الفصل الثاني: الاستيقاظ في مكان مجهول
كانت هناك غابة مجهولة يلفها صمت مطبق، لا يقطعه سوى رائحة الدماء الزكية الثقيلة التي تشبع بها الهواء.
في إحدى البقع الظليلة من الغابة، كانت هناك خمس جثث بشرية تناثرت على الأرض. كانت أجسادهم ملتوية ومحطمة، وثيابهم ممزقة ومبتلة بدماء قانية داكنة بدأت تجف. كانت الجروح الغائرة المحفورة في أجسادهم تحكي تفاصيل مجزرة عنيفة انتهت منذ لحظات فقط. أطراف هامدة بلا حياة، وأعين شاخصة تتطلع إلى اللاشيء، وكأنها تجمدت في لحظاتها الأخيرة من الرعب.
ولكن على مسافة قريبة منهم، كان هناك جسد بشري آخر. كان يرتفع صدره ويهبط أثناء التنفس؛ لقد كان حياً.
كان شاباً في عشرينيات عمره، ينثال شعره أبيض كالثلج—ناصعاً، وناعماً، وحريرياً. كانت بشرته فاتحة، ويمتلك وجهاً شديد الوسامة. كانت عيناه مغمضتين، ولكن بعد بضع ثوانٍ، بدأ جفناه يرفرفان ليفتحا. حاولت عينان بلوريتان بصلابة بالغة الاستبصار ومعرفة ما يجري أمامه. جاهدت عيناه الكريستاليتان الزرقاوان لفهم الشؤون المحيطة به بينما ملأت أشكال ضبابية رؤيته.
رويداً رويداً، بدأ الضباب يتلاشى، لتظهر سماء زرقاء صافية، إلى جانب أغصان الأشجار المتدلية فوقه بأوراقها التي ترفرف بلطف مع النسيم.
"أين أنا؟"
سرت آلام حادة ومفاجئة في كافة أنحاء جسده.
"غاه-!" أنَّ بألم.
حاول أن يدفع نفسه للأعلى، واستند إلى يديه ليتدبر جلوسه. كان هناك جرح في صدره، ولباسه الجلدي الرمادي مزقته الإصابات والدماء لا تزال تسيل منه، بينما امتلأ وجهه بعدة خدوش وجروح.
اجتاحته موجة من الألم الحارق.
طرقات!
طرقات!
بدأت ضربات قلبه تتسارع، وتسلل الرعب إلى أعماقه.
"أنا مصاب-!"
قضم!
قضم!
قضم!
قبل أن يتمكن من التفكير أكثر في وضعه، جذب انتباهه صوت قضم وتناول طعام. التفت برأسه إلى اليمين.
"ما هذا؟!"
اتسعت عيناه من الصدمة. كانت هناك عدة جثث بشرية ملقاة هناك، بلا حياة وتغرق في دمائها.
وبالقرب منها، وقف دب ضخم.
لا، لم يكن دباً عادياً من تلك التي يراها على شاشات الهواتف أو التلفاز؛ بل كان أكبر بكثير من أي دب عادي. ينبت قرن ضخم من جبهته، وفراؤه شديد السواد، بينما تتوهج عيناه باللون الأحمر الشرير.
كان يلتهم إحدى الجثث الهامدة، يمزقها إرباً، وينغرس فكه الهائل في أحشائها لينهش لحمها.
"كح-!"
عند رؤية ذلك المشهد الشنيع، شعر الشاب برغبة عارمة في التقيؤ، فغطى فمه بكفه الأيمن. لكن الصوت الناجم كان أعلى من همساته المكتومة.
توقف الوحش عن مَضْغ وجبته البشرية. التفت رأسه فجأة نحو مصدر الصوت، وانقضت عيناه الحمراوان المتوهجتان على الشاب الحي.
زمجرة!
كان جسده مصاباً ومثقلاً بالآلام، ولكن في هذه اللحظة، لم يعد للألم أي أهمية. زمجر الوحش في وجهه محذراً، متأهباً للاندفاع نحوه.
وفوراً قبل انقضاضه، نهض الشاب عن الأرض واستدار على عقبيه، واستجمع قواه ليركض مبتعداً عن الوحش الكاسر في الاتجاه المعاكس.
دبب!
دبب!
دبب!
أخذ يركض عبر الغابة، يلتف بين الأشجار العالية الملتوية دون أن يلتفت خلفه، مواصلاً الركض بكل ما أوتي من قوة.
ومن خلفه...
زئيرررر!
كان الوحش يلاحقه بغضب عارم وهياج شديد.
'هاه!... ما الذي يحدث؟ أين أنا؟ كيف وصلت إلى هنا؟ ولماذا يوجد وحش حقيقي هاهنا؟'
كان الشاب في غرفة نومه قبل بضع ساعات فقط، فكيف انتهى به المطاف في هذا الموقف العصيب والخطير؟
لم يكن هذا الشاب الذي يركض سوى "آرون".
طرقات!
طرقات!
لم يسبق له أن رأى شيئاً كهذا من قبل، إلا في الأفلام أو الألعاب. ولكن الآن، هناك وحش حقيقي يطارده.
هل كان في كابوس أو أضغاث أحلام؟
"آه!" أنَّ بألم؛ فكل خطوة يخطوها كانت ترسل موجات من العذاب عبر جسده المشروخ، مما أثبت له يقينًا أنه لا يحلم.
'هذا لا يمكن أن يكون حلمًا!'
أدار رأسه للخلف، فلاحظ أن الوحش أضحى أقرب بكثير مما كان عليه.
كان الوحش على وشك اللحاق به، ثم قفز فوق رأسه!
'لا! لا! لا يمكنني الموت هنا!'
ألقى آرون بنفسه نحو اليسار بفطرة هائلة.
بوووم!
ضربت مخالب الدب الأرض في البقعة التي كان يقف فيها آرون منذ لحظات، وتسببت شدة الضربة في تشقق التربة.
تدحرج آرون على الأرض عدة مرات قبل أن يصارع ليقف على قدميه مجدداً.
"سحقاً! هذا الجسد اللعين!" سبَّ جسده المصاب؛ فقد كان من الصعب حقاً الحركة بهذا الجسد المتهالك.
لم ينظر إلى الخلف وواصل الركض في اتجاه آخر، لكن الوحش لم يدع له مجالاً للهرب، بل طارده مجدداً بضراوة أشد وغضب أعمى.
زئيرررر!
كان الدب أسرع من ذي قبل، وبدأ يدركه بالفعل. لوّح بذراعه اليمنى وصدم بها القفص الصدري الأيمن لـ "آرون".
طقطقة!
تردد صدى صوت انكسار عظام.
"آرغغغ!"
كانت الضربة من القوة بحيث ألقيت بالشاب جانباً، ليرتطم بشجرة قريبة بصوت مدوٍّ.
ارتطام!
"آارررغغ!" صرخ متألماً. كاد الارتطام يفقدعه وعيه، لكنه جاهد بضراوة ليبقي على تركيزه.
أمسكت يده اليسرى بقفصه الصدري حيث تلقى الضربة القاسية.
'عظامي... لقد تحطمت في الداخل'. أدخل هذا الإدراك القشعريرة في أوصاله، وبرزت العروق في جبهته من شدة الألم.
ماذا عساه أن يفعل؟ أصبح من الصعب التفكير بوضوح. كان أحد خديه متورماً، وجفناه بالكاد تظلان مفتوحتين.
نظر إليه الوحش.
زمجرة!
زمجر وهو يتأمل الجسد الشبه ميت القابع أمامه.
فتح الوحش فمه على وسعه، كاشفاً عن أسنان ضخمة ومسننة ذات أطراف حادة صُممت خصيصاً لتمزيق الأعداء والفرائس.
أنزل فمه الفاغر ليعض آرون وينهي حياته في التو واللحظة.
'يجب أن أفعل شيئاً... يجب أن... لا أستطيع' فكّر بضعف هائل.
دفع نفسه للأعلى، فغريزة البقاء والأمل الأخير والرعب من الموت تدفقت فجأة في أرجاء جسده.
تحرك قبل أن يستوعب عداك. اندفعت يده اليمنى إلى الأمام تلقائياً.
لم يكن يعلم ما الذي يفعله، لكنه شعر وكأن جسده قد قام بهذا الفعل مرات لا تحصى من قبل.
تدفق شيء دافئ من أسفل بطنه. كان مجهولاً، ولكنه كان مألوفاً في الوقت نفسه، وكأنه جزء أصيل ومترسخ منه.
تشكل شيء ما أمام يده، واهتز الهواء من حولها. انتشرت برودة قارسة نحو الخارج بالقرب من كفه، وسرى البرد واضحاً في أوصاله.
ومن حيث لا يعلم، ظهر شيء يشبه الكريستال الأزرق. كان طويلاً وأكبر من حجم قبضته، ويمتلك طرفاً صلباً وشديد الحدة.
كانت يده قد أصبحت بالفعل داخل فم الوحش المفتوح على وسعه.
حدث كل شيء في ثوانٍ معدودة.
اتسعت عينا آرون شبه المغلقة فجأة، واستطاع أن يستوعب ماهية الشيء المتشكل من يده الممتدة...
"...ثلج؟"