الفصل 14: اليوم الأول في أكاديمية نوفاريس (2)
جلس "نوح" بأريحيّة في الصف الأخير، وكان بوسعه من مقعده ذاك أن يستكشف القاعة الدراسية بأكملها دون أي عائق.
’مثير للإهتمام…‘
سرعان ما وقعت عينيه على الشاب الجالس في الصف الأمامي جهة اليمين؛ شابٌ ببشرة بيضاء وشعر أشقر، يتجاوز طوله الستة أقدام، وذو بنيان عريض ومفتول العضلات. كان زيّ الأكاديمية ملائماً له تماماً، ومبرزاً لبنيته القوية بشكل جليّ، بينما اكتست بشرته بمسحة سمرة جذابة، وتلألأت عيناه بلون خافق يجمع بين العسليّ والأخضر.
ضيّق "نوح" عينيه قليلاً.
’هذا الفتى…‘
طفت الذكريات على سطح عقله؛ فقبل أن يتجسّد في عالم هذه اللعبة، لم يكن "نوح" —أو بالحرى "آرون"— قد ألقى سوى نظرة خاطفة على قائمة الشخصيات وأوصافهم الأساسية.
ذاك الشاب ذو الشعر الأشقر لم يكن سوى "ليونارد فالتيير"، أحد الشخصيات الثانوية الرئيسية في القصة.
عُرِف "ليونارد" بحمله لسيف عظيم —نصل هائل يتطلب استخدامه قوة وقدرة تحمل هائلتين. وفي اللعبة، صُوِّر على أنه "درع البطل"، وهو القوة الضاربة في الخطوط الأمامية التي تجرف الأعداء بقوتها الغاشمة ودفاعها الراسخ. ينتمي إلى عائلة نبيلة عريقة اشتهرت بإنجاب الفرسان لجيل بعد جيل.
فكر "نوح": ’إنه مقاتل من طراز "المُدافع"… وفيٌّ، ومباشر، وقوي‘. كان ليونارد من ذلك الطراز من الرجال الذين يجلّون الشرف والقوة.
ثم تحولت نظرات "نوح" نحو الزاوية.
هناك، كانت تجلس فتاة بجوار النافذة.
انسدل شعرها البنفسجي الطويل والانسيابي على ظهرها كالحرير، وكان يتلألأ ببريق خافت تحت أشعة الشمس المتسللة عبر الزجاج. كانت عيناها الذهبيتان هادئتين ولكن حادتين وهي تستكشف الفصل بصمت. ملامح وجهها رقيقة ودقيقة إلى حدٍّ يكاد لا يُصَدَّق.
كانت جميلة… بل كانت تسرق الألباب. انحنت ثنايا جسدها بنسقٍ ممتلئ وجذاب، لكن "نوح" قرر ألا يطيل التركيز في ذلك.
أجل، فهو ليس رجلاً شهوانياً!
وحتى إن قورنت بفتيات النبلاء الشهيرات بالرقي والأناقة، فإن جمالها يضاهيهن شأناً، إن لم يتبوأ مكانة أسمى منهن.
’إذن هي هنا أيضاً…‘
كان اسمها "أريشا ويلو"، إحدى البطلات الرئيسيات في اللعبة.
وعلى عكس العديد من الطلاب البارزين في الأكاديمية، لم تكن "أريشا" من أصول نبيلية، بل ولدت لعائلة من عامة الشعب، لا تملك نفوذاً سياسياً ولا نسباً مرموقاً.
ومع ذلك، وبفضل الموهبة الخالصة والعمل الجاد، انتزعت مكانتها هنا. فبخلاف "نوح" الذي دخل الأكاديمية بفضل اسم عائلته، كانت هي قد نالت قبولها بمؤهل موهبتها الفذة عبر اجتياز اختبار القبول.
وفقاً لوصف الشخصية في اللعبة، كانت تمتاز بتقارب استثنائي مع السحر، وخاصة السيطرة على العناصر.
كانت قدرتها على النمو مرعبة؛ أمةٌ من العامة تمتلك موهبة كاسحة.
أسند "نوح" ظهره إلى كرسيه قليلاً.
’شخصية ثانوية رئيسية… وبطلة رئيسية…‘
يبدو أنه قد خطى بالفعل إلى قلب القصة. وفي تلك اللحظة بالذات، دخل شخص آخر إلى الفصل.
كانتا من البطلات الرئيسيات في اللعبة أيضاً.
قالت إحداهما بمرح: "هذا هو فصلنا! إنه كبير ومذهل للغاية!".
كانت ابتسامة مشرقة تعلو وجهها منذ لحظة دخولها الغرفة. شعرها البني الداكن الطويل كان مضفوراً في جديلة واحدة تستقر على كتفها الأيمن، وعيناها الزرقاوان تتلألآن بالحماس.
نادتها الفتاة الأخرى وهي تتبعها: "هيّا يا إيما! انتظريني".
كانت فارعة الطول، يبلغ طولها حوالي 176 سنتيمتراً. شعرها الذهبي الأشقر الطويل ينساب بحرية على ظهرها، وعيناها الورديتان النظرتان ساحرتان، بينما تميز وجهها بجمال استثنائي. وأسفل وجهها… كانت تنعم بتفاصيل جسدية بارزة متناسقة للغاية.
كلا! هز "نوح" رأسه محاولاً إبعاد هذه الأفكار غير اللائقة.
’تباً! معظم النساء هنا يمتلكن مظهراً طبيعياً! ولكن لماذا تتمتع البطلات الرئيسيات بهياكل جسدية كهذه؟ يبدو أن مبتكر هذه اللعبة كان يحب الأجسام الممتلئة حقاً‘. هكذا خلص "نوح" إلى استنتاجه.
قالت إيما بنفس الابتسامة المرحة: "أوه، تعالَيْ يا ليريا! لقد كنتُ متحمسة فحسب ليومي الأول في الأكاديمية، هاهنا!".
كان اسمها "ليريا صن ويف".
اعتبر "نوح" أن "إيما" هي الشخصية المَرِحة واللعوب في اللعبة.
ثم فكر: ’الأمر جاد. لا أستطيع حتى تحديد من هي الأجمل بين الشخصيات الرئيسية. بالمقارنة مع باقي الطالبات في الفصل، تتمتع البطلات الرئيسيات بجاذبية أكبر بكثير، والأمر نفسه ينطبق على الشخصيات الذكورية‘.
كان صحيحاً أن "ليريا" جذبت انتباه "نوح" أكثر من "إيما"، ولكن كان ذلك أمراً طبيعياً لشاب في عمره.
فقد كان مجرد فتى عادي. ورؤية هذا الكم من النساء الجميلات —أكثر بكثير مما رآه في عالمه السابق— جعلت من الطبيعي أن يرمقهن بنظرة بين الحين والآخر.
سرعان ما مشت الفتاتان نحو الصف الأمامي وجلستا، مختارتين مقاعد المقدمة.
وفجأة، ثقل الجو المحيط به، وكأن درجة الحرارة قد انخفضت بضع درجات.
التفت ببطء نحو الاتجاه الذي شعر منه بأن أحداً محاولاً اختراق جسده بنظراته.
ثم رآها؛ شعر كحليّ داكن كظلام الليل ينساب بحرية حتى خصرها.
عيناها كانتا بزبرجد أخضر، كغابة عميقة. كان اسمها "أوفيليا ثورنفيل".
تصلّب "نوح" في اللحظة التي التقت فيها أعينهما، وتخبطت دقات قلبه.
اندفعت شظايا ذكريات قديمة بعنف في عقله؛ صور لم تكن ملكاً له، ولكنها تخص هذا الجسد. الإهانة.. الفضيحة.. الاتهام..
لم تكن سوى خطيبته السابقة!
ابنة الدوق "ثورنفيل".
المرأة ذاتها التي حاول "نوح" السابق الاعتداء عليها —والتي وبسببها أُبعِد وطُرِد من عائلته.
’سحقاً!‘
لعن "نوح" في سرّه وهو ينظر إليها.
في تلك اللحظة العابرة، شعر وكأن هاتين العينين الزمرديتين بوسعهما تمزيقه إرباً. لم يكن فيهما أي دفء، بل كان هناك البرود فقط.. والحقد والكره فحسب. كان الأمر خانقاً.
لقد صُدِم حقاً من سوء حظه؛ أن تكون هي في الفصل ذاته معه…
عندما رأى "آرون" "ليونارد" لأول مرة، كان قد أدرك بالفعل أنه قد ينتهي به المطاف في نفس الفصل مع الشخصيات الرئيسية، ولكنه لم يكن متفاجئاً كثيراً حينها.
’تباً! كيف أمكنني أن أنساها؟ إنها شخصية ثانوية أيضاً!‘
لقد كان مبتذلا ومعتاداً في معظم الروايات؛ فهي شخصية ثانوية، ومع ذلك كانت هناك دائماً مسارات للشخصيات الجانبية.
كان على "نوح" أن يعترف بأن "نوح" السابق كان وغداً محظوظاً للغاية؛ والدان يتركانه يستمتع بثروتهما، ولم يكن عليه حتى القلق بشأن أن يصبح رئيس العائلة القادم، نظرًا لأن لديه أخاً أكبر وهو الوريث بالفعل.
كان "نوح" حراً في الاستمتاع بحياة مترفة، وفوق كل ذلك كان يملك خطيبة حسناء مثل "أوفيليا".
’أنا الآن غاضب جداً من هذا الوغد! لماذا بحق السماء حاول الاعتداء عليها؟ ذاك الأحمق الشهواني! الآن تضاعفت متاعبي فحسب‘.
لو أن ذاك الفتى كان مجرد إنسان صالح، لكان "نوح" الحالي محظوظاً جداً؛ ولكن بدلاً من ذلك، بات عليه الآن التعامل مع عواقب كل ما اقترفه "نوح" السابق.
حدقت "أوفيليا" في "نوح" بعينين باردتين مليئتين بالكراهية لبرهة قبل أن تعيد توجيه انتباهها إلى الأمام.
’هاه… لقد هلكت… أوه صحيح، كان هناك أيضاً شخصية ثانوية أخرى يُعدّ منافساً للبطل —أو على الأقل يعتبر هو البطل منافساً له. إن لم تخني الذاكرة، كان اسمه "كيلان نايتفول"‘.
لم يستغرق "نوح" وقتاً طويلاً ليدفع تلك الأفكار المزعجة جانباً.
’حسناً، أياً كان. لا أرغب حقاً في التفكير بهم بعد الآن. يجب أن أسترخي قليلاً قبل أن يبدأ الدرس‘.
أخرج "نوح" كيس فول سوداني محمص من خاتمه المكاني.
فتحه ووضعه أسفل المكتب حيث يوجد رف صغير، ثم التقط بضع حبات من الفول السوداني ووضعها في فمه.
قرمشة!