تلك الليلة ، كانت بالنسبة لداركن أشبه بحلمٍ مشرق وسط واقعه المظلم. شيء غريب عن حياته المعتادة، كجرحٍ طريّ فوق جلدٍ صلب. تلقى معاملة لم يتخيل يومًا أنه قد ينالها، معاملة مختلفة تمامًا عما اعتاده طوال سنواته القاسية. بل إنها، بكل ما فيها من تناقض، لم تكن تشبه شيئًا عرفه من قبل.

ماري، تلك المرأة الصارمة التي يهابها الجميع، كانت لطيفة معه. لطفها بدا غير مألوف، لا يشبه الصورة التي اعتادها الناس عنها، ولا الأسلوب الذي ترسخ في القافلة. بدت وكأنها نزعت قناعها دون قصد، أو سمحت، بدافع غامض، لجزء من حقيقتها أن يظهر من خلف قشرة البرود والحدة.

كانا معًا عند الجدول، يتحدثان. كلماتها خرجت ببطء، لكنها حملت دفئًا نادرًا. كان هناك شيء ما ينكسر بداخلها، أو على وشك أن ينكسر. وداركن، رغم جهله بلغة المشاعر، شعر بذلك التغير، دون أن يعرف كيف يسميه. أدرك فجأة أن ماري ليست فقط امرأة غريبة الأطوار أو حادة الطباع، بل شخص محاصر، يحاول النجاة بطريقته الخاصة. وربما، كان التاجر جابيلين هو أصل هذا الحصار.

بعد أن انتهى حديثهما، عاد الاثنان إلى المخيم. كانت العودة صامتة ، داركن أوصلته ماري إلى عربته، بينما ماري مضت نحو الخيام. حول النار، كان بعض رجال القافلة يحتسون ما تبقى من نبيذ الليلة، والضحكات تتعالى، وجوههم متورّدة من أثر الكحول. لكنها تجاهلتهم تمامًا، سارت نحو خيمتها وكأنهم مجرد ظلال لا قيمة لها.

لكن صوتًا مألوفًا أوقفها.

"ماري، هل يمكنني أن آخذ من وقتك لحظة؟"

كان الصوت لكريغ، أكثر رجال القافلة قربًا من جابيلين، شخص لا يتحرك إلا بإذنه . توقفت ماري بعد سماع صوته ، زفرت بهدوء، ثم استدارت لتنظر إليه بعينين باردتين.

"أتمنى أن يكون الأمر مهمًا، فأنا لا أتحمل الأحاديث الفارغة."

كريغ، القصير الماكر، رمقها بنظرة متفحصة.

"تبدين مرهقة... هل حدث لك شيء؟"

كان يعرفها قوية وصلبة، لكن في تلك اللحظة بدا عليها شيء مختلف. ملامحها كانت هادئة، لكنها مشدودة بما يكفي ليلحظ الفرق.

"أنا فقط متعبة." ردت ماري ، ثم أضافت بنبرة جافة: "والآن، هل ستتكلم أم أتابع طريقي؟"

"الأمر يخص ذلك العبد... جابيلين اتخذ قرارًا بشأنه."

حين ذكر كريغ اسم جابيلين، لمعت عينا ماري بوميض خافت.

"ماذا؟ متى قال ذلك؟ هل وصلنا رسول منه أن ماذا؟"

"طير. أرسل طائرًا برسالة. قال إنه قرر قطع ذراعيه... لاحظ في الغرفة المظلمة أنه يستخدمهما للدفاع عن نفسه، لذلك قرر التخلص منها حتى يزيد من جمالية عرض التعذيب ." رد عليها كريغ مبتسماً و كأنه يقول شيء بسيط للغاية .

كلماته خرجت بسهولة، كأنها مجرّد خبر عادي. لكن ماري شعرت وكأن برودة مفاجئة تسري في عروقها. تخيلت داركن هناك، في كارتوغا، عاجزًا، مقطوع الذراعين، يُنتزع منه ما تبقى من إنسانيته. جابيلين قادر على فعلها، بل سيفعلها، دون تردد.

ومع كل ذلك، تمالكت نفسها بصعوبة. دفنت الصدمة خلف قناعها المعتاد من الصلابة.

"ما دام السيد جابيلين راضيًا... فلا بأس."

ابتسم كريغ، تلك الابتسامة المزعجة التي تخفي سخرية واضحة.

"أنتِ أكثر برودًا من جابيلين نفسه. لو كنتِ ابنته، لورثتِ ثروته من زمان."

ثم مضى، دون أن ينتظر ردًا.

أما هي، فوقفت في مكانها لحظات، وكأنها ابتلعت جمرة. تذكرت كيف يتحدث الجميع عنها، عن ماري الباردة، التي يمكنها قتل طفل دون أن ترفّ عين، إن أمرها جابيلين. لكنهم لا يعرفون الحقيقة... لا أحد يعرف. لا يعلمون كم تكره وجودها هنا، ولا أن السبب الوحيد لبقائها هو أختها... وداركن. كانا وحدهما ما يربطها بالحياة.

مع بزوغ الفجر، حين بدأ الليل ينسحب بصمت، خرجت ماري من خيمتها، وملامح وجهها تحمل آثار أرق طويل. لم تنم. كيف تنام، وقد ظلّت صورة الكابوس نفسه تتكرر في رأسها طوال الليل؟ . نظرت حولها ، لتجد بعض رجال القافلة ما زالوا نائمين قرب الموقد الذي برد رماده. أصوات شخيرهم اختلطت بسكون ما قبل الشروق.

لكن عينيها توقفتا عند عربة داركن، الواقعة عند أطراف المخيم، كأنها نبتة وحيدة وسط أرض محترقة. شعرت بغصّة، بحرقة خفية تتسلل إلى صدرها. تخيلت وجه جابيلين وهو يبتسم ببروده المعتاد، ثم يأمر بقطع ذراعيه. لم يكن الأمر لأنها تحبّه... ليس بعد. لكن شيئًا فيه لا يستحق هذا المصير. شيء يشبهها.

"يجب أن أساعده... لا بد أن أجد طريقة. لكن إن فعلت... قد ينقلب كل شيء ضدي..."

كانت الفكرة تدور في رأسها كدوّامة. احتضنت نفسها، وارتجف جسدها قليلاً. ثم تذكرت شيئًا... ذكرى قديمة، وجعًا لم يندمل، نقشته الأيام في أعماقها، وظلّ يقيدها كلما حاولت التحرر.

ورغم ذلك، تحركت.

عادت إلى خيمتها، وبعد دقائق خرجت تحمل قطعتين من الخبز. لم تكونا دافئتين ولا يابستين، لكنهما كانتا كافيتين لإطعام جائع نسي طعم الأكل. مشت بخطى محسوبة نحو العربة، وألقت نظرة خلفها لتتأكد أن أحدًا لا يراها. حتى وصلت.

فتحت باب العربة بهدوء.

كان داركن مستيقظًا، يجلس في صمت، يحدّق من الفتحة الجانبية الصغيرة، يرقب شروق الشمس، وكأنه ينتظر جوابًا من السماء. حين لمحها، التفت برأسه إليها ببطء، كتحرك ورقة فوق سطح ماء راكد.

"أهلاً..." قالها بصوت منخفض، متردد. ليس خوفًا، بل حياء من أثر الليلة السابقة.

ماري لم ترد فورًا. نظرت إليه، ثم ابتسمت بخفة وقالت:

"أهلاً؟ هكذا تستقبل من يزورك في الصباح؟ المفترض أن تقول صباح الخير." ومدّت يدها نحوه.

تردد لثوانٍ، ثم مدّ يده وأمسك بيدها. شعر بذلك الدفء نفسه الذي أحسّ به في الليلة الماضية، شعورٌ مألوف... لكنه ما زال غريبًا عليه.

"صباح الخير..." قالها وكأن الكلمات تتلمس طريقها في فمه للمرة الأولى.

"منذ متى وأنت مستيقظ؟" سألت ماري، واقتربت لتدخل العربة.

"منذ وقت. جلست أراقب الشمس... لا أعرف لماذا."

"هكذا إذًا." قالتها محاولة إخفاء الحزن خلف ابتسامة خفيفة.

رفعت يديها وقدمت له الخبز.

"خذ. لم تأكل شيئًا منذ أكثر من يوم. وأنت بحاجة إلى طعامك."

نظر إلى الخبز، ثم إلى وجهها. نيتها كانت صادقة، لكنه، لسبب لا يستطيع تفسيره، شعر بثقل في داخله.

"رغيف واحد يكفي. خذي الآخر لنفسك."

رفعت حاجبيها باستغراب، ثم أصرّت بلطف: "لا تقلق علي. أستطيع الحصول على طعام متى أردت. أما أنت..."

وتوقفت فجأة، كأن الكلمة الأخيرة أيقظت داخله حقيقة وضعه... كونه مقيدًا، بلا حرية.

"لا بأس..." رد بهدوء. "لا يمكنني أكل أكثر من رغيف واحد. خذي الثاني، على الأرجح لم تأكلي شيئًا منذ استيقاظك."

ثم مد يده وأخذ رغيفًا واحدًا فقط.

بدأ داركن بأكل الخبز، بينما بقيت ماري صامتة تراقبه. تصرفه هذا بدا وكأنه اهتمام خفي؛ فضّل أن تحصل على نصيبها بدلاً من أن يحتفظ به لنفسه. شعرت بدقات قلبها تتسارع، ولتخفف من ارتباكها، بدأت تأكل الخبز الذي بيدها ، فقط لتستعيد توازنها.

كانت تأكل ببطء، لا لأنها جائعة، بل لأن فمها لم يعرف كيف يتجاهل قلبها؛ ذلك القلب الذي بدأ ينبض بإيقاع غريب كلما نظرت إلى داركن. لم يكن شعورًا يدعو للنفور... لا، بل كان شيئًا أعمق، أقدم، كأنه وجد طريقه إلى روحها من خلال شرخ قديم ظنّت أنه التأم. داركن لا يدرك، وربما لن يدرك أبدًا... لكنها، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن هناك من يستحق أن تخاف عليه.

مرّت لحظات طويلة، صامتة، لم يُسمع فيها سوى صوت القضمات الخفيفة، ونسيم الصباح المتسلل إلى العربة عبر شقوق الخشب. بدا وكأن الزمن قد توقف، وكأن لا شيء خارج تلك العربة له وجود... سوى هي وهو، وتلك النظرات العابرة التي تخفي ما لا يُقال.

"أشكركِ..." قالها داركن فجأة، وصوته يحمل ترددًا خفيفًا، كأن الكلمة أثقل مما تبدو.

نظرت إليه ماري، وعيناها الواسعتان تحاولان قراءة ما وراء نبراته، لكنه لم يضف شيئًا. فقط أدار وجهه نحو الفتحة الجانبية، متأملاً طلوع الشمس، كأنّ كلمته تلك كانت كل ما يستطيع منحه.

ماري لم تقل شيئًا أيضًا. جلست بجواره، بصمت، تراقب الضوء وهو يتمدد ببطء على وجه الأرض، كأن الشمس كانت تخط أولى سطور النهار بعناية وهدوء. لحظة نادرة من السكون، كأن الزمن قرر أن يتوقف بين قلبين لم يعترفا بعد بما يشعران به.

لكن الهدوء، كما العادة، لا يدوم طويلًا.

من جهة المخيم، بدأت الحياة تدبّ تدريجيًا. وقع الأقدام على التراب، أصوات الرجال يتثاءبون ويجرّون أجسادهم من تحت الأغطية البالية، وتتابعت أوامر "كريغ" الحادة وهو يعلن بداية يوم جديد من السير.

أدركت ماري أن اللحظة انتهت. اعتدلت واقفة، نفضت بعض الفتات عن ردائها، ثم حدّقت في داركن للحظة صامتة، قبل أن تهمس بصوت خافت:

"استعد... سنكمل السير اليوم. كارتوغا ليست بعيدة بعد الآن. مع نهاية هذا اليوم، سنكون على حدود المملكة الجنوبية."

همّ داركن حتى يسألها شيئًا، شيء كان على طرف لسانه، لكن صوته خانه. فاكتفى بإيماءة صغيرة حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله.

نزلت من العربة بخفة، ووجهها استعاد صلابته المعتادة، ملامحها عادت إلى ما يتوقعه الجميع منها: ماري الباردة، الحادة، التي لا يقرأ لها أحدُ وجهًا. لكنها كانت تخفي، تحت هذه القشرة الصلبة، اضطرابًا لا يقلّ عن العاصفة.

أغلقت باب العربة بإحكام، ثم مضت نحو قلب المخيم، حيث الرجال والعبيد يتحركون في فوضى منظمة استعدادًا لاستئناف الرحلة. وقفت للحظة تراقبهم، حتى قطع صمتها صوت مألوف خلفها.

"مستيقظة قبل الجميع... هل نلتِ قسطًا جيدًا من النوم البارحة؟"

كان كريغ، يبتسم بنفس الابتسامة السمجة التي اعتادت أن تثير حنقها. نبرته، كعادته، مزعجة أكثر من سؤاله.

استدارت إليه بنظرة ضيقة وقالت ببرود: "هذا لا يعنيك. سواء نمتُ جيدًا أو لم أنم إطلاقًا، فذلك ليس من شأنك ولا يبرر أن تحشر أنفك فيه."

نبرتها كانت حادة، وأشد مما قصدت. لكنها لم تندم. تذكّرها بكلماته الباردة ليلة البارحة، حين أخبرها عن قرار جابيلين، جعل الدم يغلي في عروقها من جديد.

كريغ لم يرد. فقط اكتفى برفع يديه كمن يعلن استسلامًا ساخرًا، ثم استدار ومضى في طريقه، تاركًا خلفه غيمة من الانزعاج والشك تحوم حول رأس ماري .

وقفت ماري في مكانها لحظة، تستجمع بقايا هدوئها. جلوسها إلى جانب داركن جعلها تنسى ــ ولو مؤقتًا ــ فظاعة ما ينتظره في كارتوغا. لكنها كانت تعرف... تعرف تمامًا أن كل لحظة دفء ستُقتطع منها حين تصل إلى هناك. ومع ذلك، تماسكت. بصعوبة، لكن تماسكت. لم تكن تملك حق الانهيار الآن. ليس بعد.

2025/05/22 · 37 مشاهدة · 1508 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026