حدّق الشاب في بلورة الجليد التي تشكّلت أمام يده اليمنى، وتدفق منها إحساسٌ بالبرودة سرى بين أنامله.

"... ثلج؟"

تَمَلَّكه الذهول، ومع ذلك لم يشعر بالغربة تجاه الأمر؛ بل بدا وكأنه شيءٌ ظلّ دومًا جزءًا منه.

تطلع إلى الوحش القريب منه:

"عليّ أن أطلقه!"

وما إن خالجته فكرة الرد والتصدي للعدو، حتى انطلقت البلورة الزرقاء نحو الأمام.

سحق!

تناثر!

تناثرت دماء قرمزية في الهواء، ولم تكن هذه المرة دماء آرون. لقد اندفعت البلورة الجليدية لتستقر داخل فم الوحش، وانغرزت بألمٍ شديد في أعلى حنكه.

زئاااار!

ترنح الوحش إلى الخلف وهو يصرخ من شدة الألم، لكنه لم يسقط. راح يهز رأسه بعنف وفمه مفتوح لاتساعه، حتى انفصلت البلورة في النهاية وهوت من فمه.

زمجرة!

أصدر زمجرة مكتومة والدم يتسرب من فمه، ثم التفت نحو الموضع الذي انبعثت منه الضربات وعيناه تتألقان بالحقد والكره.

لكن لم يعد هناك أحد يجلس بجوار تلك الشجرة.

إن كانت هناك حتى أدنى فرصة للنجاة، فعليه أن يقتنصها.

تركّز ذهنه على تجسيد سلاح؛ شيء يمكنه الإمساك به بأريحية بيده الواحدة، لا ضخمًا ولا ثقيلًا، بل حادًا كفاية ليعينه على طعن عدوه.

ركض نحو الوحش من الجانب.

سرى في عروقه الطاقة الدافئة ذاتها كالدم، وتجمعت حول يده اليمنى بينما بدأ شيء بارد يتشكل في راحة كفه.

بدأ الجليد يتجسد تدريجيًا، ماليًا هيئة سلاح حاد يشبه الخنجر.

كانت الشفرة الجليدية حادة وكأنها صُنعت من الفولاذ الصليب.

لمح الوحش الدب اقترابه، فلوّح بذراعه المخلبية أفقيًا بهدف تهشيم رأس الشاب.

كان جسد آرون منهكًا ومحطمًا، والوجع يستشري في كل إنش منه، ومع ذلك واصل الحركة... تدفعه رغبة عارمة في البقاء.

في أن يظل حيًا.

تدفق الأدرينالين في جسده، وخفق قلبه بتسارع.

"عليّ تفاديها!"

انخفض بجسده في اللحظة ذاتها.

مرت الذراع العضلية فوق رأسه، حتى إنه شعر بعصف الهواء الناجم عنها.

أحكم قبضته حول مقبض الخنجر الجليدي، وسدد ضربة قاطعة نحو بطن الوحش.

طعن!

اخترقت الشفرة بلسعة خفيفة الطبقة السميكة من الفراء والدهن. ثم وضع يده اليسرى فوق السلاح ودفع بكل قوته متجاوزًا حدوده.

تغلغلت الشفرة عميقًا مع دفع آرون لها نحو الأمام، جاحرًا إياها بشكل أُفقي عبر بطن الوحش.

قطعت أكثر وعمقًا.

إعلان

تمزيق!

تردد صدى صوت تمزّق رطب في أرجاء الغابة؛ حيث اخترقت الشفرة الجليدية اللحم السميك.

اندفعت الدماء بغزارة من الجرح، وتناثرت على أرضية الغابة.

ارتعش جسد الوحش بعنف مع اتساع الشق، واستمرت الدماء في التدفق منه.

زئاااااااار!!

صراخ أليم أصم الآذان شق سكون الغابة، كان أشد مرارة وألمًا من ذي قبل.

وقف الوحش الدب على قدميه الخلفيتين زائرًا بوجع، ثم لوح بذراعه الهائلة بعشوائية لترتطم بجسد آرون.

"سحقًا!"

ارتطام!

"غاه!"

كانت الصدمة قاسية وعنيفة؛ إذ طار آرون جانبًا مرة أخرى ليصطدم جسده بقوة بالأرض.

ارتطام!

تدحرج عدة مرات قبل أن يستقر أخيرًا.

انفجر الألم في جميع أنحاء جسده، وتغشيَت رؤيته.

في هذه الأثناء، كان الوحش يترنح إلى الخلف، والدماء تتنزل بغزارة من الشق الهائل المقطوع عبر بطنه.

كان اللحم يتدلى باسترسال ملطخًا باللون القرمزي.

كان الجرح عميقًا... عميقًا لدرجة كشفت عن العضلات القابعة تحته.

للحظة خاطفة، ظن آرون أنه نجح في قتل الوحش وأن تلك الطعنة كانت كافية لإردائه.

"هل... قضيْتُ عليه؟"

لكنه كان مخطئًا؛ فالوحش لم يسقط، بل ظل واقفًا.

استعاد استقامته ببطء وهو يلهث بثقل، والدم يقطر من جسده ليرشح في التربة.

أما عيناه الحمراوان المتوهجتان فكانتا تحترقان بالجنون والغيظ.

زمجرة...

كان الوحش لا يزال على قيد الحياة. وعلى الرغم من أن بطنه كان مشقوقًا، إلا أنه ظل صامدًا، يحملق فيه بنظرات تقطر برغبة القتل.

غرق قلب آرون في اليأس:

"لا! لماذا؟ كان يجب أن تكون تلك الضربات كافية، أليس كذلك؟"

كان جسده مطروحًا على الأرض، عاجزًا عن الحراك.

تخدرت أطرافه، وحتى التنفس بات عملًا مضنيًا وشديد الألم.

ثبّت الوحش نظراته عليه، ثم بدأ بالاندفاع.

كانت كل خطوة تهز الأرض وهو يهرول نحو جسد الشاب العاجز، عازمًا على الإجهاز عليه.

"أنا... لا أستطيع التحرك..."

شحب وجهه كالموتى عندما استوعب حقيقة موقفه.

بدأ وعيه يتأرجح ويغيب.

فهل هذه هي النهاية؟

وفي اللحظة التي قلص فيها الوحش المسافة، شق وميض خاطف من الضوء الأخضر الداكن ظلام الغابة.

وففف!

تحرك شيء بسرعة خاطفة للأنظار.

لم يستطع آرون رؤيته بوضوح، وقبل أن يتمكن الوحش من إبداء أي رد فعل، مر الضوء الأخضر مباشرة عبر جسده.

ارتسم خط أخضر دقيق في الفضاء.

ولجزء من الثانية، خيّم السكون على كل شيء.

قطع!

تجمد الوحش الدب في منتصف خطوته، واتسعت حدقتاه بذعر. ظهر خط رفيع يمتد عبر جسده.

وفي اللحظة التالية، انقسم جسده الضخم بنظافة إلى نصفين؛ اندفع الدم بقوة وحشية بينما انزلق النصف العلوي ليهوي على الأرض.

ارتطام!

وانهار النصف السفلي بعد نبضة قلب واحدة. لقد مات الوحش، وبدا جثمانه بشعًا ومروعًا.

عادت الغابة لتغرق في السكون مجددًا. وعبر رؤيته الضبابية، لمح آرون هيئة رجل يقف في الموضع الذي توقف عنده الضوء الأخضر.

كانت وقفته توحي بالهدوء والرزانة. تحولت عيناه الزمرديتان الحادتان نحو آرون، وكان يمتلك شعرًا بنيًا داكنًا يتماوج بخفة مع النسيم.

عندما التقت تلك العينان بعينيه، غمر الارتياح صدر آرون.

إنه إنسان...

’... لقد نجوت... أخيرًا...‘ هكذا فكر آرون.

كانت قوة إرادته للحفاظ على وعيه تتلاشى ببطء، ولم يعد قادرًا على التفكير تقريبًا؛ حتى صياغة الأفكار باتت أمرًا عسيرًا. والآن، لم يعد أمامه خيار سوى الوثوق بالرجل الواقف أمامه.

كان هذا خياره الأخير.

’آمل... أن ينـ- ينقذني.‘

تلاشى التوتر أخيرًا من جسده، واسترخى تنفسه، فيما أثقل الإرهاق جفنيه.

تأمل الرجل الشاب الممدد أمامه، ثم جلس على ركبة واحدة بالقرب من آرون.

"أنت نوح إلدريتش... على الأقل ما زلت على قيد الحياة..." خمن الرجل ذلك من مظهر الشاب وهو يرى شعره الأبيض كالثلج وعينيه البلوريتين الزرقاوين.

سمع آرون ذلك الاسم، وبدا له مألوفًا.

’... نوح إلدريتش؟‘

تردد ذاك الاسم في أذنيه للمرة الأخيرة قبل أن ينفلت وعيه كليًا.

وابتلعه الظلام من جديد.

2026/09/23 · 121 مشاهدة · 890 كلمة
Rams
إعلان
نادي الروايات - 2026