الفصل 11: مدينة نوفاريس
في اليوم التالي، استيقظ «نوح» في الصباح الباكر، في تمام الساعة الرابعة صباحاً.
وبعد أن أخذ حماماً دافئاً، ارتدى ملابسه؛ قميصاً أسود قصير الأكمام، وفوقه سترة جلديّة باللون البني الغامق. وارتدى بنطال جينز باللون الأزرق الداكن، وأخيراً حذاءً أبيض.
نظر إلى نفسه في المرآة.
كان شعره الناعم الأبيض كالثلج قصيراً وفوضوياً، مما أضفى عليه مظهراً جذاباً، بينما تتلألأ عيناه الكريستاليتان باللون الأزرق الصافي.
— «همم... كل شيء ممتاز.»
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة خفيفة.
— «حسناً، لننطلق الآن.»
كان «نوح» قد خزن حقيبته وأغراضه الأخرى بالفعل داخل خاتمه المكاني.
مشى نحو باب الشقة وخرج، ثم أغلقه خلفه. ولأنه كان قد أعلم مالك العقار مسبقاً برحيله اليوم، اتجه نحو مكتب الاستقبال عند المدخل في الطابق الأرضي. ضغط على زر الاستدعاء، وسرعان ما خرجت امرأة في الثلاثينيات من عمرها.
سلمها بطاقة المفتاح، وودعها ثم غادر المبنى.
— «والآن... عليّ أن أستقل القطار.»
توجه نحو موقف الحافلات. وعلى الرغم من امتلاكه مبلغاً جيداً من المال، إلا أنه فضل السفر بالقطار بدلاً من استخدام بوابات الانتقال الآني؛ إذ كانت مكلفة للغاية، ولم يكن ذلك يعني عدم قدرته على تحمّلها، فهو يملك ما يكفي من المال. لكنه أراد رؤية المدينة بشكل أفضل، لذا اختار الطريق الأطول.
توقف القطار السريع ببطء على رصيف محطة مدينة «نوفاريس».
وبصوت ميكانيكي هادئ، انزلقت أبواب القطار بسلاسة لفتحه. وبدأ الركاب بالخروج واحداً تلو الآخر؛ حيث نزل أولاً ركاب الدرجة العامة ممن قطعوا مسافات قصيرة؛ موظفون متوجهون إلى أعمالهم، ومراهقون في طريقهم إلى المدارس، وبضعة أزواج يبدو أنهم أتوا للمدينة في نزهة.
أما الذين سافروا لمسافات طويلة، فقد خرجوا من عربات الحجز المسبق محملين بالأمتعة، وتبدو عليهم علامات الإرهاق الإجهاد جراء الرحلة.
ومن إحدى تلك العربات، نزل «نوح إلدريتش» على رصيف المحطة.
وفي اللحظة التي لمست فيها قدميه الأرض، أُغلقت أبواب القطار خلفه تلقائياً بصفير حاد. وبعد ثانية واحدة، انزلقت الأبواب الزجاجية الواقية على الرصيف لتغلق الحافة بأمان.
دوى صوت تنبيه تحذيري، ثم بدأ القطار بالتحرك مجدداً، ببطء في البداية قبل أن تتسارع حركته على السكة الحديدية ويختفي في الأفق.
ألقى «نوح» نظرة حوله.
كان رصيف محطة مدينة «نوفاريس» غاية في النظافة والعصرية؛ فالأرضية تتلألأ تحت أضواء بيضاء ساطعة، والشاشات الرقمية الكبيرة تعرض المواعيد بنصوص زرقاء واضحة. أما الحواجز الزجاجية الشفافة والأعمدة الفولاذية الأنيقة، فقد أضفت على المكان بأكمله طابعاً مستقبلياً راقياً.
شعر بومضة من الحماس؛ فقد كان الوقت بعد ظهيرة يوم السبت، وقد استغرق الوصول إلى هنا ساعات طويلة. لقد استقل قطار الصباح الباكر من «كريثوس»، وبعد ساعات من السفر، وصل أخيراً.
تمتم بصوت خفيض:
— «هذا المكان... مذهل حقاً.»
بعد خروجه عبر بوابات التذاكر، خطى خارج المحطة متجهاً إلى قلب المدينة. وجعله المشهد يتوقف لبرهة.
كانت مدينة «نوفاريس» جميلة بحق؛ المباني الزجاجية الشاهقة تعكس أشعة شمس الظهيرة، والشوارع العريضة تحفها الأشجار، بينما امتدت الأرصفة النظيفة بتناسق في كل اتجاه. كان الجو مفعماً بالحيوية والتنظيم في آن واحد؛ صاخب، لكن دون فوضى.
— «يا له من معمار مذهل... إن كان بوسعي رؤية أشيَاء كهذه، فكيف لي أن أكره هذا العالم؟»
ثم تنهد، واجتاحته فجأة ذكريات عائلته. ليس من هذا العالم، بل من عالمه السابق.
هز رأسه محاولاً تنحية تلك الأفكار جانباً. أخرج «نوح» هاتفه المحمول وتفقد الخريطة.
لم تكن الأكاديمية على مسافة يمكن قطعها سيراً على الأقدام، ولكن كان هناك خط حافلات يؤدي إلى موقف قريب منها. اتجه نحو موقف الحافلات القريب وفقاً للتعليمات، وفي غضون دقائق معدودة، وصل إلى الموقف المحدد وانتظر هناك.
كانت حركة المرور في المدينة إنسيابية من حوله. وسرعان ما وصلت الحافلة مع صوت هيدروليكي خفيف.
صعد «نوح» إلى الداخل ودفع الأجرة باستخدام الجهاز الموجود بجوار السائق. وبعد تأكيد الدفع، مشى عبر الممر وجلس على مقعد بجوار النافذة.
تحركت الحافلة مجدداً.
ومع مرور الوقت، كان يراقب المدينة من خلال النافذة وهي تتغير من أحياء تجارية إلى مناطق أكثر هدوءاً تتخللها مبانٍ أكبر ومساحات مفتوحة.
— «ما زال أمامي يوم غدٍ كعطلة، يمكنني استكشاف هذه المدينة غداً. ثم ستبدأ الأكاديمية يوم الاثنين. من الجيد أن الطلاب يُسمح لهم بالخروج خارج حرم الأكاديمية.»
كان «نوح» سعيداً بذلك؛ فهذه المدينة بأكملها تعود ملكيتها للأكاديمية أساساً. إذ إن «أكاديمية نوفاريس» هي التي بُنيت على أرض لم يكن فيها شيء قبل سنوات طويلة. وسرعان ما قامت العديد من الشركات والمؤسسات برعاية الأكاديمية وافتتاح أعمالها هنا، وكان معظمها يتبع للأكاديمية ذاتها. ومع مرور الوقت، تحول هذا المكان إلى مدينة ضخمة سُميت تيمناً بأكاديمية نوفاريس — «مدينة نوفاريس».
استغرق الوصول إلى وجهته نحو عشر دقائق.
تباطأت الحافلة وتوقفت. نزل «نوح» على الرصيف وتفقد الخريطة على هاتفه مرة أخرى.
— «بقي القليل فقط.»
سار وفق المسار المحدد عبر طريق عريض تحفه الأشجار الشاهقة.
وفجأة ظهرت أمامه... فاتسعت عيناه من الصدمة!
كانت الأكاديمية تقف بشموخ في نهاية طريق حجري عريض.
بوابة حديدية ضخمة تمثل المدخل، صُممت بتفاصيل معقدة ونقوش أنيقة متداخلة في بنيتها.
وكان يمتد خلف البوابة حرم جامعي شاسع؛ مساحات خضراء واسعة، ومبانٍ أكاديمية شاهقة مبنية من الحجارة البيضاء، وأبراج عالية تطاول العنان.
أما المبنى الرئيسي فكان يقف في المنتصف كأنه القصر.
نوافذ قوسية كبيرة تعكس ضوء الشمس، وأعلام تحمل شعار الأكاديمية ترفرف ببطء مع الريح. كان المعمار مزيجاً مثالياً بين الفخامة الكلاسيكية والرقي العصري.
كان المبنى يفيض بالهيبة، مشعاً بالقوة ومعلناً عن تاريخه العريق.
وقف «نوح» هناك بصمت لبرهة، يتأمل هذا المشهد.
— «إذاً... هذه هي أكاديمية نوفاريس.»
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه؛ ففصل جديد على وشك أن يبدأ.