تنويه بسيط :-

مؤلف الرواية [ Aeryx Erython ] سيوفر صور لشخصيات الرواية قريباً ، لم يحدد الموعد بشكل دقيق ، لكنه ذكر شيء عن توفرها في الفصول العشرية [ غالباً ما بين العاشر و التاسع عشر ] .

في حال توفرت الصور ، سيتم ارفاقها مع الفصول ( تحديداً نهاية الفصل ) لتجنب تخريب ترتيب النشر .

و الأن استمتعوا بالفصل ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد ساعة، انطلقت القافلة من جديد في سيرها لليوم الثالث، تخترق الأرض الجافة على الحدود الشرقية لمملكة كرونتورا. كانوا يشقّون طريقهم شمالاً، نحو الخط الذي يفصل كرونتورا عن كارتوغا—ذلك الخط الذي يُعدّ في آنٍ واحد نهايةً وبداية؛ نهاية للرحلة، وبداية لمصير ينتظر البعض بصمت.

سارت القافلة بسلاسة لعدة ساعات دون أحداث تذكر. ماري كانت كعادتها تتقدّم الموكب، تمتطي فرسها إلى جانب كريغ، دون أن تبدي اهتمامًا بحديثه المعتاد الذي يجمع بين التفاهة والوقاحة.

"آنسة ماري~، هل حدّثتكِ من قبل عن حبيبتي التي تعيش في مملكة كارتوغا؟" قالها كريغ بنبرة مرحة، وعيناه تلمعان بنوع من الفخر الطفولي.

ماري ردّت ببرود دون أن تلتفت إليه: "لا، لم تفعل."

ثم فكّرت في نفسها بسخرية: ' هل يمتلك هذا الأبله قلبًا أصلاً؟ أشفق على تلك المسكينة التي علقت معه .'

ابتسامة كريغ اتسعت وهو يواصل بحماس: "اسمها ليليا. شابة لطيفة، ليست نحيفة، لكنها تعجبني. تطهو بشكل لا يُصدق! يجب أن تتذوقي طبخها يوماً ما."

ماري لم تبدِ أي انفعال، لكنها قالت بسخرية مغلّفة بجمود:

"يبدو أن معدتك هي من وقعت في حبها، لا قلبك."

كانت تنوي أن تبتسم بسخرية، لكنها منعت نفسها، كأنها لا تريد منحه حتى هذا القدر من التفاعل.

ضحك كريغ بصوت خفيف، لكن عينيه لمع فيهما شيء آخر، شيء من الخبث المغلف بالفضول. اقترب قليلاً وسأل بنبرة خفيفة لكنها مزعجة: "وماذا عنكِ، آنسة ماري؟ لا يمكن لفتاة مثلك، بهذا الجمال والجسد، أن تكون بلا حبيب. قولي لي... من الذي يسكن قلبك؟"

صُدمت ماري من سؤاله. لم تُجب فورًا، بل استغرقت لحظة، ليست لأنها مرتبكة، بل لأنها لم تفكر قط في مثل هذا السؤال. "حبيب"؟ الكلمة نفسها بدت غريبة عليها، كأنها من لغة أخرى لم تتعلم نطقها بعد.

لكن، دون إذن منها، خطر داركن في ذهنها—ذلك العبد المتعب، المنسي في العربة الأخيرة. لم يكن حبًا، ليس بعد. لكن وجوده تسلل إلى شيء في داخلها لا اسم له.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيها، بالكاد مرئية، ثم قالت بنبرة هادئة: "لا يمكنني إخبارك. ليس لأني أخجل من اسمه، بل لأني لا أريد مشاركة ما يخصني معك."

ثم استدارت بنصف وجهها، لتكمل بابتسامة أكثر اتساعًا:

"لكن سأقول لك شيئًا واحدًا... هو أفضل منك بكثير."

سقط الصمت على اللحظة كصخرة. كلمات ماري كانت رشيقة في ظاهرها، لكنها ثقيلة بما يكفي لهدم أي ابتسامة.

كريغ لم يرد. ضحكته اختفت، ونظراته فقدت بريقها الماكر. كانت ماري تقصد السخرية فقط، لكنها، حين تفكّرت في ما قالته، شعرت بوخز داخلي... كانت تعرف ما هو هذا الشعور، لكنها تأمّلت أن لا يكون كذلك ، ليس بعد .

مرّت ساعة أخرى من السير، حتى وقع خلاف بين رجلين وسط القافلة، مما اضطرها للتوقف.

تقدمت ماري بخطى ثابتة نحو موقع الشجار. كانت نبرتها حادة عندما قالت: "ما الذي يحدث هنا؟"

نظرات الجميع التفتت إليها، كأن مجرد صوتها كان كافيًا لفرض النظام.

وصل كريغ على حصانه، وابتسامته المعتادة عادت لتُزين وجهه، قبل أن يرمي تعليقه كسهام سمجة: "أوه~ أليس هذا إيرك؟ البائس الذي سحقته الأنسة ماري ذات يوم؟" قالها بنبرة مستفزة، والنشوة تلمع في عينيه.

الشجار كان بين رجلين من رجال القافلة. أحدهما بدا غاضبًا مرتبكًا، والآخر كان إيرك—الرجل الذي حاول أن يجلد داركن، قبل أن تضعه ماري في مكانه بقسوة لن ينساها. كان إيرك يرتجف، ووجهه يقطر غضبًا وإذلالًا، وما زاد الطين بلّة هو تعليق كريغ، الذي أشعل شرارة جديدة في عينيه.

تشنجت ملامحه، كأن الجمر تحت جلده بدأ يتوهج من جديد. لم يكن الشجار مجرد خلاف، بل تراكم مرارة، طُمر تحت الانضباط، وها هو اليوم يطفو إلى السطح من جديد.

"أخرس أيها الوغد اللعين!" صرخ إيرك بصوت مرتجف، كمن يحاول النجاة من الغرق بالصراخ. "لم أخسر! أنا فقط... سمحت لها بأن تضربني، ولو أردت، لسحقت تلك العاهرة!"

الهواء تجمد. لم يكن أحد يتوقع أن يتجرأ على قول ذلك. بعض رجال القافلة والعبيد—من داخل العربات ومن خارجها—رفعوا رؤوسهم. اللحظة التي انطلقت فيها الكلمة النابية من فمه بدت كأنها اخترقت الهواء نفسه، وعلقت هناك للحظات طويلة وثقيلة.

وجه ماري تجمّد. ليس من الصدمة، بل من الغضب البارد، ذاك النوع الذي لا يصرخ ولا يلعن، بل ينفذ. ترجّلت عن فرسها بهدوء قاتل، خطواتها كانت كأنها تقيس الأرض من تحتها، وكل خطوة منها زرعت في قلب إيرك رجفة إضافية.

"بماذا وصفتني؟"

قالتها بنبرة بالكاد تسمع، لكنها كانت أثقل من السيف. كان في نبرتها شيء يجعل الدم يتجمد في العروق.

إيرك ابتلع ريقه ببطء، فمه يتحرك بلا صوت في البداية، كأنه يحاول التراجع، لكنه اختار الشجاعة المصطنعة. رفع ذقنه قليلاً وقال:"قلت... أنكِ عاـ"

لم تكتمل الكلمة.

ركلة صاعقة اخترقت الهواء. قدم ماري ارتفعت كأنها سهم، وضربت وجهه بقوة لا تتناسب مع جسدها الأقل حجمًا. سقط إيرك أرضًا كدمية فقدت خيوطها، رأسه التوى إلى الجانب، ووجهه ارتطم بالتراب القاسي.

رغم قصر قامتها النسبي، إلا أن طول ساقيها المدربتين أتاح لها الوصول بسهولة لوجهه، والنتيجة كانت ضربة تركت الجميع في صمت مذهول.

أقتربت منه بينما هو يتلوى على الأرض، ووقفت فوقه، سيفها لا يزال في غمده، لكنها كانت كمن يحمل الموت في نظراته وحدها. قالت بنبرة ثابتة، باردة حد التجميد: "لقد منحتك فرصة أن تبقى حيًا... دون إعاقة. لكن يبدو أنك تطلب الموت، وهذا أمر لا أمانعه." ثم، وبلا تردد، سحبت سيفها من خاصرتها.

الهمسات اختفت. الهواء نفسه بدا كأنه توقف. رجال القافلة، العبيد، الجميع كان يراقب، وكأنهم لا يجرؤون على التنفس. لم تكن هذه ماري الجندية الصارمة فقط، بل ماري التي خرج شيء منها عن السيطرة.

حتى كريغ، الذي راقب المشهد عن بعد، كانت الابتسامة ترتسم على وجهه وكأن ما يحدث عرض خاص له.

إيرك التفت نحو كريغ، عينيه تبحثان عن مخرج، عن شفقة، عن أي شيء. لكن ما قابله كان تعليقًا مسمومًا من الرجل الذي اعتاد اللعب بالنار: "لا تقلقي يا آنسة ماري، لن يلاحظ السيد جابيلين أي نقص... وإن لاحظ، فسيعوضه ببساطة."

جملة كريغ كانت أقرب لختم الموافقة. حين أعاد إيرك نظره لماري، لم يجد فيها أي تردد.

وغُرِز السيف.

اخترق عنقه في لحظة صامتة، وخرج من الجهة الأخرى ببطء. مات إيرك وهو ينظر إلى وجهها الجامد، البارد، كأن الحياة لم تكن فيه يومًا.

سحبت سيفها دون أن تنظر إلى الجثة، ولو لمحة. نفضت الدم عنه بحركة اعتيادية، كما لو أنها تنظف حذاءها من غبار.

ثم قالت بصوت عالٍ، موجهة للجميع: "إيرك مات وهو يحاول اغتيال القائد كريغ. وتم التعامل معه وفقًا للأوامر."

كانت نبرة تقريرية، لا تقبل الجدل، لا تحتمل التأويل. الكذبة كانت مُحكمة. البعض تجمدوا في أماكنهم، والبعض الآخر نظر إلى كريغ، كأنهم يبحثون عن تصديق رسمي.

وكريغ لم يخيبهم. قال بتصنع درامي، وهو يضع يده على صدره كمن نجا من مصيبة: "اللعنة... لحسن الحظ أنكِ قتلته. لا أعرف ما كان سيحدث لو لم تتصرفي بسرعة. ربما كنتُ الآن ميتًا~"

كانت نبرته ساخرة، هزلية، تمثيلية... لكنها خدمت الغرض تمامًا.

هكذا، تم زرع الكذبة في عقول الجميع، ونمت خلال دقائق، لتصير حقيقةً لا غبار عليها. أيرك لم يمت بسبب لسانه القذر، بل لأنه كان "خائنًا"، "مغتالاً"، "تهديدًا للقافلة".

من جهتها، ماري نظرت إلى جثته بتقزز لا تخفيه. لم تكرهه فقط بسبب وقاحته، بل لأن يده هي أول من رفع السوط على داركن، في الليلة الأولى بعد انطلاقهم من المعسكر. رفعت سيفها، ووجهته نحو عينيها، حتى رأت انعكاسها—عين بنيّة بلون شعرها، تحدق بها من خلف الفولاذ.

شعرت بنوع من الرضا... ونوع من الانزعاج. لكنها تجاهلت كلا الشعورين. المهم الآن، أنها خلّصت القافلة من عنصر مزعج، وقد قلّت احتمالات المشاكل لهذا اليوم على الأقل.

كانت ماري على وشك إعادة سيفها إلى غمده بعد أن أنهت أمر إيرك، لكن في لحظة خاطفة، اخترق الهواء صوت حاد، تلاه ارتطام عنيف. سهم مر بمحاذاة وجهها وأصاب رأس أحد رجال القافلة، ليسقط على الأرض كدمية خالية من الروح. جمدها الذهول، لم تستوعب ما حدث للحظة، حتى سمعت صرخة كريغ العالية وهو يستل سيفه قائلاً: "هجوم! نحن نتعرض للهجوم! احموا القافلة!!"

من بين الصخور والشجيرات المتناثرة على جانب الطريق، خرجوا كأنهم كوابيس حيّة، وجوه مغطاة وعيون تلمع بالشر، قطاع طرق اندفعوا نحو القافلة كالطوفان. أحدهم، مستقرًا على حصانه، صرخ بصوت متهكم: "اقتلوا من يقاوم! انهبوا العربات! اقبضوا على النساء!"

رجال القافلة لبّوا نداء كريغ واندفعوا إلى المعركة، فاندلعت مواجهة دامية. صليل الحديد ارتفع، والدماء تناثرت في كل اتجاه. كان كل شيء سريعًا، عشوائيًا، غارقًا في الجنون. ومع كل ذلك، جاءت السهام النارية كخاتمة لجحيم ابتدأ، عشرات منها سقطت على العربات، فاشتعلت النيران فيها كأنها محكومة بلعنة. عربات البضائع احترقت، وعربات العبيد اشتعلت فيها الأرواح قبل الأخشاب. صرخات بشرية ملتهبة ملأت المكان، أجساد تقفز وتتهاوى والنار تمزقها ببطء، دون رحمة.

ماري، وسط هذا الجحيم، كانت تقتل، تقاتل كأنها آلة من نار وحديد، سيفها يمزق الأجساد بلا تردد. لكن وسط ذلك كله، ذكرى واحدة اخترقت وعيها... داركن. كان لا يزال في عربته، مقيدًا، غير قادر على الهرب. توقفت لوهلة، ثم استدارت واندفعت بين الحشود، تقطع رقابًا وتشق طريقها بجنون، والدماء ترسم مسارًا خلفها.

وصلت إلى العربة، فتحت الباب بعنف وصرخت: "داركن! هيا! أخرج بسرعة!"

في الداخل، كان جالسًا كما تركته، ملامحه هادئة بشكل غريب. رفع رأسه نحوها وقال بنبرة خافتة: "ماري؟ ماذا يحدث في الخارج؟" لم تكن نبرته توحي بالخوف، بل كأن العالم المشتعل حوله لا يعنيه.

لم تضيّع ثانية، دخلت وسحبته من ذراعه، جرّته للخارج وهي تتحدث بسرعة ولهاث: "القافلة تتعرض للهجوم على يد قطاع طرق غرباء ، عددهم كثير. العربات تحترق، وعربتك لا تزال سالمة، لكن لا وقت لكل هذا."

حين خرج ، وقعت عيناه على المشهد، الذي صعقه في مكانه . جثث متفحمة ، نيران تلتهم العبيد ، صراخ، أطراف متناثرة على الأرض، دخان كثيف ورائحة لحم محترق. تراجع خطوة، الذهول يجمّد حركته وكأن الزمن توقف داخله.

أمسكته ماري من كتفيه، هزّته بعنف، نظرت في عينيه وقالت بنبرة مشحونة: "داركن! اسمعني جيدًا!" كانت ملامحها مشدودة، بين الغضب والرعب والقلق. "لم أرد إخبارك بهذا، لكن عليك أن تعرف. جابيلين يخطط لبتر يديك حين نصل إلى مملكة كارتوغا. يريد أن يجعلك تتعذب، أن يشاهدك تنهار، وهذا... هذا أمر لا أستطيع فهمه حتى الآن و لا حتى تقبله!."

وجه داركن تغيّر، ملامحه تكسّرت فجأة، كأن ما سمعه كشف له عمقًا جديدًا في الجحيم الذي يعيش فيه. أراد أن يبتعد، أن يهرب من كلماتها، من لمستها، لكنه لم يستطع. كانت لا تزال ممسكة به، تنظر إليه بإصرار وشيء آخر... شيء لا يُقال بسهولة.

"كنت أحاول إيجاد طريقة. حلّ، أي مخرج. أردت تهريبك، إنقاذك، لكن لم أستطع. كل الطرق كانت مغلقة." شدّت على كتفيه، عضّت شفتها السفلى، ثم تابعت بصوت مرتفع، كأنه رجاء أخير: "لكن الآن... هذه فرصتك. اهرب. اركض بعيدًا. لا تلتفت. فقط... اختفِ عن هذه القافلة اللعينة."

كانت عيناها تتوسلان له، ليس فقط أن يهرب... بل أن يعيش. أن يغادر هذا المصير، أن ينجو ولو وحده. ورغم الدمار من حولهما، ورغم كل الدم والرماد، كان هناك لحظة بينهما... لحظة إنسانية خالصة، وسط أكثر الأماكن ظلمًا.

الهرب؟ لم يخطر لداركن يومًا أن يكون الهرب خيارًا حقيقيًا. كان يظن أن فكرة الحرية قد سُلبت من روحه، لا من جسده فحسب. الهرب يعني أن هناك عالمًا خارج هذا السجن الطويل... عالمًا يمكنه أن يسير فيه دون قيد أو صوت سياط. في هذه اللحظة، بدا وكأنه حصل على فرصة. فرصة للابتعاد عن كل ما يحرقه، يطحنه، يهشمه. فرصة ليكسر القيد الذي صار جزءًا من جلده.

لكن شيئًا ما قيّده من جديد... لم يكن قيدًا من حديد، بل صوت خافت، تساؤل خرج من أعماقه المرتجفة: "لكن... ماذا عنك؟" قالها، بصوت متوتر، ثم أكمل وهمه يتكسر بين الحروف: "ألن تأتي معي؟" كلماته خرجت كأنها من فم طفل لا يستطيع أن يمشي دون أن يمسك يد أمه.

نظرت ماري إليه، تفاجأت، ترددت. للحظة، بدا لها ضعيفًا... لا، ليس ضعفًا مذلًا، بل إنسانيًا، هشًا، صادقًا. شيء جعل قلبها يرتجف. تنهدت بخفة، واقتربت منه، خفضت رأسها حتى لامس جبينها جبينه، وهمست بصوت رقيق، صوت يحمل كل ما لا تستطيع التعبير عنه بالكلمات: "لا تقلق بشأني... سأكون بخير."

ثم أغمضت عينيها للحظة، وفتحتها لتكمل بصوت دافئ، كأنها تعيد له شيئًا فُقد منذ زمن بعيد: "ما يهمني هو أن تغادر هذا الجحيم. أن تصبح حرًا. هذا ما أريده، وما أراه فيك..."

كان يريد أن يقول شيئًا، أي شيء. لكن ماري لم تمهله. رفعت يدها ببطء وأسقطت سيفها أرضًا، ثم أمسكت وجهه بكلتا يديها، نظرت إلى عينيه بعمق، ثم قبلته... قبلة قصيرة، لكنها لم تكن عادية، بل شيء أشبه بالنبض الأول لقلب ميت.

ابتعدت قليلًا، وجهها لا يزال قريبًا، أنفاسها تتلاحق، ثم همست: "ربما... لأنني وجدت فيك ما أحلم به كفتاة."

كانت كلمتها تلك كفيلة بأن تهز داخله جدارًا قديمًا، صلبًا، جدارًا بُني بالحزن، والقهر، والخذلان. شعر أن شيئًا ينكسر داخله، لكن الكسر هذه المرة لم يكن مؤلمًا، بل كان بداية لشيء مختلف... مجهول. قلبه تسارع، عينيه اتسعتا، ولسانه انعقد. لم يعرف كيف يُعبّر، لم يعرف إن كان ما يشعر به خوفًا أم دهشة... كل ما يعرفه أنه للمرة الأولى، يشعر... حيًا.

وقفت ماري، انحنت والتقطت سيفها، ثم نظرت إليه بحمرة خجل فاضحة، وقالت بسخرية مرتبكة: "أقوم بهذا و خلفي قتال دموي؟ يا لي من فتاة خرقاء..." ضحكت بخفة، والدماء من حولها، والنيران، والصراخ... ومع ذلك، بدا المشهد فجأة كأنه ينتمي لحكاية أخرى.

اقتربت منه ثانية، وضعت يدها على صدره، بهدوء، كأنها تربّت على قلبه، وقالت بنبرة حازمة، ولكن بلطفٍ نادر: "الآن اذهب... أنت حر الآن."

ثم استدارت، خطت خطواتها نحو ساحة القتال، نحو الضجيج، نحو الجحيم.

وقف داركن يراقبها، لم يتحرك، لم يتنفس. أراد أن يركض خلفها، أن يصرخ، أن يطلب منها أن تبقى معه، أن يذهبا معًا إلى أي مكان آخر. لكنها سبقته، صرخت دون أن تلتفت:

"ارحل! لا أريد أن أراك هنا مجددًا!" ثم، بصوت خافت بالكاد سُمع، قالت: "أرجوك... فقط غادر."

لم يرَ وجهها. لم يعرف إن كانت تبتسم، تبكي، أم تنزف من الداخل. لكن كلماتها كانت كافية، كانت خاتمة لا تقبل الرد.

اللحظة التي جمعتهما بدت كأنها استمرت دهرًا، رغم أنها لم تتجاوز الدقائق القليلة. كانت كلماتها الأخيرة هي الصاعق الذي جعله يتحرك أخيرًا. بدأ يمشي، ثم أسرع، ثم ركض. ووجهه لا يزال يلتفت نحو الخلف، كأن شيئًا منه لم يغادر بعد.

اندفع داركن نحو طريق لا يعرف ما يخفيه له، كأن المجهول دعاه فجأة، وأجبره على الطاعة . خلفه، بقيت ماري واقفة ، لم تلتفت إليه في البداية ، وكأنها تتعمد ذلك، لكنها التفتت أخيرًا، بعد أن ابتعد بما يكفي ليصعب الوصول إليه. عيناها كانتا محمرتين، كما لو أن غباراً دخل فيهما ، لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير... لقد كانت تدمع. لا أحد يدري إن كان ذلك حزنًا أم ألمًا، سوى قلبها الذي بقي صامتًا، رغم الضجيج.

صليل السيوف وصرخات الرجال تلاشت من وعيها للحظة، بينما كانت تراقب داركن وهو يركض بصعوبة، يترنح مع كل خطوة كأن جسده يُقَطَّع من الداخل. كانت تعلم تمامًا كم أن قدميه متأذيتان، وكانت تعرف أن كل خطوة تؤلمه أكثر مما يظهر. أرادت أن تلحق به، أن تهرب معه، لكنها لم تستطع. ثمة أخت صغيرة تنتظرها، ثمة مسؤولية لم تستطع الهرب منها... تمامًا كما لم تستطع الهرب من شعورها.

"لا أعرف لماذا"، فكرت ماري، وهي تتابع خيال داركن يذوب مع الأفق، "لكن بداخلي يقين غريب، أن هذا الرجل... رغم مظهره، رغم غموضه... أفضل من أي رجل عرفته في حياتي. لم أفهم السبب، ولم أرَ منه شيئًا يبرر ذلك، لكنني أشعر... أنه رجل حقيقي. فقط يحتاج وقتًا... كي يشفى."

سرحت دمعة على خدها، دافئة وصامتة، كما لو أنها خرجت من مكان خفيّ في قلبها عن طريق عينها .

بصوت خافت، أجشّ، همست قائلة : "سأكون صريحة... لم أفكر يومًا في داركن كشخص قد أتقرب منه بشكل حميمي، لم أنوي بناء لحظة رومانسية و ..." ثم ابتسمت، ابتسامة عريضة متعبة، كأنها تسخر من نفسها: "من أحاول أن أخدع؟ أنا بالفعل أحب داركن... وهذه هي الحقيقة."

كان اعترافًا بلا شهود ، بلا ردّ، بلا وعود. لكنها، ولأول مرة، شعرت بأنها صادقة تمامًا.

مسحت دموعها بظهر يدها، وأدارت وجهها نحو القافلة. هناك، كان الجحيم يشتعل. صراخ، ودم، وشر، وحقيقة واحدة تُصرّ على البقاء: عليها أن تقاتل. تقدمت أولًا بخطوات بطيئة، ثم أسرعت، ثم ركضت، حتى قفزت إلى وسط المعركة كعاصفة. سيفها يشق الهواء، عيناها لا ترى سوى العدو، وقلبها... يخبئ صورة واحدة: داركن، يركض نحو حريته.

هي لم تكن تبتسم، لكن في داخلها... كانت تفعل.

في جهة أخرى، كان داركن يركض. الألم في قدميه بلغ حدًا لا يُحتمل، كل خطوة كانت كطعنة، كل نفس كمن يحفر في جسده بأسنان النار. أراد أن يتوقف. الجسد يطلب الرحمة، لكنه تذكّر كلمات ماري، نظراتها، أفعالها الأخيرة. لم يفهم لماذا عاملته بتلك الطريقة، لم يفهم مشاعرها، لم يفهم حتى نفسه، لكن إحساسًا غامضًا أخبره أنها لم تكذب. كانت تريد مساعدته... حقًا.

شدّ على نفسه. زفر بقوة. تقدم خطوة أخرى، ثم التي بعدها، وكل ما يملكه من طاقة ركزها في شيء واحد: الاستمرار.

لم تكن الحرية واضحة في ذهنه. لم يكن يعرف كيف تكون، ما هي، أو ما الذي سيجده إن وصل إليها. لكنها كانت هناك، في المدى، فكرة مبهمة تحمله رغم ألمه، تحرّك ساقيه المتآكلتين. وبدون أن ينتبه، اختفت الأرض من تحته.

وصل إلى حافة جرف صخري شاهق، يطل على البحر مباشرة. لم يكن هناك تحذير. لم يكن هناك وقت للتراجع. جسده اندفع إلى الأسفل، كأن كل ما مرّ به، كل شيء، كان يقوده إلى هذه اللحظة بالذات.

لم يقاوم. لم يصرخ. فقط... استسلم.

وخلال سقوطه، اندفعت الصور أمام عينيه. ماري، وهي تبتسم عند الجدول في الليلة الماضية. ماري، وهي تحتضنه. ماري، وهي تقبّله قبل لحظات فقط. لم يفهم تلك المشاعر، لم يعرف ما يعنيه الحب أو الحنان، لكن شيئًا ما استقر داخله.

ماري... كانت الضوء الوحيد في أيامه المعتمة. كانت أول من رآه لا كعبد أو خطر، بل كإنسان. وقبل أن يبتلعه البحر بلحظة، أدرك حقيقة واحدة:

ماري... أنقذته. ليس من السجن فقط، بل من نفسه. أخرجته من الظلمة... لا إلى النور، بل إلى شيء أوسع، أبعد، وأغرب... إلى المجهول.

2025/05/22 · 28 مشاهدة · 2825 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026