على الجرف الصخري، استقرت أقدام "داركن" الجديدة، القوية، كأنها وُجدت لتعتلي هذا المكان تحديدًا. من هناك، انكشف أمامه مشهد فريد لا يشبه أي شيء رآه من قبل. مهما حاول، لم يستطع أن يسترجع من ذاكرته القديمة ما يضاهيه جمالًا أو هدوءًا. فذاكرته، كانت مقيدة، حبيسة، وكل قمة اعتلاها يومًا، لم تتجاوز عتبة غرفة التعذيب... حيث لم يكن هنالك موضع لذكرى سعيدة واحدة.
قال داركن بصوت خافت، كأنما يخاطب نفسه: "غابة..."
كلمته تاهت في الهواء، تحملها نسائم عليلة، تداعب عينيه اللتين كانتا تتمعنان في الأفق. ملامح وجهه، المتصلبة بفعل التجارب، ارتطمت بأشعة الشمس المائلة نحو الغروب، كأنها تهمس له بالرحيل، لتفسح المجال للقمر كي يتألق في سماء الليل.
كان المنظر أمامه بانوراميًا؛ غابة تمتد بلا نهاية، حتى تذوب في الأفق. لم يعرف كم يبلغ مداها، ولم يحاول أن يُخمّن. كل ما أيقنه، أنه يقف في مكان لا تسكنه أي روح. لا بشر، لا حيوانات... فقط الصمت.
خفض بصره نحو الأسفل، ليرى أن الجرف ينحدر بانسيابية مغطاة بالعشب الناعم والصخور الصغيرة. للحظة، انعكس الضوء في عينيه، فكأن فكرة انبثقت داخله.
تمتم في نفسه: "بقائي هنا لن يجلب لي شيئًا... يجب أن أتحرك. على الأرجح، عليّ الخروج من هذه الغابة. إن كان حدسي صائبًا، فالمناطق المأهولة لا بد أن تكون خلف هذا الامتداد الشاسع."
بعدها، أدار "داركن" رأسه ببطء نحو الخلف، حتى أصبح المحيط الهادئ في مرمى بصره، هادئًا وساكنًا كمرآة زمنية تعكس داخله، لا الواقع. أكمل أفكاره بنبرة داخلية خافتة:
"لا أعلم كيف وصلت إلى هنا... ولا أملك تفسيرًا شافيًا للتغيّر الذي طرأ عليّ، لكنني مدرك تمامًا أن هذا فصل جديد من قصتي... أو ربما هامش جديد، حيث أبدأ في كتابة حكاية مختلفة تمامًا."
رفع يده، تلك اليد التي باتت قوية، على النقيض مما كانت عليه في الماضي. رفعها نحو البحر بسلاسة، كأنما يلوّح لنفسه القديمة، ثم غاص في ذاكرته... غرفة التعذيب، رجال القافلة الذين لم يرَ في أعينهم أي اعتراف بوجوده، و"جابيلين"، الذي أذاقه أشد أنواع القسوة على مدار عشر سنوات... سنوات مرّت عليه كجمر حامٍ تحت قدميه العاريتين.
ثم، في عمق تفكيره، بدأ يتذكر ما قبل تلك السنوات العشر. نعم... حتى قبل ذلك، كان عبدًا. محبوسًا في شيء لا يمكن وصفه إلا بالقفص، وكأن حياته كلها لم تكن سوى سلسلة أقفاص.
لقد كانت حياته، بكل وضوح، جحيمًا منذ البداية. منذ نعومة أظافره وحتى تلك اللحظة التي قرر فيها القدر، فجأة، أن يُعاد نسج خيوط قصته من جديد. والآن، لديه جسد مختلف... أقوى، أكثر صلابة وجمالًا. حتى لون شعره تغيّر، وطوله ازداد. وربما وجهه كذلك لم يعد كما كان.
قد تبدو هذه التغيرات بسيطة للبعض، لكنها بالنسبة لـ"داركن" كانت ذات مغزى. كل تفصيلة — صغيرة كانت أو كبيرة — أصبحت الآن ذات أهمية قصوى. كلها أجزاء منه... أجزاء لم يفكر بها من قبل، لكن الآن، أصبح قادرًا على ذلك.
فتح فمه ليقول شيئًا، غير أن الذكرى باغتته.
"ماري تشويرا..."
همس باسمها داخله، والحنين يتسلّل عبر صوته.
كانت ماري مختلفة. فتاة أظهرت له جوانب لم يعتد رؤيتها في البشر: الطيبة، الحنان، الاهتمام، والتضحية. كانت أشياء غريبة عنه، بل لم يكن يفهمها أصلًا. لكنه الآن... بات يفهم. يفهم أن خلف تلك التصرفات اللطيفة، تكمن حقيقة ناصعة، حقيقة لم يسبق له أن لمسها.
لقد كانت تهتم به... تهتم حقًا، بصدق لا لبس فيه. على عكس الجميع، لم ترَ فيه عبئًا أو نكرة... بل إنسانًا يستحق العناية. كانت عيناها تلين كلما نظرت إليه، وصوتها يحمل دفئًا لم يعرفه من قبل . وفي هذه اللحظة... أدرك داركن كم كانت ماري مهمة. أكثر مما تخيّل.
"ماري..." قال داركن بصوت خافت، كأنما ينادي طيفًا بعيدًا. ثم رفع صوته قليلًا، ليتماسك في نبرته ما تبقّى من حنين:
"لا أعلم أين أنا... ولا أعرف كيف انتهى بي المطاف هنا. هل أنا قريب؟ أم بعيد؟ لا أدري... لكنني واثق من أمر واحد... أنني سأعود للقائك مجددًا. وحينها... سأواجه جابيلين بنفسي."
تثخّنت نبرة صوته فجأة، كأن شيئًا دفينًا قد اشتعل في أعماقه. تابع بصوتٍ مشحون بالغضب: "سأحصل على انتقامي... بلا شك."
ثم قبض على يده التي كانت لا تزال موجهة نحو المحيط، كأنما أراد أن يُحكم على الماضي بين أنامله، لكنه خفّف قبضته بعدها، وأنزلها ببطء.
استدار بجسده نحو الغابة، ثم بدأ بالسير بخطوات ثابتة نحو المجهول. لم يكن يعرف ما ينتظره بين ظلال الأشجار الكثيفة، لكنه مضى، وملامحه تحمل مزيجًا واضحًا من الثقة، العزيمة، الشجاعة، والصلابة — صفات لم يعرفها في نفسه من قبل. فقد كان يومًا ما مكسورًا، قلقًا، خائفًا، رقيقًا حد الانكسار... أما الآن، فشيءٌ منه وُلِد من جديد، وترك خلفه ما لم يعد يريد أن يكونه. كأنما يمضي دون رغبة في الالتفات، بلا ندم، بلا تردّد.
بعد مسافة قصيرة، بلغ داركن حدود الغابة، حيث بدأت الأشجار المتراصة تحيط به من كل جانب. جذوعها الصلبة وقوامها المتين منحا المكان رهبةً خاصة، وكأنها تقف حراسًا على باب أرض لا تعترف بالضعفاء.
تابع طريقه متوغلًا بين الأغصان المتشابكة والشجيرات الكثيفة، وكلما خطا خطوة، راح يغوص أعمق في ذاته، يراجع أفكاره، يحاول أن يفهم. شيئًا فشيئًا، بدأ يعي أن هناك شيئًا جديدًا ينمو في داخله... مستوى مختلف من الإدراك، من الذكاء، وكأنه على وشك أن يتجاوز حدود البشر.
كان ذلك التحوّل الغامض مرتبطًا، بطريقة ما، بذلك الكيان الذي أطلق عليه "ملك التنانين".
كانت أسطورة قديمة يعرفها داركن جيدًا... عن أرض يُقال إنها جنة المخلوقات السماوية، كائنات في مرتبة أسمى من كل المخلوقات الأخرى. بعضهم يسمّيهم "حراس العالم"، وآخرون يصفونهم بـ"الطغاة"، لكن الحقيقة؟... لا أحد يعلم. فهذه الأرض، وتلك الكائنات، لا تزال لغزًا محيّرًا في عقول من عرفوا بوجودها، ولم يجرؤ أحد على سبر أغوارها كاملة.
بالنسبة لـ"داركن"، فقد تغيّر شيء عميق في داخله بعد لقائه بذلك الكيان المهيب... "ملك التنانين". لم يعد الأمر مجرد أسطورة أو خرافة تتناقلها ألسنة الغرباء، أولئك الذين قد يكون كلامهم مجرد ترّهات منقولة عن أناس حالمين أو هاربين من واقعهم . أما الآن، بات داركن يدرك... هذه المخلوقات حقيقية. موجودة بالفعل.
لكن ما استوقفه أكثر من حضور الكيان نفسه، كان ذلك الشيء الذي قاله له. عبارة عالقة في ذهنه، تتكرر كصدى بعيد في أعماقه. "قال لي 'انهض'..." تمتم داركن أثناء سيره، عينيه تتابعان محيطه بحذر ويقظة.
"لكنه قال شيئًا آخر... لقب... لا أستطيع تذكّره بوضوح. نطق به بعد أن قال 'انهض' للمرة الثانية، وكأنه... ناداني بشيءٍ ما."
ارتسمت على ملامحه نظرة تفكير عميقة، غير أن التعبير لم يدم طويلًا، إذ هزّ رأسه بخفة وقال: "على أي حال... التفكير في هذا الآن سيستهلك الكثير من الوقت. عليّ أن أجد مأوى أقضي فيه هذه الليلة. رغم أنني أشك أن غابة بهذه القسوة تخبّئ في طياتها مكانًا للراحة."
كانت الغابة متشابكة كنسيج معقّد من الطرقات المخفية. يسير إلى الأمام، ثم ينحرف يمينًا، يعود إلى الأمام مجددًا، ثم يتخذ يسارًا... وهكذا بشكل متكرر، دورة لا تنتهي استمرت لما يزيد عن ساعة كاملة.
وبرغم ذلك، لم يظهر على داركن أي أثر للضيق أو التوتر. على العكس، بدا هادئًا... صامتًا بتركيز، كما لو أن الغابة كانت تختبر صبره، وهو يجيبها بثقة.
وأثناء سيره بين الأشجار العالية والأغصان الملتفّة، تمتم لنفسه بصوت منخفض، بالكاد يُسمع، كأنما يسترجع ما لم يكتمل بعد في ذاكرته... أو ينتظر أن تجيب عليه الأرض بصمتها المهيب.
"يبدو أن سروالي أصبح أكثر راحة قليلاً... حركتي أصبحت أكثر سلاسة،" قالها بنبرة ساخرة خفيفة، قبل أن يتابع، وهو يهزّ رأسه بخفة: "ربما كانت المياه المالحة السبب... لا أعلم، ولا أنوي أن أعلم الآن. المهم أن وتيرة السير ستزداد."
كلما تقدّم داركن في سيره، كانت الشمس تتابع هبوطها، ومع كل خطوة، كانت أشعتها تختفي شيئًا فشيئًا خلف الأشجار المتشابكة، حتى اقترب الليل وأوشك الظلام أن يحل تمامًا. أدرك داركن ذلك جيدًا، لكنه لم يتوقف، استمر في السير دون أن يتباطأ.
لم يكن يتوقع أن يجد شيئًا ذا قيمة في هذه الغابة الكثيفة، لكن الأمور سرعان ما تغيّرت. إذ ما إن دفع جسده خارج إحدى الشجيرات، حتى فوجئ بمساحة دائرية شاسعة من العشب الأخضر، خالية تمامًا من الأشجار، وكأن الطبيعة قد نحتت تلك البقعة خصيصًا لتكون ملاذًا هادئًا وسط الفوضى.
هناك، في منتصف تلك الدائرة تقريبًا، كان يقبع منزل خشبي بسيط في تصميمه، وإلى جواره، رجل مستلقٍ على العشب.
"منزل هنا؟ هذا... غريب،" تمتم داركن بصوت منخفض، قبل أن يخطو إلى الأمام بحذر.
ومع كل خطوة يقترب فيها، بدأت ملامح الرجل المستلقي تتضح أمام عينيه، حتى بات على مسافة قريبة تكفي ليكتشف الحقيقة.
"هذا الرجل... ميت،" قالها بهدوء، ثم انخفض على ركبتيه بجوار الجثة، وأكمل : "جسده متصلّب فعلاً وبارد... يبدو أنه فارق الحياة قبل وقت قصير." مدّ يده وتلمّس وجه الرجل الميت بحذر، كما لو كان يتحقق من بقايا حياة لا تزال عالقة.
كان رجلاً ذا لحية كثيفة، شعره بُنيّ اللون مبعثر، وملابسه بسيطة جدًا، لا تحمل أي ملامح تميز أو مكانة.
أمال داركن رأسه قليلًا، ليتفحص الجسد بصمت، ثم رفع بصره نحو يساره، حيث يقبع المنزل الخشبي.
"عليّ تفحّص المنزل،" قالها وهو ينهض على قدميه.
اقترب بخطوات خفيفة نحو الباب المهترئ، يدفعه بهدوء حتى انفتح بصريرٍ خافت، ليكشف له مشهد الداخل... منزل غارق في الظلمة، بلا نور يُذكر، سوى خيوط ضئيلة من ضوء الشمس المحتضرة وهي تتلاشى خلف الأفق. .
نظر داركن إلى جانبه، فلاحظ مشعلًا خشبيًا مثبتًا بجانب الباب. مدّ يده نحوه، أمسكه ورفعه حتى استقر بين راحتيه. تلمّس قمّته المتفحّمة بلمسة خفيفة لا تكاد تُذكر.
"يبدو أن وقتًا طويلًا مرّ منذ آخر مرة استُخدم فيها هذا المشعل... رأسه بارد بالفعل. لكن، بالمقارنة مع جثة الرجل الملقاة في الخارج، أعتقد أنه مات في وقت أقرب."
توقّف قليلًا، ثم تابع بتحليل منطقي قليلاً : "من المرجّح أن الرجل مات هذا الصباح، ولم يشعل المشعل منذ الليلة الماضية... على الأرجح."
أغمض داركن عينيه لبرهة وهو لا يزال واقفًا عند عتبة الباب، ثم فتحهما ببطء، وقد بدت في نظراته لمحة خافتة من الذكريات... أو الإدراك.
تقدّم بخطوات ثابتة نحو الداخل، يتجوّل داخل المنزل الصامت حتى وصل إلى موقد حجري بسيط، هناك حيث وُضعت بعض الحجارة القاسية المتفرّقة. أخذ حجرين بيد واحدة، ثم خرج مجددًا ليرميهما على جانب المنزل.
بعدها التف حول البناء، في البداية لم يجد شيئًا يُذكر، لكن بعد قليل، حين بلغ الجهة الخلفية، لمح بابًا قديمًا لغرفة صغيرة، بالكاد تُرى. كان الباب هشًّا ومهترئًا، ففتحه داركن بحذر حتى لا ينكسر بين يديه — وهو يدرك تمامًا مدى قوته الجسدية الجديدة.
"حسنًا... يبدو أنه صنع كمية لا بأس بها،" تمتم بصوت خافت وهو يتأمل داخل الغرفة.
هناك، وجد أدوات زراعية بسيطة: مجرفة قديمة، فأس، ومحراث بدائي مصنوع من حجر مسطّح مربوط بقضيب خشبي سميك. إلى جانبها، وُضعت أكياس تحوي خِرَق قماشية بالية. لكن ما لفت انتباهه أكثر، كان عدد من المشاعل المرتّبة بعناية بجانب المجرفة.
تقدّم ليأخذ مشعلين، ثم أضاف إليهما ثالثًا، لكن فجأة، قفز شيء باتجاه وجهه بسرعة خاطفة.
"بطيئة..." قالها داركن بصوت واضح، وقد مدّ يده بسرعة ليمسك ذلك الكائن الذي انقضّ عليه.
كانت أفعى خضراء مرقّطة، عيناها حادّتان، وفيهما جوع مفترس. لكن داركن أمسكها بسهولة من رأسها، مانعًا إياها من الحركة، فبدأت تتلوّى بعنف محاولة التحرّر، أو على الأقل الالتفاف حول ذراعه لتغرس أنيابها في جلده .
نظر داركن إلى الأفعى لبرهة، يتأمل حالها وهي تتلوى بين يديه، يراها تقاتل من أجل التحرر، بلا حول ولا قوة. للحظة قصيرة، شعر برغبة في إطلاق سراحها... فقد تذكّر نفسه حين كان أسيرًا في قبضة التاجر جابيلين، مقيدًا، بلا خيار. في ملامحها الضعيفة، رأى صورة من ماضيه.
ومع ذلك، تذكّر أيضًا أنها حاولت مهاجمته، وأنها كانت لتغرس أنيابها فيه بلا تردد. صراعٌ داخلي قصير، انتهى بأن أمسك أربعة مشاعل بيده اليمنى، بينما ظلّت الأفعى حبيسة قبضته اليسرى. خرج من الغرفة الصغيرة وأغلق بابها خلفه برفق مستخدمًا قدمه.
"أنتِ محظوظة... أتعلمين؟ لكن إن التقيتكِ مجددًا في موقفٍ كهذا، فلن تجدي نفس الرحمة. احرصي فقط على الابتعاد."
قال داركن موجّهًا كلماته نحو الأفعى، ثم رماها بعيدًا بنفضة سريعة من يده.
سقطت الأفعى على الأرض، ثم زحفت مسرعة نحو الشجيرات لتختفي بين الظلال. أما داركن، فبقي واقفًا للحظة، وحيدًا وسط سكون الغابة.
الليل كان قد حلّ بالفعل، فاستكمل ما كان ينوي فعله. عاد إلى واجهة المنزل، حيث جثة الرجل لا تزال ممددة، وبالقرب منها الصخور التي أخرجها سابقًا. وضع المشاعل جانبًا، ثم أمسك بالمشعل المستهلك، وكسره إلى قطع خشبية صغيرة، جمعها في كومة منظمة.
بعدها، أخذ الصخرتين بين يديه، وبدأ بحكّ إحداهما بالأخرى، بقوة محسوبة.
"تغيري الجسدي والعقلي ليس بالأمر البسيط... سابقًا، لم أكن أملك أدنى فكرة عن هذه الأمور. لكن بما أني أعلم الآن... فاستغلالها واجب." قال داركن بينما استمر بإصدار الشرر من الصخرتين، حتى اشتعلت النار أخيرًا في الكومة الخشبية.
"جيد... بهذا سأكسب بعض النور. لنبدأ بالمنزل أولًا."
أشعل داركن كل مشعل على حدة، ثم دخل بها إلى الداخل. وهكذا، تمكن من إضاءة المنزل الخشبي من الداخل، ليحصل على صورة واضحة عمّا يخفيه هذا المكان المعزول وسط الغابة.
المنزل كان بسيطًا، حتى من الداخل، نظيفًا إلى حد ما، ومنظّمًا رغم قلّة محتوياته. لا شيء فاخر، ولا شيء متروك بعشوائية. فقط الضروريات... والبصمة الخافتة لحياة هادئة انطفأت مؤخرًا .
تأمل داركن المكان بعينٍ فاحصة. جال بنظره بين الطاولة، السرير، الخزانة، المرآة العتيقة، والصناديق المتناثرة في الزوايا. مرّ بعينيه على الموقد الذي سبق أن رآه، ثم استقر بصره على طاولة صغيرة بجانب السرير، كانت تحتضن مجموعة من الكتب المتروكة، وإلى جانبها ريشة كتابة طويلة وسميكة.
في تلك اللحظة، عاد إلى ذهنه مشهد الرجل الميت في الخارج. ضاقت عينا داركن، ثم أغمضهما لبرهة. وبعد لحظاتٍ صامتة، فتح عينيه مجددًا وتنهد بعمق، كأنما يحاول إزاحة شيء ثقيل من داخله . عندها، اتخذ قراره بالخروج. خطا نحو الباب وأغلقه خلفه بهدوء.
في الخارج، كان نور القمر واضحًا في السماء، يبدّد شيئًا من ظلمة الغابة. رفع داركن رأسه ليرى السماء المرصعة بالنجوم، والقمر يتوسطها بهيبة صامتة. في حياته السابقة، كان يرى السماء نفسها... بنفس الجمال، لكن الآن، وهو واقف بصفته "إنسانًا حرًا"، أحسّ بها بطريقة مختلفة. شعور خفيف بالراحة، بالانتعاش... كما لو أن الهواء صار أصفى.
أغمض عينيه للحظة، ثم أنزلهما نحو الأرض، ليفتحهما من جديد باتجاه جثة الرجل، وقال بصوتٍ حازم:
"أنا متأسف لما حدث لك ... سأضمن لك جنازة لائقة بقدر استطاعتي ."
بعدها، توجّه إلى الغرفة الصغيرة خلف المنزل، وعاد منها وهو يحمل المجرفة . تقدّم بخطوات ثابتة مبتعدًا عن المنزل، إلى أن وصل إلى بقعة من الأرض ذات تربة ناعمة، غير متحجرة. وهناك، بدأ الحفر، بهمّة لم يشُبها أيّ تعب . لمدة ساعة كاملة، واصل عمله، حتى حفر قبرًا بعمق يقارب المترين والنصف. ثم قفز من الحفرة بخفة، معتمدًا على قوته الجسدية التي امتلكها حديثًا، ورمى المجرفة إلى جانبه، قبل أن يتوجه صوب جسد الرجل المسجى .
"حان الوقت للذهاب." اقترب داركن من الجثة، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه.
شعر بثقل الجسد الخالي من الحياة، لا بثقلٍ جسدي يُرهقه، بل بثقلٍ روحيّ خامد. وحينها، قال بصوتٍ منخفض، كأنما يحدث نفسه: "مظهر الإنسان في نومه هو ذاته حين موته... الفرق أن الروح تغادر في أحدى الحالتين . هذا... محزن."
تابع خطواته نحو الحفرة بخطى ثابتة متزنة. لم يكن الوزن عائقًا عليه، فجسده بات قادرًا على حمل ما هو أثقل، لكن ما شعر به لم يكن وزناً مادياً، بل ذلك العبء الذي يُلقيه الموت على القلب . كانت في عينيه لمحة تأمل حزينة، نظرة إنسان رأى شيئًا من نفسه في جسد الغريب الذي بين يديه.
وحين وصل إلى الحفرة، انحنى ببطء، وأنزل الجثة بتروٍ وهدوء، كأنما يُسلمها للأرض نفسها. ثم خرج منها، وبدأ بدفن الرجل . لعشر دقائق ظل يرمي التراب والطين بصمت، حتى اكتمل القبر، فوقف بجانبه، ينظر إليه بملامح ساكنة، عيناه لا تحملان دموعًا، لكن الصمت كان كافيًا ليصف ما بداخله.
حينها، دار سؤال في نفسه، مرّ بهدوءٍ جارح: "لو متُّ في تلك القافلة سابقًا... هل كان سيُكتب لي دفن كهذا، على الأقل؟"
ظل واقفًا هناك، يتأمل القبر بصمتٍ ثقيل، وأنفاس بالكاد تُسمع، إلى أن حرّك جسده أخيرًا، متجهًا نحو المنزل الخشبي من جديد . وأثناء سيره، تمتم بصوت خافت: "عذرًا أيها السيد... سأستقر في منزلك هذه الليلة. أعدك، لن يُصاب بأي ضرر."
ومع آخر كلمة، فتح الباب ودخل، تاركًا خلفه الليل يحتضن القبر بصمت.