لم يدرك داركن خطأه إلا بعد فوات الأوان، حين شعر بأن قدمه لم تلامس أرضًا ثابتة، فقط هوى نحو الأسفل، إلى ذلك المحيط العاتي الذي كانت أمواجه تضرب الجرف الصخري بعنف، كما لو كانت تحاول اقتلاعه. لحسن حظه، لم يسقط في بقعة صخرية، وإلا لكان الموت محتمًا. لكن ما إن ابتلعته المياه حتى انجرف إلى الأعماق، بلا قدرة على السباحة، وبلا أدنى رغبة في النجاة.
لم يقاوم. لم يحاول الصراخ ، لم يمدّ يده طلبًا للنجدة ، كأن شيئًا في داخله كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد ، و أجبره على العدول عن أي قرار يتعلق بالهرب من هذا الموقف . لم يكن الغرق مشكلة بالنسبة له، بل ختامًا صامتًا لحياة مأساوية تجرع فيها المر و الأمر ، أمنية دفينة وجدت أخيرًا طريقها إلى التحقق. اجتاحه شعور غريب، مزيج غريب من الراحة والاستسلام، كأن صدره، الذي ضاق بالحياة طويلًا، وجد في الموت متّسعًا مريحاً . حاول أن يُفكر، أن يكوّن فكرة واحدة أخيرة يُودّع بها نفسه، لكن الصمت غلبه، وثِقل الماء من حوله بدا وكأنه يُخمّد حتى صدى أفكاره.
كان شعره الطويل المبتل يلتف ببطء حول وجهه، يلتصق بعينيه، يلتف على فمه، يخنقه بصمت ناعم، لا يُؤلم لكنه يُغلق عليه العالم. لم يعد يرى النور، لم يعد يشعر سوى بثقل جسده وهو يهبط، وبقلبه الذي يخفق بتباطؤ، كما لو كان يعدّ آخر نبضاته. كل شيء فيه كان ينحلّ، يتفكك، ينسحب من الحياة دون ضجيج. وكأن روحه ذاتها بدأت تنزلق من بين أضلاعه، بهدوء يشبه الغياب الأبدي.
' هذا الشعور... أصابعي تحترق... وكأن نارًا تلتهمها '
' الشمس... تصبح أبعد... وكأنها تبتعد عني... تتركني '
اندفع الماء إلى فمه بقوة —كونه لم يغلقه فور سقوطه— ، دون أن يمنحه فرصة للرفض ، وكأن البحر قرر التهامه بالكامل ، من الخارج و الداخل . شعر باختناقٍ حاد، صدره انقبض بعنف ، كأن الهواء خانه في اللحظة الأخيرة، وترك رئتيه تتلوّيان بحثاً عن الهواء . كل محاولة للتنفس كانت فرصة لأدخال المزيد من المياه المالحة للداخل ، وكل ثانية تمرّ، كانت تسرق جزءًا من وعيه. بدأت الرؤية تتشوش، الشمس فوق سطح الماء لم تعد نورًا، بل بقعة مهزوزة، منكسرة، تتلاشى وسط الدوامات المتراقصة، تغيب كما يغيب آخر أمل فيه. جسده استسلم للعمق، يغوص بلا مقاومة، نحو العتمة الباردة، نحو صمتٍ ثقيل، نحو المجهول الذي طالما خافه... وها هو الآن، يعانقه.
' هل هذا... هو الموت؟ كما وصفه... أيدي؟ لا أذكر كلماته بدقة... لكنه قال شيئًا عن البرد... والثقل... وفقدان الوعي. نعم، أظن أنه هو... '
ومع ذلك، لم يجزع. لم يقاوم ، لم يتشبث بخيط بأي خيط للحياة . بل تقبّل الموت بصدر رحب ، كمن يعود إلى مكان يعرفه جيدًا، ويشتاق إليه سرًا. لم يكن الموت في عينيه نهاية، بل بداية أخرى، خالية من الألم، خالية من الخوف، من الجوع، من البرد، من الإهانات التي لطالما مزّقته من الداخل. كان الموت وعدًا بالسكينة، أن لا يُضرب بعد الآن، ألا يُهان، ألا يُجرّ كالحيوان تحت سياط القسوة. هناك، حيث سيُترك أخيرًا في سلام.
استسلم داركن، وانطفأ النور في عينيه، لكن داخله لم ينطفئ بالكامل. في لحظة غريبة بين الغرق والغياب، تسللت بعض الذكريات إلى روحه، دافئة، ناعمة، تُخفف من برد البحر ومرارة النهاية. رأى نفسه من جديد، يجلس قرب الخيول ، و بجانب الزهور ، يغمض عينيه بينما تلامس وجهه فراشات صغيرة أثناء سير القافلة. وتذكّر أيدي، العبد الذي لم يعرف عنه الكثير ، لكنه تعلم منه ما هو أكثر ، كان أشبه بالربان الذي يقود سفينة داركن في بحر الجهل . منحه فهماً، علّمه كيف يتكلم، كيف يفكر، كيف يكون إنسانًا.
أما ماري... فكانت شيئًا آخر. لم يتعدَّ لقاؤهما ثلاثة أيام، لكنها ترسّبت في ذاكرته كأنها حياة كاملة. لم تكن مجرد ذكرى، بل دفء نادر تسلّل إلى قلبه المتجمد. كان عناقها مختلفًا، نظراتها خالية من القسوة التي اعتادها، وكلماتها لم تحمل سُمّ الإهانة بل طُهر الطمأنينة . معها، شعر للمرة الأولى بأن قلبه يمكن أن يهدأ، أن يسكن. أراد البقاء بقربها، أن يتذوّق ذلك السلام مرة أخرى، لكن البحر، بعناده الصامت، كان قد قرر أن يأخذه بعيدًا.
أرتسمت على وجهه إبتسامة باهتة، لم يصنعها وعيه، بل حفرها الاستسلام على ملامحه. بشرته بدأت تميل إلى الزرقة، وملامحه تخبو، لكن تلك الابتسامة ظلت هناك، خفيفة، صافية، كأنها توقيع على نهاية اختارها بقلب راضٍ. وفي أعماقه، عند آخر خيط من وعيه، همس لنفسه همسًا داخليًا: "أنا... سأقبل الموت."
أغمض داركن عينيه، مستسلمًا بهدوء . لم يطلب الكثير، فقط تمنى أن يكون مصيره ذاك المكان النقي الذي لمح فيه الطفل بيغاريوس، ذاك الكائن الذي جسّد البراءة والصفاء. أراد أن يعود إليه، أن يلعب معه، أن يضحك كما لم يضحك من قبل، أن يشعر – ولو للحظة – بأنه حي، حتى إن كان ذلك بجسد غائب، بروح تسبح في سلام.
لكن فجأة... انفجر صوت غريب . لم يكن مجرد نداء، بل زئير كوني دوّى في أعماقه، مزّق صمت البحر، بل و مزّق قانون الواقع نفسه. في لحظة، اختفى الإحساس بالماء، وذاب ثقل الغرق، حتى الخوف الذي كان يلف قلبه انكمش، واستُبدل برعب من نوع آخر. رعب لا يشبه الخوف من الموت، بل خوف من شيء يتجاوز الفهم، من حضور يفوق الوجود ذاته. كان يطفو، بلا هدف ، بلا اتجاه، محاطًا بفراغ مطلق، لكن في قلب ذلك السكون... سُمع الصوت ذاته ، صاخبًا، غاضبًا، لا يقبل الجدل: "كفى عبثًا... لقد اكتفيت!"
ذلك الصوت الجبار لم يكن مجرد صوت، بل كان صاعقة تشقّ الداخل، تهزّ الروح كما تهزّ الصواعق قلب جبلٍ قديم. لم يعد داركن يرغب بالموت كخلاصٍ هادئ، بل كهروبٍ عاجل من هذا الحضور الطاغي. الموت، بكل ما فيه من رهبة، بدا أرحم من هذا الكائن الذي تخطّى كل أشكال الفناء. لقد كان صوته وحده، أثقل من قاع البحر، أعتى من الظلمة، أشد من النهاية نفسها . كان دراكن في وضع حرج ، حتى عيونه أبت أن تفتح لترى ما أمامها .
"أنا التنين الفضي العظيم، إيثريوس!" صدح الصوت كزلزال ناطق، "حاكم أرض التنانين، وصاحب السحر الأسمى في هذا الوجود. كنت أراك... طيلة عشر سنوات، أراقبك، أتابعك، وأشهد على انحدارك. لقد صرت تجسيدًا للشفقة، لا و بل تجاوزتها حتى صرت إهانة... إهانة لا تُغتفر لي ولا لدمائي التي تسري في عروقك!"
كل كلمة خرجت منه كانت كالقصف، متتابعة، متفجرة، تهزّ أعماق داركن وتدفعه نحو الجنون. لم يكن صوتًا يمنح أمانًا أو يمدّ بطمأنينة. بل كان صوتًا يحمل غضبًا أسطوريًا. وكلما ازداد الصوت قوة، كلما تلاشت أمنية النجاة من رأس داركن —ان بقي فيها ذرة موجودة داخله— ، وحلّت مكانها أمنية واحدة فقط: الموت الفوري، علّه يكون نهاية لهذا الرعب الذي تجاوز كل ما عرفه من قبل.
"لقد سالت دمائي لحماية هذا العالم من الشر المطلق!" دوّى الصوت، كأن كل ذرة في الوجود اهتزت تحت وطأته، "والآن... أراك تُهين تلك الدماء، الدماء التي تجري في عروقك، كما لو أنها لا تعني شيئًا! ياللخزي! "
توقف لحظة، قبل أن يُكمل بنبرة لا تقبل الجدل، نبرة تحمل وعيدًا لا لبس فيه: "سأعيد تشكيلك. سأعيدك كما يجب أن تكون. ستعيش، ستحارب، وستحمل القوة التي تليق بإرثك. لكن احذر، إياك ثم إياك أن تسلك طريق الظلام ، التنانين وجدت لخدمة النور ، و دحر الظلام و إحلال السلام ، فقط لا غير!"
الذعر تملك داركن، لم يعد جسده قادرًا على الاحتمال. كل كلمة كانت كطعنة تغوص في عمق كيانه، كسيف ينغرس في روحه، يشقها دون رحمة. لم يعد يشعر بنفسه، بعقله، حتى عينيه بدأتا بالانقلاب، كأن وعيه ينهار، يحترق من الداخل. لكنه لم يُمنح فرصة للانهيار... لم يُمنح حق السقوط.
إيثريوس زأر، بصوتٍ اجتاح الصمت والوجود: "الآن، انهض! انهض يا داركن ، أنهض يا ابن التنين!"
تلك كانت آخر الكلمات، آخر أمرٍ سمعه داركن... قبل أن تفتح عيناه فجأة، كأن الحياة نفسها قد صعقته من الأعماق. شهق بقوة، وكأن الهواء عاد لينقذه من بين أنياب الموت. صدره يعلو ويهبط كفرسٍ مذعور، وقلبه يضرب ضلوعه بوحشية، كما لو أنه يحاول الهرب من جسد أوشك على الانطفاء.
" أين انا ؟ " قال داركن بصوت منخفض .
بقي ممددًا للحظات، لا يفهم شيئًا، لا يعرف أين هو، ولا كيف نجا. ارتجفت أطرافه، وكان جسده ما يزال مشبعًا ببرودة البحر وذكرى الزئير الذي مزق وعيه. صوت إيثريوس يتردد في رأسه كصدى بعيد، ثقيل ومربك . لكن شيئًا بداخله بدأ يهدأ، كأن الخوف يفقد قبضته تدريجيًا. أنفاسه تثاقلت، ثم استقرت. لم يعُد مشوشًا تمامًا... بل بدأ يستعيد نفسه، ببطء، وبصمت.
" ما اذكره هو أني كنت على وشك الغرق ، حتى ظهر ذاك الشيء الذي ... ما كان إسمه مجدداً ؟ ملك التنانين ؟ " قال داركن و هو يتأمل الأسم ، مدركاً أنه أسم قوي للغاية .
ثم، ببطء، التفت برأسه. الرمال تحت جسده كانت دافئة. و البحر ، هادئ بشكل مريب، وكأن شيئًا لم يحدث. لكنه لم يكن فيه... لم يكن يغرق. لقد خرج ، لقد نجا ... بطريقة ما .
لكن النجاة لم تكن فرحًا. لم تكن خلاصًا. كانت صدمة. وداركن، رغم نجاته، أدرك شيئًا أعمق: هو أنه لم يعد كما كان. شيء ما في أعماقه... قد تغيّر.
" يبدو صوتي مختلفاً ، أنه نقي ، و لا يصاحبه ألم في الحنجرة . هل هذا ما قصده ملك التنانين بقوله إنه سوف يصلحني ؟ هممم أنه جيد رغم كل شيء "
أغمض داركن عينيه ببطء. تدفقت الأسئلة في ذهنه كالسيل، لكن لا إجابة . لم يحاول المقاومة، ولم يلهث بحثًا عن تفسير. شيئًا فشيئًا، تراجعت العاصفة في رأسه، حتى صمت كل شيء. الوضع لم يعد غريباً ، والمجهول لم يعد مخيفًا. فقط هدوء عميق... غريب عليه، لكنه لم يرفضه.
فتح داركن عينيه ببطء، دون فزع هذه المرة. أنفاسه خرجت ثابتة، كأن صدره اعتاد على ما هو عليه بالفعل . لم ينهض فورًا. أخذ لحظة ليتأمل السكون من حوله. الرمال الرطبة تحته، الموج يلامس أطراف قدميه، والهواء يحمل ملوحة البحر ممزوجة برائحة أرض جديدة. لم يشعر بأنه غريب... بل كأنه كان يجب أن يكون هنا.
" لا أعرف لما و كيف ، لكني لست داركن الذي كنت عليه سابقاً ، لقد تغيرت بالتأكيد ، تغيرت بشكل أقرب لأكون شخص اخر بالكامل "
نهض بهدوء. جسده بدا مختلفًا، أطول، متناسق، وعضلاته مشدودة تحت بشرته التي أصبحت أكثر صلابة. رفع يده أمام وجهه، وتأملها كمن يرى جسده للمرة الأولى. أصابعه أطول، أنامله أنظف من أي مرة عاش فيها من قبل. شعره بدا باللون الفضّي بدل الأسود ، انسدل حول وجهه بشكل فوضوي أنيق، أقصر مما كان، لكن أنعم، وأخف.
' ما اذكره ، هو أن جسدي كان عبارة عن كتلة من الضعف ، هزيل و لا يمكنه القيام بأي شيء فيه مجهود ، لكن الأن ... يبدو أفضل ، أروع ' فكر داركن بهدوء ، ثم نظر للأسفل و قال " لحسن حضي أني مستور من الأسفل ، رغم ذلك ، أشعر أن السروال القماشي ضيق نوعاً ما ، لكني استطيع التحرك بشكل مقبول "
لكن ما أدهشه حقًا... كان هدوء ذهنه. لا ذعر، لا ارتباك، ولا حتى فضول مستعجل. لم يبحث عن تبرير لما حدث، بل راح يراقب بعين يقظة، يحلل التفاصيل، ويجمع الخيوط بصمت يشبه الحكمة، لا الحيرة.
" عقلي مستقر ، تفكيري منظم ، و حتى طريقة نظري لما حولي اصبحت واضحة و مفهومة . لم أكن هكذا بالتأكيد ، كنت مشوش ، غافل ، و أقرب بالوصف لأحمق ، لكني الأن ... أفضل ، و كأني وصلت إلى افضل نسخة من نفسي ، ربما ؟ لا أعلم بصراحة "
أدار رأسه لليمين و اليسار ، يتفحّص محيطه بعناية . لا أثر لأي كائن حي، فقط البحر من الخلف، ورمال تمتد حتى تلامس جرفًا صخريًا يرتفع أمامه عدة أمتار. ضيّق عينيه وهو يقدّر المسافة. لا طريق واضح للصعود، لا حواف قابلة للتسلق.
فكر بعمق قائلاً : ' بالنظر لهذه الجرف الصخري ، ببدو بأرتفاع سبعة أمتار كأقصى تقدير ، ليس مرتفعاً للغاية ' و للحظة ، لم يتردد. لم يكن يعرف السبب، لكنه شعر أن جسده الجديد... قادر على القفز ، حينها قال : " هذا الجسد قوي ، يمكنني الشعور بذلك ، لكن ماذا عن القفز لهذا العلو ؟ جنون بالتأكيد ، لكن لا ضير من المحاولة ، كما أني وحدي هنا ، لن أصاب بالأحراج لو فشلت " .
رجلاه انغرستا في الرمال قليلاً، ثم ضغط عليهما بقوة، وقفز.
جسده اخترق الهواء كالسهم، خفيفًا، سريعًا، حتى تجاوز قمة الجرف بأربعة أمتار كاملة، ثم هبط بثبات على سطحه الحجري. ركبتاه انثنتا قليلًا لامتصاص الصدمة بمرونة عالية، لكنه لم يتألم. لم يلهث. فقط وقف.
نظر داركن للمشهد الذي أمامه ، و تأمله جيداً جدآ .أرضٌ جديدة، سماء أوسع، ولا شيء مألوف . همس لنفسه بصوت هادئ، خالٍ من الدهشة، لكنه مشحون بالترقّب: "يبدو إني... في مكان جديد." .