنج بشكل مفاجئ ، مما صعب عليه القيام بأي شيء ، حينها تمنى أن لا تأخذ ماري الأمر بشكل شخص ، على أنه قلة احترام او ما شابه ، لكنها بدت ... هادئة .
" ليس هناك داعي للقلق ، انا هنا للحديث فقط " قالت ماري بهدوء و وضوشضضح ، و بدون أن اي تفاعل .
أخذ داركن نفساً عميقاً و أطلقه بهدوء ، و رد : " بالتأكيد ... بالتأكيد ... " رغم ذلك رد بتوتر .
اخذت ماري نظرة للمخيم عن بعد ، فقد كان بعيداً عن عربة داركن ، بمسافة تقدر بخمس أمتار تقريباً . وضع العربة في هذا المكان هو أمر من كريغ ، زميل ماري ، و الذي ينفذ أوامر جابيلين بشكل حرفي ، دائماً . حين تأكدت ماري أن لا أحد قريب أو قد يحاول الأقتراب ، مدت يدها لداركن .
" تعال " قالت ماري ، بهدوء و وضوح .
لم يستوعب داركن ما يحدث، كان الذهول يثقل تفكيره، وعيناه تائهتان في صمت مربك. لم يفهم، لكنه لم يشأ الاعتراض. ببطء، كأنما يقاوم ثقلاً داخلياً، مدّ يده المرتجفة وأمسك بكفّ ماري . استجابت ماري دون كلمة، وسحبته برفق هادئ من العربة. فور أن لامست أصابعه يدها، تسلّل إليه إحساس غريب. كان الملمس ناعماً، دافئاً، وكأن شيئاً حيّاً ينبض في راحتيها. لم يعتد داركن سوى على ملامسة الصخور الخشنة والتراب الجاف، وندر أن لامس شيئاً طرياً كالخبز الطازج . لكن يد ماري... كانت شيئاً آخر تماماً. كأنها لا تنتمي إلى هذا العالم الذي يعرفه.
ما إن أخرجته من العربة، حتى مضت به بعيداً عنها بخطى هادئة، متجاوزة بعض الشجيرات التي نمت بفوضى صامتة قرب العجلات الخشبية . كانت القافلة قد اختارت التوقف عند أطراف رقعة خضراء تتناثر فيها الأشجار، كأنها تسرّبت خلسة من الغابة التي عبروها سابقاً. لم يبتعدوا كثيراً عن الطريق، لكنهم اقتربوا بما يكفي لتلامسهم ظلال الأشجار، وكأنهم يلتمسون حمايتها ، ففي قافلة الأحلام، كان هناك اعتقاد قديم يهمسون به حين تهبط الشمس: أن الأشجار ليست مجرد كائنات ساكنة، بل أرواح حارسة، حُراس الطبيعة الصامتون .
لذلك، لم يكن التخييم بقربها خياراً عشوائياً... بل طقساً يمنحهم شعوراً خفياً بالأمان، كما لو أن الطبيعة نفسها تضمّهم إلى صدرها.
واصلت ماري السير بصمت، خطواتها ثابتة كأنها تعرف الطريق جيدًا، بينما كان داركن يتبعها دون أن ينبس بكلمة .
مر الوقت، وتسللت المسافة بهما بعيدًا عن المخيم أكثر مما يدرك، حتى داركن، رغم جهله بالمكان، بدأ يشعر أن ما قطعاه فاق حدود الأمان التي يمكن أن يطمئن لها أي شخص. لكنه رغم ذلك لم يتوقف ، لم يسأل ، كان يتبعها فقط ، يخطو وراءها رغم الألم الذي بدأ يزحف إلى قدميه المتعبتين. الأرض أصبحت أقسى، والظلال أكثر عمقًا، لكنه لم يبالِ ، فقد كانت تمسك بيده بإحكام، قبضتها لا تترك له خيارًا سوى المواصلة، وكأنها تقوده نحو مصير لا يريد له أن يتراجع عنه.
وفي داخله، لم يعد يهمه التعب ، كل ما أراده الآن هو أن يعرف... إلى أين تأخذه ماري؟
بعد مسيرة طويلة، بدت وكأنها لا تنتهي، وصلا أخيرًا إلى جدول ماء صافٍ، ينساب بهدوء وسط الطبيعة الصامتة.
كان محاطًا ببعض الشجيرات والأشجار، كأنها تحرسه بهدوء منذ قرون . تدفقت المياه برقّة، تعكس على سطحها المتماوج صورة القمر الكامل، المتألّق بنوره الفضي وسط سماء مرصّعة بالنجوم . كان المشهد أشبه بلوحة حيّة، تنبض بالسكينة.
"آه~ هذا المكان... جميل ومريح، مثاليّ للحديث."
قالت ماري وهي تنظر إلى الجدول، يتأمل انعكاس الماء المتهادي كما لو أنه يحمل ذكريات قديمة.
داركن لم يرد، لكنه لم ينكر ما رأته . هو الآخر شعر بشيء غريب في هذا المكان، راحة لم يعرفها من قبل . ربما كان ضوء القمر، وربما هدوء المياه... لكن شيئًا ما في هذه اللحظة هدّأ توتره وأراح أعصابه.
رفعت ماري رأسها نحو السماء وقالت بصوت خافت:
"أنا ماري... ماري تشويرا، من مملكة فيريل."
ثم التفتت إليه بنظرة ناعمة وصوت دافئ وقالت:
"وأنت... هل تملك اسمًا؟"
تجمّد داركن في مكانه، مأخوذًا بما سمعه للتو . لم يكن معتادًا على هذا النوع من التفاعل... اللطف؟ سؤال دون تهديد؟ هل يمكن لمثل هذه البساطة أن تكون حقيقية؟ عقله، الذي طالما عاش على الحذر والشك، لم يعرف كيف يستجيب.
ومع ذلك، ولسبب لم يستطيع تحديده، لم يشعر بالخطر.
كان هناك شيء في نبرة صوتها، في هذا المكان، يجعله يحس — ولو للحظة — بأنه في مأمن. هل ذلك بسبب السنوات التي قضاها في الترقّب والخوف، جعلت حواسه قادرة على التمييز بين التهديد والطمأنينة؟ لا يعلم . كل ما يعرفه الآن أنه سمعها تقول: "ماري تشويرا"، وأنها من مملكة تُدعى فيريل.
كلماتها البسيطة، وصراحتها، جعلته يسترجع ما لقّنه إيّاه أيدي في الماضي : "حين يعرّف شخص ما عن نفسه بودّ، فهو لا يطلب شيئًا... فقط يفتح لك الباب لتقترب." لكن... هل هذا حقيقي؟ أم أنها خدعة جديدة تحت قناع الأمان؟ . أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة التوتر الذي خيّم على صدره . ثم قال بتردد، وصوت بالكاد خرج من بين شفتيه:
"أُدعى... داركن ، فقط داركن . وأنا... على الأغلب من كارتوغا، فهي آخر مكان أتذكر أنني كنت فيه."
"داركن... اسم جميل." قالت ماري بصوتها المعتاد، الهادئ، وإن خفتَ دفؤه قليلًا هذه المرة .ثم، وبدون سابق إنذار، أطلقت يده بلطف، واستدارت نحوه بالكامل.
نظرت في عينيه مباشرة، وجهاً لوجه، وقالت بنبرة لم تحمل سخرية ولا شفقة: "كل ما كنت أسمعه عنك... أنك عبد بلا اسم . لكن يبدو أنك تملك اسمًا في النهاية."
كلماتها علقت في الهواء كأنها شفرة ذات حدّين. لم يجب داركن...بل انغمس فجأة في دوامة فكرية داهمته بقوة. هل هذا اختبار؟ ربما تحدي غير مباشرة من جابيلين، وربما هو الآن قد فشل فيه . فقد تعلّم الدرس : إذا قال إنه نسي اسمه، يُعذّب.إذا أصرّ أنه يملك اسمًا، يُسحق أكثر، حتى يقولها صراحة: "لا أملك اسمًا." هكذا فقط يُرضيهم... بأن يتخلى عن آخر ما يربطه بذاته.
القلق ارتفع في صدره كصفير إنذار . شعر بالخطر، كأنه على حافة ضربة قادمة، كأن الظلام خلفها سيبتلعه في أي لحظة . استعد لأن يُعاقب. لكن ما تلا لم يكن ضربًا... بل مفاجأة.
ماري كانت تبتسم ، ابتسامة ناعمة، غير مألوفة، بلا خبث ولا غرض . في عينيها، رأى شيئًا لم يعرف له اسمًا... رأى جمالًا ، كانت هذه أول مرة في حياته يرى وجهًا لا يحمل قسوة، ولا قناعًا، ولا بشاعة . لم تكن تشبه أحدًا ممن عرفهم.لم يكن هذا مجرد "اختلاف"…كان عالمًا آخر.
"قبل ثلاث سنوات، حين انضممت إلى القافلة لأول مرة، لم أسمع عنك سوى القليل..." قالت ماري بصوت منخفض، ناعم كهمس الليل . "العبد الذي لا يحمل اسمًا ... الملقب بالملعون...
"
استدارت بخفة ، ثم انحنت قرب جدول الماء . راحت تراقب انسيابه تحت ضوء القمر، وأضافت بصوتها الرزين:
"لطالما عرفت جابيلين على أنه رجل لطيف... لا يؤذي حتى نملة . لكن حين سمعت أنه يعذّب عبدًا ، وبشكل متكرر، تسلّل حينها الشك إلى قلبي . ولم أستطع التخلّي عن تلك الفكرة.
أردت أن أفهم... أردت أن أعرف لماذا."
غمرت أطراف أصابعها في الماء البارد، كأنها تحاول غسل فكرة ثقيلة علقت بها . ظهرت لمحة من العبوس على وجهها، خفيفة لكنها صادقة، ثم تابعت بصوت أكثر عمقًا:
"استغرق الأمر مني ثلاث سنوات ... ثلاث سنوات كاملة لكسب ثقته... لأتسلّل إلى دائرة النفوذ في قافلته المشهورة.
كل ذلك فقط كي أروي فضولي."
رفعت يدها من الماء ببطء، وقطراته تتساقط بخفوت، ثم التفتت برأسها لتنظر إليه بجدية، نظراتها لا تحيد عن عينيه: "وبفضل ذلك... بدأت أرى الصورة بوضوح ، لكن ما لم أكن مستعدة له...هو السبب الحقيقي الذي دفع جابيلين لفعل كل هذا بك."
تفاجأ داركن من حديث ماري، وصدمته أخذت تتعمّق مع كل كلمة تنطق بها . كان في البداية مشوشًا، ثم بدأ قلبه يخفق بشدّة، خصوصًا حين وصلت إلى الجزء المتعلّق بسبب تعذيب جابيلين له. في تلك اللحظة بالتحديد، شعر بانقباض مفاجئ في صدره، رعشة خفيفة انتفضت في جسده، كأن الحقيقة على وشك أن تكشف له وجهها أخيرًا . أراد أن يعرف، أن يفهم... لماذا عاش كل تلك السنين في ظلمة لا مخرج منها؟
لماذا الألم؟ ولماذا هو بالذات؟ أراد الجواب بشدة، لدرجة أن ملامح وجهه المتعبة ارتجفت تحت ضغط الانتظار، وعينيه اتسعتا بالتوتر.
لكن ماري لم تتابع من حيث توقفت بالحديث، بل قالت بهدوء:
"سبب دخولي للقافلة... كان الفقر. ومرض أختي الصغيرة." نظرت جانبًا، نحو المياه التي لم تعد تنعكس عليها ابتسامتها، ثم تابعت بصوت منخفض:
"بصفتي الأخت الكبرى، والوحيدة في عائلتي التي تستطيع استخدام السحر، قررت أن أنضم إلى قافلة الأحلام ، الشيء الوحيد الذي كان ممكناً وقتها . كل ما كنت أجنيه من المال ، أرسله إلى عائلتي."
ثم وقفت بهدوء، بدأت تخطو ببطء على الأرض، تركل الحصى الصغيرة بعشوائية وهي تتابع: "لكن... مرض أختي لم يكن شيئًا يمكن علاجه بسهولة . كان معقدًا، ويحتاج إلى علاج خاص، متوفر فقط في مملكة كارتوغا ، بسعر مرتفع للغاية . جابيلين عرض عليّ العمل لديه وقتها ، لم اوافق حينها ، لكن بعد مدة ، ذهبت إليه و قدمت موافقتي ، مقابل أجر جيد—ليس بالكثير ، لكنه كافٍ."
رفعت عينيها قليلاً نحو السماء، تراقب ضوء القمر وهو ينعكس على الأرض من بين الأشجار: " ما خططت له هو أني سأجمع المبلغ خلال أربع سنوات...والآن، لم يتبقَّ سوى القليل . قريبًا، سأكمل المبلغ... و أوفر العلاج لأختي ."
وفي نهاية جملتها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة، رقيقة، تتلألأ تحت نور القمر الصافي، كأن الأمل استعاد مكانه في قلبها.
داركن استمع بصمت، عيناه تتابعان ماري، وأذناه تلتقطان كل حرف تنطق به. للحظة، شعر بعضلات كتفيه وهي ترتخي ببطء، كأن وطأة الخوف المعتادة بدأت تبتعد قليلاً. صوت ماري، بنبرته اللطيفة وهي تحكي قصتها، دفعه للتفكير: "كيف لشخص مثلها أن يتواجد بين جماعة المجنون جابيلين؟" لم ينطقها، لكنه تساءل بها داخله. في تلك اللحظة، راوده شعور غريب، تمنى لو كان يملك شخصًا مثلها، شخصًا مستعدًا لفعل المستحيل لأجله. لكن... على ما يبدو، لم يُخلق له هذا النوع من الحظ.
حاول أن يرسم ابتسامة باهتة، لكنها تلاشت فورًا عندما صدمته كلمات ماري: " قد يبدو ما قلته و كأنه شيء عشوائي ، لكن ما أريد إيصاله هو أني اكتشفت ... اني أعمل بجد لمعالجة أختي الصغيرة... أما جابيلين، فهو يعذبك فقط لأنك ... تشبه أخاه الأصغر الذي قتله بيده." نبرتها تغيّرت، أصبحت أكثر برودة، تحمل ظل ألم قديم لم يشفَ بعد.
في تلك اللحظة، كأن الزمن تجمّد. بقي داركن فاغرًا فمه، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه للتو. بصوت مرتجف، سأل: "هاه؟... ماذا قلتي؟"
نظرت إليه ماري، ثم ردت بهدوء، دون تردد: "هذا ما قاله بنفسه، وأؤكد لك... لم يكن تحت تأثير النبيذ أو أي شيء آخر."
لتكمل بعدها قائلة: "جابيلين، حسب ما قاله بنفسه، خنق أخاه الأصغر حتى الموت... بيديه، لأنه كان يحظى باهتمام أكبر من والديه. ومنذ تلك اللحظة، آمن أن ما فعله كان مقدّرًا له أن يحدث."
"يفتخر بفعلته؟" تمتم داركن بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا بوضوح.
ماري لم ترد فورًا، ظلّت صامتة للحظات، قبل أن تقول بصوت هادئ: "نعم، يفتخر بها. يبرر الأمر دائمًا بأن ولادة أخيه كانت غلطة... وهو فقط صحح ذلك الخطأ. لكن حين رآك، ورأى فيك ملامح من ذلك الأخ، بدلًا من أن يقتلك، قرر أن يُمتع نفسه بتعذيبك حتى تموت في النهاية على يد أحد رجاله. هذا ما قاله بالحرف الواحد. لا أملك تفسيرًا أعمق من هذا."
ثم أضافت، بصوت منخفض اختلط فيه الندم بالحسرة: "لم أدرك أنني أعمل مع شخص مختل... إلا بعد فوات الأوان."
كانت لحظة صامتة، لكنها ثقيلة، مشحونة بشيء يصعب وصفه. عندها فقط، أدرك داركن أن كل ما مر به، لم يكن لعنة أو عقوبة أو حتى سوء حظ... بل مجرد نزوة لرجل مختل، نرجسي، مريض، يستمتع بكسر الآخرين. في تلك اللحظة، ولأول مرة في حياته، شعر داركن برغبة حقيقية... رغبة لا تعرف التردد، في تدمير جابيلين، وتمزيقه، وإنهاء كل ما يمثله. لكنه لم يُظهر شيئًا على ملامحه، فقط الصمت... وتلك الشرارة الجديدة في عينيه.
وفي لحظة خاطفة، اقتربت ماري من داركن بخطوات خفيفة، هادئة كنسمة ليل، ثم أحاطته بذراعيها، تعانقه فجأة. كانت لحظة صادمة، غير متوقعة، حتى كاد قلب داركن أن يتوقف من المفاجأة—فهو لم يختبر شيئًا كهذا من قبل، لا دفء، لا احتواء، لا لمسة صادقة.
"فقط... تحمّل أكثر، سأجد طريقة لأُخرجك من كل هذا." همست ماري بصوت خافت، رأسه مستند على كتفها، وكأنها تحاول أن تسرّب الأمان إلى داخله عبر كلماتها. "قد لا تثق بي الآن... قد تعتقد أنني أفعل هذا بلا سبب، لكن صدقني... لدي سبب، وسأخبرك به يومًا ما... أعدك."
داركن لم يستطع استيعاب ما يحدث. كلماتها، دفئها، ذلك العناق الذي باغته دون مقدمات... كان كل شيء كثيفًا، أكبر من قدرته على الفهم. ومع خلفيته المحدودة، وتجاربه التي لم تعرف سوى الألم والعزلة، بدا له تفسير هذه اللحظة... مستحيلاً.