الحادثة الأولى (7)
ظل نوح واقفاً هناك دون إحداث أي صوت. كان يرى ظهر الرجل الذي يرتدي قميصاً أزرق وبنطالاً أسود، وهو زي عمال الأكاديمية.
كان شعره أسود. راقبه نوح لبرهة وفكر: (عليّ الانسحاب من هنا ببطء).
ولكن، ما إن همّ بالالتفاف لمغادرة المكان، حتى تحدث الرجل: "إلى أين أنت ذاهب؟ جئتَ للبحث عني... وتغادر الآن دون حتى أن تطرح السلام؟".
تصلب جسد نوح بالكامل ووقف كتمثال متجمد: (تباً!).
أجبر نفسه ببطء على الالتفاف؛ كان بإمكانه الهرب ببساطة، لكنه قرر عدم الفعل، فالرجل يستطيع مطاردته بسهولة، أو ربما... لو هرب، فمن يدري كم من الوقت سيستغرق هذا الرجل ليظهر نفسه مجدداً، وقد يختبئ في مكان آخر.
(اهدأ يا نوح).
أمسك بمقبض الباب وفتحه ببطء؛ أطل الرجل بعينيه وهو لا يزال ينظر إلى المعركة القائمة. خطى نوح نحو السطح، وكان الرجل واقفاً عند الحافة مستنداً إلى السور.
قال الرجل بكلام عابر وكأنه يتحدث إلى صديق قديم: "أليس منظر اليوم جميلاً؟ ما رأيك؟".
قبض نوح يده الحرة بإحكام وشدد قبضته على الرمح. هذا الرجل يسأله عما إذا كان منظر اليوم جميلاً أم لا! ومع ذلك، لم ينفجر نوح غضباً، بل تسللت ابتسامة إلى وجهه:
"بالتأكيد! منظر اليوم في غاية الروعة؛ صرخات الطلاب العاجزين، صرخاتهم المتألمة وهم يحاولون الهرب بنجاب حيلتهم، دماؤهم الزكية التي تناثرت على الطرقات أثناء قتال الوحوش، وجثثهم الملقاة في الشوارع كأنها تحف معروضة.. ههه~".
واصل نوح الحديث بأسلوب مسرحي: "لقد كان أمراً مذهلاً بحق، ورائحة الدماء الساطعة في الهواء كانت تسكر العقول".
وأخيراً، التفت الرجل؛ استطاع نوح رؤية وجهه: رجل في أواخر العشرينات من عمره، بشعر أسود وعينين خضراوين. وكان اسمه مكتوباً على صدره: بيتريك.
تفتحت ابتسامة بهيجة على وجه بيتريك: "أوه وأخيراً! التقيت بشخص يقدر مثل هذا المنظر الجميل! لا تصدق كم أنا سعيد بعد سماعك تمدح عملي العذب! هاهام!"؛ قالها ضاحكاً وهو يصف أفعاله المشمئزة بالعمل الجميل.
لم يظهر نوح أي انفعال على وجهه وظل محافظاً على ابتسامته اللطيفة: "أعلم، أعلم! لقد كان شيئاً مدهشاً".
رفع بيتريك يده وأشار إلى نوح بسبابته وهزها وهو يضحك: "هههه! أيها الفتى، لقد أُعجبت بك. شكراً لك على مجاملتي".
رد نوح: "لا داعي للشكر... هل لي أن أعرف اسمك؟".
نظر إليه بيتريك بحيرة: "ماذا؟ اسمي؟ إنه بيتريك، مكتوب على قميصي".
تبسم نوح ابتسامة عارفة: "أوه، هيا بنا! أعلم أن هذا ليس اسمك الحقيقي. لقد أثرت الفوضى في الأكاديمية للتو، ولا يوجد احتمال بأن تستخدم اسمك الحقيقي. هذا يوضح أنك تحرك هذا الجسد من الخارج".
تلاشت ابتسامة بيتريك كلياً هذه المرة، لكنه أجبر نفسه على الابتسام مجدداً: "افتراض مثير للاهتمام... ولكن لماذا قد تفكر في أمر كهذا؟ أنني أتحكم بجسد من الخارج؟ هذا يبدو مضحكاً".
لم يرد نوح لبرهة والابتسامة لا تزال تعلو وجهه؛ بينما بدأ المانا يتجمع ببطء حول يده اليمنى التي تمسك بالرمح: "لا شيء مضحك في عالم سحري؛ هناك العديد من الأدلّة التي تشير إلى أنك تستخدم جسد شخص آخر للتحكم به".
خطا الرجل خطوة إلى الأمام: "مثير للاهتمام... يبدو أنك لست أحمق. هل لك أن تخبرني لماذا تعتقد ذلك؟ كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج؟".
رد نوح: "الأمر بسيط جداً؛ بالنظر إلى البنية الجسدية لهذا الجسد، أستطيع القول إنك... أو بالأحرى بيتريك، ليس مستخدماً للأسلحة. الجسد نحيل، ولا توجد عضلات تشير إلى عمل بدني شاق، ولا وجود للتندبات أو الثفنات الناتجة عن التدريب. هذا يظهر انعدام الخبرة في استخدام الأسلحة، ولا يعقل أن يكون العدو الذي أتى إلى هنا لقتل الناس ضعيفاً".
بيتريك: "قد أكون ساحراً... شخصاً يركز على السحر أكثر".
نوح: "صحيح... قد تكونك كذلك. ولكن مجدداً، الجثث الموجودة عند الاستقبال كانت بها قطع حادة؛ قطوع لا يمكن إحداثها إلا بشفرة، ولا تبدو بأي حال من الأحوال أنها تمت على يد مبتدئ أو ساحر لم يتدرب قط على الأسلحة. وأخيراً... أي أحمق يدخل الأكاديمية مباشرة؟ هناك العديد من المعلمين القويين هنا، وخطيئة واحدة ولن تتمكن من الهرب. لا أعلم من أي منظمة أتيت، لكنهم لن يسلموا هذه المهمة لشخص ضعيف أو عديم الخبرة. لذا أعطوها لك... شخص قوي يستطيع اللعب بأمان عن بُعد".
استمر بيتريك في الابتسام: "أنت حقاً مثير للاهتمام".
وفجأة... اختفى من مكانه!
تحرك نوح بغريزته ورَفَع رمحه إلى الأمام ليصطدم به شيء ما!
كِلانغ!
تناثرت الشرارات!
"أرغغغ!"
هاجم بيتريك نوح بخنجره، وكان تأثير الضربة من القوة بحيث اندفع نوح إلى الخلف وسقط نحو جدار السور!
طَخْ!
اصطدم ظهره بالجدار المرتفع بمستوى الخصر، واصطدمت الحافة الحادة بظهره مسببة له مزيداً من الألم: "سحقاً!".
كان نوح قد استخدم قدرته الفطرية لتجميد الأرض حول المكان الذي كان يقف فيه بيتريك قبل لحظات.
تفاجأ بيتريك وكاد يفقد توازنه، حيث حاول الحفاظ على ثباته في البقعة التي هاجم منها.
سخر نوح بابتسامة تهكم وهو مستند إلى الجدار: "هههه- لنرى ما إذا كان بإمكانك قتلي أم لا"، ثم ألقى بجسده إلى الخلف ليسقط من أعلى المبنى وهو يضحك...