الفصل الثاني عشر: أكاديمية نوفاريس
دخل "نوح" من بوابة الأكاديمية بعد أن عرض وثائق قبوله عبر هاتفه المحمول. مر شعاعٌ ناعم من الضوء الأزرق الشاحب فوق جسده من الرأس إلى القدمين، ماسحًا إياه في ثوانٍ معدودة.
أعقب ذلك رنينٌ خافت.
"تم التحقق من الهوية."
لم يولي الأمر اهتمامًا كبيرًا وخطا إلى الداخل.
كان الحرم الجامعي هائلًا، يمتد بعيدًا فوق ما كان يتخيله. وتحت قدميه امتد ممرٌ عريض من الحجارة المرصوفة، كل حجر منها مُقتطع وملموع بانتظام، يبدو وكأنه جديدٌ تمامًا. كان الممر نظيفًا لا شائبة فيه، وكأنه يُنظف في كل ساعة.
وعلى كلا الجانبين امتدت مساحات خضراء زاهية، جُذّت أعشابها بعناية فائقة. واصطفت أشجار الزينة على جانبي الممر على مسافات منتظمة، تتأرجح أغصانها برفق مع هبات النسيم. بينما أضفت أحواض الزهور الملونة إشراقةً على المشهد.
كان المكان أشبه بحديقة ملكية منه إلى أكاديمية تعليمية.
ومع استمراره في السير، ظهرت أمامه نافورةٌ ضخمة.
كانت تقف في منتصف ساحة دائرية، وهي صرحٌ نُحت من الحجر الأبيض على ثلاثة مستويات. ومن قمتها العالية، انطلق عمودٌ من الماء إلى الأعلى قبل أن يتساقط متدرجًا إلى المستوى الثاني، ثم ينساب في تدفقات سلسة إلى الحوض العريض في الأسفل.
انعكست أضواء الشمس على المياه المتساقطة، مخلفةً أطيافًا قزحية باهتة في الرذاذ المنبعث. وكان صوت خرير المياه يتردد بصوت خافت وإيقاع مهدئ في أرجاء الفناء.
انفصل ممران منحنيان حول النافورة؛ أحدهما يؤدي إلى الجناح الأيمن للحرم الجامعي، والآخر إلى الجناح الأيسر. بينما امتد درجٌ عريض خلفهما مباشرةً يتجه نحو المبنى الرئيسي للأكاديمية.
صعد "نوح" الدرجات.
كانت المساحة توحي بالهيبة والسلطة. مر به عددٌ من الموظفين وهم يحملون ملفات وأجهزة لوحية.
وبتعبيرٍ يعلوه التفكير، تمتم قائلاً: «يتوجب عليّ الذهاب إلى المكتب أولاً للتسجيل.»
’أين عساه أن يكون؟‘
وبعد أن واصل السير في الاتجاه نفسه، التفت حوله وأبصر دليلًا رقميًا كبيرًا مُثبتًا على الجدار، يعرض خريطةً للمبنى مع أقسام مسمّاة.
"المكتب الإداري - الطابق الأرضي، الجناح الشرقي."
أومأ برأسه خفيفة وقال: «هذا يجعل الأمر يسيرًا.»
تبع اللوحات الإرشادية التي تشير إلى الجناح الشرقي. وبعد السير في ممرٍ أكثر هدوءًا، وجد بابًا زجاجيًا كُتب عليه: مكتب الإدارة.
خطا إلى الداخل.
خلف مكتب استقبال طويل، جلست امرأةٌ في منتصف العمر ترتدي زيًا رسميًا. رفعت رأسها ونظرت إليه مع اقترابه.
وبملامح محايدة، سألت: «نعم؟»
أجابها "نوح" بأدب: «أنا طالبٌ جديد، جئت للتسجيل.» وأراها تأكيد القبول عبر هاتفه المحمول.
أومأت برأسها وأشارت إليه ليضع هاتفه على لوحة مسح ضوئي صغيرة، فقام النظام بمعالجة بياناته بسرعة.
وقالت بهدوء: «يرجى البقاء ثابتًا.»
أصدر جهازٌ صغير بجوار المكتب شعاع مسح آخر، وفي غضون ثوانٍ، تم التأكيد على بياناته.
وقالت بنبرة مهنية: «اكتمل التسجيل. ضع إبهامك هنا.»
ضغط بإبهامه على لوحة حيوية (بيومترية) صغيرة.
وبعد لحظات، خرجت بطاقةٌ أنيقة من فتحة في المكتب.
«هذه بطاقة هويتك الطالبية. ستمنحك صلاحية الدخول إلى المباني الأكاديمية، ومناطق التدريب، والمكتبة، وغرفة السكن المخصصة لك. كما يمكنك استخدام وسائل النقل في هذه المدينة مجانًا بوساطتها.»
ثم نقرت على شاشتها مرة أخرى وقالت: «مجمع السكن (C)، الغرفة 312. ستفتح البطاقة باب غرفتك.»
وبعلائم الامتنان، قال "نوح": «شكرًا لكِ.»
ومع ذلك، استدار وغادر المكتب.
وعندما عاد بخطاه إلى القاعة الكبرى، شعر بوزن البطاقة في يده يحمل طابعًا رمزيًا؛ فقد أصبح رسميًا طالبًا في أكاديمية نوفاريس.
والآن، تتنظره البداية الحقيقية.
كان الممر المؤدي إلى منطقة السكن يقع على الجانب الأيسر من النافورة. وسرعان ما وجد مباني السكن الطلابية، إذ كانت ممتدة على مساحة واسعة.
نظر حوله بذهول وتمتم: «يا رجل... هذا المكان شاسعٌ للغاية.»
تحرك "نوح" ليبحث عن المجمع (C)، وسرعان ما عثر عليه. مسح بطاقته عند المكتب الموجود في الطابق الأرضي من المبنى، ثم استقل المصعد وضغط على زر الطابق الثالث.
انفتح الباب ليظهر ممر الطابق الثالث. توقف أمام الباب الذي يحمل الرقم 312.
وببريقٍ من الحماس في عينيه، قال: «هذه هي غرفتي الجديدة.»
مرر البطاقة عند الباب كما تفعل البطاقات المفتاحية.
انفتح القفل بصوت صفير خافت.
دخل الغرفة وكانت مظلمة، ثم أضاءت الأنوار تلقائيًا.
تفاجأ وقال بصوت مرتفع: «أوه! هذا أفضل مما ظننت.»
كانت الغرفة واسعة؛ غرفة معيشة مع شرفة، ومطبخ متصل بها، ومكان مثالي للعيش.
وقال برضا: «هذا ممتاز. الآن لنرتب الأغراض ونحصل على شيء لنأكله.»
كان الوقت قد تجاوز منتصف الظهيرة، لذا كان يشعر بالجوع ويرغب في تناول شيء ما.
فتح الخزانة في غرفة النوم، وأخرج حقيبته من خاتم التخزين، وبدأ في ترتيب ملابسه بداخلها.
وما إن انتهى حتى غادر غرفة السكن.
تساءل بينه وبين نفسه عن المكان الذي يمكنه الحصول فيه على الطعام؛ هل يتوجب عليه الخروج إلى خارج الأكاديمية؟
لكنه سُرّ بوجود العديد من المتاجر داخل الحرم الجامعي. قد لا يحتاج الطلاب للخروج من الأكاديمية إلا نادرًا؛ ورغم أنها كانت محدودة، إلا أنها كانت كافية تمامًا.
بعد التجول في أرجاء الحرم الجامعي، تمكن من معرفة بعض الأشياء؛ إذ كانت أغلب الأماكن عبارة عن مقاهٍ، ومتاجر لبيع الكعك، ومنافذ لبيع المثلجات، ومتاجر مشابهة.
لم تكن هناك مطاعم ضخمة.
قرر أن يسأل بائع مثلجات داخل الحرم الجامعي.
نظر إليه البائع بعفوية حين سأله "نوح": «عذرًا، أين يمكنني الحصول على وجبة طعام حقيقية؟»
أجابه البائع بلطف: «توجد مطعم للطلاب (كافيتريا) داخل الحرم الجامعي، يمكنك الأكل هناك مجانًا باستخدام بطاقة الطالب الخاصة بك.»
شعرت السعادة "نوح"، وفكر في نفسه: ’حسنًا، هذا أمرٌ رائع.‘
ثم اتجه نحو كافيتريا الأكاديمية.