الفصل 197: بداية قدر جديد
ارتجفت جفونا نوح بخفة قبل أن ينفتحا ببطء.
في البداية، كان كل شيء ضبابيًا. كانت أفكاره بطيئة، وكأن عقله قد غُمر تحت محيط لا نهاية له.
الألم المبرح الذي عذبه قبل لحظات فقط قد تلاشى تمامًا، واختفى كما لو أنه لم يكن موجودًا أبدًا.
"أين أنا...؟ ماذا حدث...؟"
كافح لجمع ذكرياته. ثم عادت كلها متدفقة.
النفق تحت الأرض حيث كان يركض جنبًا إلى جنب مع ماري.
"ماري..."
اتسعت عيناه.
"ما... ماري!"
حاول الجلوس فجأة. بدأت رؤيته تتضح أخيرًا.
ما استقبله لم يكن الغابة. ولم يكن الأطلال تحت الأرض. بدلاً من ذلك، امتد تحته امتداد لا نهاية له من الأرض الرمادية الخشنة، قاحلة وبلا حياة.
كانت تشبه الحجر المتآكل، مليئًا بالشقوق التي لا حصر لها ولم تمسسها أي علامة على الحياة.
لم يكن هناك أشجار، ولا رياح، ولا أي أصوات. كان هناك صمت فقط.
"...ماذا؟"
دفع نوح نفسه إلى قدميه ببطء. تجولت عيناه عبر المشهد القاحل قبل أن ترتفعا غريزيًا نحو السماء. توقف أنفاسه.
فوقه امتدت بحرًا من النجوم، أكثر سطوعًا مما رآه في حياته، متلألئة عبر الظلام الذي لا نهاية له.
كان الأمر وكأنه واقف على حافة الكون نفسه.
"...أين أنا؟"
تردد صدى صوته بخفة قبل أن يختفي في الصمت اللانهائي.
ثم، بينما استدار ببطء، تجمد جسده بالكامل.
تقلصت بؤبؤتا عينيه. بعيدًا في الظلام، تعلق جرم سماوي ضخم. كوكب يخطف الأنفاس يطفو بصمت عبر الفضاء.
كانت محيطاته الشاسعة تلمع بلون أزرق ياقوتي عميق، بينما امتدت القارات الخضراء الزمردية عبر سطحه مثل الجواهر الثمينة.
انجرفت كتل هائلة من السحب البيضاء بلا مبالاة حول العالم.
أضاء توهج ذهبي خافت أفق الكوكب، مما جعل الكوكب بأكمله يبدو شبه إلهي. كان جميلًا بشكل لا يمكن تصوره.
حدق نوح بلا تعبير.
"ت- هذا..."
ارتجف صوته.
"...الأرض؟"
هز رأسه على الفور. "لا..."
اتسعت عيناه أكثر. "...ليست الأرض. إنه... إنه تيرانس."
العالم الذي نُقل إليه. الكوكب نفسه الذي يعيش عليه الآن.
كان ينظر إليه من الفضاء. مشهد مستحيل. أصبح تنفسه غير متساوٍ. "كيف...؟ كيف أنا هنا على القمر؟ لماذا أستطيع التنفس؟ هل أنا... ميت؟"
غرق عقله في ارتباك كامل.
طقطقة.
تردد صدى صوت غريب عبر الفراغ الصامت.
تصلب جسد نوح.
طقطقة.
طقطقة.
استمر الشق في التوسع حتى وصل ارتفاعه إلى أكثر من مترين.
خلفه لم يكن هناك شيء. كان هناك ظلام لا نهاية له فقط.
حتى ضوء النجوم لم يستطع دخول تلك الهاوية. تردد نوح بحذر.
"ما هذا..."
لم يستطع فهم ما كان يشهده.
خرجت قدم من الظلام ولمست الأرض الرمادية بصمت.
تبعتها قدم أخرى. ظهر شكل أنثوي طويل ببطء من السطح المتشقق.
في اللحظة التي رآها فيها نوح. أصبح جسده بأكمله متصلبًا. سرى إحساس بالقشعريرة أسفل عموده الفقري.
توقف تنفسه.
كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا من الحرير الأبيض النقي الذي بدا أنه يطفو فوق جسدها، تتناثر ثنياته الرقيقة مثل أجنحة الدخان عبر ماء ساكن.
غطى حجاب أبيض طويل رأسها وأخفى كل شيء فوق شفتيها. بقي ذقنها الشاحب فقط مرئيًا تحته.
هربت عدة خصلات من شعرها من تحت الحجاب. كانت بلون الدم الأحمر الطازج. بينما بالقرب من الجذور، تتلاشى تدريجيًا إلى اللون الأزرق القمري الفاتح الناعم عند أطرافها، متوهجة بخفة تحت النجوم التي لا حصر لها.
كان جلدها شاحبًا بشكل غير طبيعي. ليس الشحوب الباهت لامرأة عادية. بدا وكأنه لم يكن هناك دم يتدفق تحته أبدًا.
كانت تقف بطول يقارب المترين. كانت رشيقة وأنيقة ومثالية.
لكن ما سرق أنفاس نوح لم يكن مظهرها. لم يكن بإمكانه حتى رؤية وجهها لأنها كانت ترتدي حجابًا.
كان حضورها هو ما سرق أنفاسه. شيء لا يمكن وصفه بكلمة "جميل".
لم يكن مجرد خوف. كان غريزة. كل ذرة في كيانه صرخت بأن هذا الوجود يقف على مستوى أعلى بما لا نهاية له منه.
لو أرادت، لكانت تستطيع محوه بلمسة واحدة.
"هل هي... إلهة القمر...؟"
تذكر عقله التمثال الضخم المخفي داخل المعبد القديم.
"إنها... هي. هي بالتأكيد إلهة القمر."
تشكل العرق البارد عبر جبهته. دارت أفكاره بجنون.
"لماذا أنا هنا؟ هل استدعتني؟ هل هي من جلبتني إلى هذا العالم؟ أم أنها اكتشفت أنني لست نوح الأصلي؟ ...هل ستقتلني؟"
لم يعرف. لم يستطع فهم أي شيء.
استمرت الإلهة الغامضة في المشي نحوه. لم تصدر خطواتها أي صوت. ومع ذلك حملت كل خطوة ضغطًا بدا أثقل من الجبال.
أراد نوح التراجع. أراد التحرك. لكن جسده رفض.
بدا الأمر وكأن مساحة فارغة قد حلت محله. لم تستجب عضلاته. لم يستطع صوته حتى الخروج.
قريبًا وقفت أمامه مباشرة، مرتفعة فوقه.
لم يستطع رؤية وجهها تحت الحجاب. امتد الصمت بينهما.
انحنت نحوه ببساطة.
ببطء رفعت يدها اليمنى. كانت حركاتها رشيقة بشكل لا يوصف.
توقفت أصابعها الشاحبة على بعد بوصات من جبهة نوح. امتد إصبعها السبابة فقط.
طقطقة.
لمست أطراف الأصابع مركز جبهته.
على الفور انتشر برد لا يطاق عبر جسده.
شعر وكأن الشتاء نفسه قد دخل مجرى دمه.
تجمد دمه. تجمدت عظامه. تجمدت عضلاته. حتى وعيه بدا وكأنه يتجمد.
رفع نظره نحو الإلهة الصامتة.
لم تتحدث أبدًا. كانت تراقب ببساطة. تكثف إحساس التجمد. انتشرت بلورات الجليد ببطء عبر أطراف أصابعه.
ثم انتقلت إلى يديه، وذراعيه، وصدره.
تشكل الصقيع عبر رقبته قبل أن يجمّد كتفيه. تجمدت رموشه. أصبحت رؤيته محاطة بطبقة من الجليد البلوري.
أخيرًا أصبح جسده بأكمله تمثالًا خاليًا من العيوب من الجليد الأزرق الشفاف.
بقيت عيناه فقط مثبتتين على الإلهة الصامتة الواقفة أمامه تحت بحر النجوم الذي لا نهاية له.
ببطء، أغمضت عينيه. آخر شيء رآه نوح كان الإلهة الغامضة واقفة بثبات تحدق فيه.
طقطقة.
تحطم جسده المتجمد إلى شظايا لامعة لا حصر لها من الجليد. انجرفت الشظايا البلورية بصمت إلى الظلام. حتى لم يبق شيء.
[نهاية المجلد الأول: بداية قدر جديد]